تاريخ لبنان عملاق ألتواريخ الفصل الخامس عشر

23 حزيران 2008 ميّ مرّ - تاريخ لبنان عملاق ألتواريخ



العالمُ اللّبنانيّ-الفينيقيّ، ومليكتُه كرتاجة
من البِداياتِ حتّى إطلالةِ المسي
ح

 

http://www.elnashra.com/images_tarikh/14/4.jpg

كان الصّوّان مُتشابِهًا في شتّى أنحاء العالم

شرعَ أسلافُنا يُغامِرون خارج وطنِهم مذ تفتّحَ العقلُ على أرضِنا. يؤكِّدُ ذلك كونُ القبمورّخين يصِفون كلَّ الحضاراتِ السّابقةِ للتّاريخِ بأنّها كانت "عالميّة"- "كونيّة"، لكونِها متشابِهةً في العالمِ كلّه، إذن مولودةٌ في مكانٍ معيّن، منه توزّعَت على الأرض. وطبيعيٌّ أن يكونَ هذا المكانُ هو لبنان-فينيقيا الّذي ما اجتاحَه جليدٌ في الطّورِ الجيولوجيّ الرّابعِ كما حصلَ لـ أوروپّا، ولا كان مرّةً صحراءَ قاحِلة، كمُعظمِ البُلدانِ المُجاورةِ له، لذا لم تتوقّف فيه مرّةً عمليّاتُ العقلِ التّصاعديّة. وقبلَ أن يُعلِنَ عُلماءُ كثيرون، أنّهم وجَدوا فيه آثارًا لمُعظمِ البِداياتِ الحضاريّةِ القَبتاريخيّةِ ثمّ التّاريخيّة، كما وجَدوا في شتّى البُلدانِ لقيّاتٍ تَدعمُ القَول بأنّ فيه وُلِدَت الحضارةُ ومنه عمّت الدّنيا، سمّاه المؤرّخون الكِبار، سيّما الأب مارتن، "مهد الحضارات". بعدئذٍ تأكّدَ للعُلماءِ أنّ فيه نشأ الإنسان وتَرعرَعَ، ثمّ أكملَ تَصاعدَه في عالمِ الرّوح.

ما بين عصر تور-إيل وإطلالةِ المسيح افتتَحَ اللّبنانيّون-الفينيقيّون العالمَ ومدّنوا شُعوبَ آسيا وافريقيا وأوروپّا وأميركا وأوقيانيا.

The image

إناءٌ من العاج يَعودُ إلى عهدِ نوح (3200 ق.م.). يُفيدُ أنّ أدواتِ الرّفاه اختُرِعَت في جبيل، حيثُ اختُرِعَ ما يُمثّلُه الإناء: العَربةُ الّتي تَجرُّها الحيوانات. أخوه في ميزوپّوتاميا (من الخزف)، وعمرُه 2300 ق.م. - دونان، "بيبلياغراماتا"، ص 4، لوحة 1

وبدأ تنقّلهم بطيئًا، ثمّ تسرّعَ في "عصر تور-إيل"، على أثرِ استِنباطِ وسائلَ جديدةً ومتنوّعةً للنّقل، ليسَت أقلّها العرَبة: وقد تكونُ وسائلُ التّنقّلِ برًّا على الحيواناتِ هي الأُولى، إنّما من الأكيدِ أنّ لبنان-فينيقيا استَنبطَ الدّولاب ومن ثمّ العرَبةَ الّتي تجرّها الثّيران أو الخُيول، منذ أيّامَ تور-إيل، بما أنّنا نقرأ في إپّوپيّات أوغاريت أنّ الملكَ تيراس-كرت (ملكرت-هركل) وغيرَه استَخدموا العرَبات.
واختُرِعَت السّفينةُ "الطّرانزطلنطيّة" (أي قاطعةِ المُحيطات). ولم يعد يَخفى على العُلماءِ أنّ قصّةَ سفينةِ نوح الجبيليّ الّذي عاشَ في الألفِ الرّابعِ القَبمسيحيّ ليسَت أُسطورةً بل حقيقةٌ تاريخيّةٌ مالئةٌ تَقاليدَ الشُّعوبَ وتواريخَهم وآدابَهم، وقد ثبَّتها الأركيولوجيّون الّذين وجدوا آثارًا للسّفُنِ ولتَنقّل الشّعوبَ بحرًا، تَعودُ إلى آلافِ السّنينِ قبلَ المسيح. وكُتُبُ التّاريخِ ملأى بأخبارِ رِحلاتِنا البحريّةِ أيّامَ تور-إيل حفيدِ نوح، ومن أهمِّها "رحلة الأرغونوت"، الشّهيرةُ نحو البُلدانِ القطبيّةِ - الّتي قُلنا إنّ هدفُها كان البحثُ عن الذّهبِ والعنبَرُ - ومنها الرّحلاتُ القَدموسيّة، الّتي من آثارِها 400 مَكتوبة حجريّة عُثِرَ عليها في پّنسيلفانيا، والرّحلات الحيراميّةِ الّتي ذكَرنا بعضَها، وأهمُّها مَكتوبة پّاراييبا، وسنَعودُ إليها... كما سنَذكرُ بعضُ الرِّحلاتِ الكرتاجيّةِ نحو غربِ أفريقيا، وشمالَ أوروپّا. ولن ننسى الرّحلةَ المَعروفةِ بـ"رحلةِ نخاو"، الّتي يذكرُ هيرودوت (4، 42)، أنّ الفينيقيّين قاموا بها حولَ أفريقيا، في القرن الخامس قبل المسيح.

أهرامٌ وعلاماتٌ للآلهةِ تُمثِّلُ كلُّ واحدةٍ منها مسخًا طائرًا. تحته منظومةُ قساطلَ موصولة بالمُحرك، فوقَها رمزٌ يدلُّ على التّحرُّك من الأرض نحو السّماء المُنجّمة.- من كتاب لـ روبير شارّو "كتاب أسياد العالم"، ص 263

1- رمز النّار ومسوخ طائرة. هذا الرّمز يظهرُ مرّتين القساطل تحمِلُ أيضًا رمز المحرّك
2- رمز النّار ومسوخ طائرة
3- هرمٌ بالغُ الضّخامة بشكلٍ بيضاويّ، جُمِّعَ تحت مَجموعة قساطل. يَعلوها رمزٌ للطّيّران من الأرض نحو السّماء المُنجّمة

http://www.elnashra.com/images_tarikh/14/3.jpg


كذلك اختُرِعَت طائرة شراعيّة - "پّلانور" -، تستخدِمُ التّيّاراتِ الهوائيّةِ الحارّةِ فتَصَعدُ معها إلى أن تبلُغَ تَصاعدها الأقصى، ثمّ تتابِعُ سيرَها مثلَها، أفقيًّا إلى أن تنحدِرَ، ثمّ تلتقي تيّارًا آخرَ حارًّا فتَعودُ إلى الارتِفاع، تمامًا كما الطّيورُ الرّحّالة. وبإمكانِ طائرةٍ كهذه قطعُ المئاتِ بل الآلافِ من الكيلومترات، جوًّا. وربّما عرفَ أهلُنا الدّفعَ الحراريّ بواسطةِ الهواءِ الحارّ كما في المِنطاد. وهذا ما توحيه قصّةُ مركبةِ النّبيّ إيليّا النّاريّة (2ملوك: 11م.ب.). وإنّ تقاليدَنا وآدابَنا وتَقاليدَ الشّرقِ، والميتولوجيّة - ومنها قصّةُ إيكار - تحتفِظُ بقصصِ مركَباتٍ ناريّةٍ وهوائيّةٍ مثلَ مركبةِ أخنوخ الّذي أخذه اللّه إليه (تكوين 24:5). ونمرود الجبّار من تكسرت مركبتَه على منحدراتِ جبلِ حرمون حيث لا يزالُ قبرَه يُزار. ويذكرُ سنخوني أتن (1، 10، 36-37)، أنّ كرونوس يطير بأجنحة، كما أنّ "إپّوپيّة البعل وعناة" الأوغاريتيّةِ تذكرُ طيران الآلهة. وقد وُجدَت في شتّى أقطارِ العالم خُصوصًا في أميركا الجنوبيّةِ رُسومُ مركباتٍ بَرهنَ العُلماءُ ومنهم روبير شارّو، أنّهاتمثِّلُ فعلاً مركباتٍ جوّيّة، وأنّها آتيّة من خارج الأرض، من المرّيخ أو فينوس، أو غيرهما من الكواكب.
وهكذا حوّلَت وسائلُ النّقل، ولو محدودة، التّنقّلاتِ البطيئةِ بين الشّعوبِ إلى موجاتٍ تمدينيّةٍ عمّت العالم خُصوصًا أيّام تور-إيل، وقدموس، والحيرامَين، فنَهضت معمّراتُنا في جميعِ مناطقِ الكرة، وأخذ أجدادُنا يُساهمون في تَمدينِ الشّعوبِ كافّة، ويتاجِرون معهم فيستَخرِجون خيرات أراضيهم ويصّنعونَها في لبنان-فينيقيا، ويردّونَها إلى الجميعِ رفاهًا وبهجةَ حياة.

The image
الفينيقيّون يحتلّون أواسط البحر المتوسّط، نُشير إلى جزر: مالطا، صقليا، سردينيا، كورسيكا، وبالأخصّ إلى إيطاليا. - عن كتاب "الكون الفنيقيّ"، ص 251
 
http://www.elnashra.com/images_tarikh/14/5.jpg
الفينيقيّون بنَوا في إسپّانيا حوالى ألفِ معمّرة. - كتاب "أسياد العالم"، ص 256


وبتنا نعرِفُ أنّه، فيما كان أهلُنا يسمّون النّاسَ والحيوان والنّباتَ وحتّى الأفكار، والصّفات، والمهن، سمّوا الكواكبَ أيضًا: فالسّماءُ، تحمِلُ اسمَ شميم أورانوس (نوح)، والشّمس تحمِلُ اسمَ سام-إيل-هيليوس، والأرض اسمَ غايا (ومنه جغرافية)، وفينوس تحمِلُ ألقابًا عدّة لـ عشتروت زوجة كرونوس... كذلك مركور هو أحدُ ألقابِ تور. ونستدلُّ من تسمّيه الأماكنَ أنّ أسلافِنا افتَتحوها، وحكَموها. فقد سمّوا القارّات: وسبقَ أن ذكَرنا بعضَ التّسميّات وأهمُّها: آسيا، أوروپّا، وهما اسما بنتَين لـ أوقيانوس بن نوح-السّماء، وغايا-الأرض، إذن حفيدُ بيروت الّتي على اسمِها عاصمتُنا. وبريطانيا (وقد سمّيت أوروپّا مجدّدًا على اسمِ أوروپّ بنتِ أغنور ملك صور وأخت قدموس).. أمّا أفريقيا فتَحملُ اسمَ آفر بن ملكرت-هركل الصّوريّ، ومثلُها جبالِ پّيريني (حامِلةُ اسمَ ابنِه پّيريني). كذلك أعطِيَ اسمَ ابنِه سلتوس لـ سلتيا أو غاليا، أي فرنسا، واسمُ ابنِه سردوس أعطِيَ لجزيرة سردينيا... وسمّيت مصر علىاسمِ والدِ تور وابنِه، واسمُها الآخر أجبت أو هكفت هو لقبُ الفاتِحين الفينيقيّين، كما ذكَرنا. والصّين وسينا وأثينا... سمّيت على اسمِ أثينا-عناة بنت كرونوس-سام الجبيليّ. وفي البرازيل (براز-إيل)، وُجِدَ أكثرُ من 3000 أثر فينيقيّ، جمَعَها برنَرْدو دا سيلْفا راموس في مؤلَّفٍ ضخم، ذكَرنا منها نصّ صخرة پّاراهيبا. وفي الشّمالِ نُصوصُ پنسيلفانيا الـ 400 وآثار كيبيك وغيرُها، تؤكِّدُ وُصولَنا أيّامَ تور ثمّ قدموس فـ حيرام إلى القارّةِ المثلّثة، وتسميةَ الكثيرِ من أماكنِها، جُهِّزت حلْقة تلفزيونيّة عن آثار الفينيقيّين الّتي في كندا، لكن كانوا قد عَرضوا مُعظمها يومَ وُصولِنا إلى كندا (صيف 1982)... وقد لا يَخلو مكانٌ في العالمِ من الآثارِ الفينيقيّةِ الحضاريّة، خُصوصًا الكتابيّة، وهذا دليلٌ ساطِعٌ على وُصولِ أسلافِنا إلى حيث وُجِدَت تلك الآثار. وعلى وجهِ العُمومِ بإمكانِنا ردُّ مُعظمِ أسماءِ الأماكنِ القديمةِ إلى أسماءِ الآلهة اللّبنانيّين-الفينيقيّين، أوّلَ مُفتتِحي هذه الأماكنِ ومُمَدّنيها، بل أوّلِ من جعَلوا من الأرضِ عالمًا واحِدًا. ولو تصفّحنا مؤلّفاتِ كبارٍ من أرّخوا لـ لبنان من أمثالِ سامويل بوشار، والأب مارتن، وفكتور بيرار، وفرنسوا لنورمان، وستيفان غسلّ، وفيليپّ شامپو، والأب فان دن براندن، وساباتينو موسكاتي، وغيرِهم، لوَجدنا فيها أسماءَ مئاتِ المعمّراتِ ممّايتطلّبُ لاستيعابِه، المجلّداتِ الضّخمة. على أيِّ حال، كلُّ من أرّخَ لـ فينيقيا ذكرَ ولو بعضًا من معمّراتِنا الّتي كانت تملأُ الأرض. ولعلّ أروعَ الشّواهدَ عليها مجتمعة، جميعُ مدنِ إيبيريا (وكان يَربو عددُها آنذاك على الـ 200)، الّتي يؤكِّدُ سترابون (3، 4، 14 و1، 1، 4)، أنّها كانت مأهولةً بالفينيقيّين، كما يَروي (17، 3، 3 و8)، نقلاً عن أراتوستين وأنّ الصّوريّين بنَوا 300 مدينةً ومتجرًا على شواطئ موريتانيا في أفريقيا الشّماليّة، قبلَ كرتاجة. وهذا يُعطي فكرةً عمّا كان لنا في باقي القارّات. "تَوَدُّ أن تأخُذَ فكرةً عن الأمبراطوريّةِ الفينيقيّة؟ يقول پّيار هوباك في كتابِه "كرتاجة"، خُذ دبّوسًا وشكّ جميع الشّواطىء"... لكنّ مكتشفاتِ الأركيولوجيةِ في هذا القرن، دعمَت لقيّاتِنا التّاريخيّةِ والأركيولوجيّة، مُبرهنةً أنّ حُدود أمبراطوريّاتِنا المُتعاقبة، تعدّت الشّواطىء، وأنّ أسلافُنا تغلّلوا داخِلَ الأراضي، حتّى المناطقَ الصّحراويّةَ والقطبيّة. وغالبًا ما كانت حُدودُنا هي هي حُدودُ العالمِ الحضاريّ بل حُدودُ الكونِ كما يقولُ أصحابُ كتاب "الكون الفينيقيّ". وفي فصلٍ عن "الأمبراطوريّة الفينيقيّة"، شرحَ پّيار هوباك كيف كان الفينيقيّون يَحكُمون تلك الأمبراطوريّةِ المُتراميةِ الأطرافِ بقولِه: "لم تكُن تَحكمُ بالسّيفِ والعُبوديّةِ بل بالكلِمةِ الصّادقة، والسّلام، والمودّة. "لذا نتساءلُ يردِفُ هوباك، إن لم تكُن هي هي الحضارة"

لفصلان الأوّل والثاني
الفصل الثالث
الفصل الرابع
الفصل الخامس
الفصل السّادس
الفصل السّابع
الفصل الثّامن
الفصل التاّسع

الفصل العاشر
الفصل الحادي عشر
الفصل الثّاني عشر

ألفصل الثّالث عشر

 



Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.