تاريخ لبنان عملاق ألتواريخ الفصل الرّابع العشر

23 حزيران 2008 ميّ مرّ - تاريخ لبنان عملاق ألتواريخ



يا صورُ أنتِ قُلتِ "أنا، كامِلةُ الجِمال"

جاء في نصّ حزقيال (3:27-36): (3) "قُلْ لِصورَ السّاكنةِ عندَ مَداخلِ البحر، المُتاجِرةِ مع شُعوبِ الجزُرِ البعيدة: هكذا قالَ السّيدُ الرّبّ: 'يا صورُ أنتِ قُلتِ أنا، كامِلةُ الجَمالِ. (4) ملكُك منتشِرٌ في قلبِ البِحارِ وبانوك كمَّلوا جمالَكِ، (5) بسروٍ من سَنير صنعوا ألواحَكِ، ومن أرزِ لبنانَ رفَعوا عليكِ السّواري. (6) من سِنديان باشانَ صنعوا مَجاذيفَكِ، ومن شربينٍ مُرَصَّعٍ بالعاج من جزُرِ كِتِّيم، صَنعوا مَقاعدَكِ. (7) الكتَّانُ المُوشّى من مصرَ نشَرتِه شِراعًا ورايةً، والقِرمِزُ والأُرجوانُ من جزُرِ أليشةَ (قبرص) كانا غِطاءَ مَقاعدِكِ. (8) سُكَّانُ صيدونَ وأروادَ كانوا ملاَّحيكِ، ورِجالُكِ السّاهرونَ كانوا الرَّبابِنةَ. (9) كِبارُ صُنَّاعِ جُبيلَ والماهرونَ فيها كانوا نجّارينَ عندَكِ، جميعُ سُفنِ البحرِ وملاّحوها عمِلوا لتَرويجِ تِجارتكِ. (10) جنودٌ من بلادِ فارسَ ولودَ وفوطَ، خدَموا في جيشِكِ وكانوا رِجالَكِ في الحربِ. علَّقوا التُّرسَ والخوذةَ في ثُكناتِكِ وزادوكِ مَجدًا. (11) أبناءُ أروادَ مع جيشِكِ كانوا على أسوارِك من حَولكِ، الأبطالُ كانوا في بُروجِكِ وعلَّقوا تروسَهُم على أسوارِكِ من حولِكِ. هُم أكمَلوا جمالَكِ.
(12) جزُرُ ترشيشَ (في إسپّانيا) تاجرَت معكِ لِكثرةِ غِناكِ في كُلِّ شيءٍ، وبالفضّةِ والحديدِ والقَصديرِ والرَّصاصِ بادَلتْكِ بَضائِعك. (13) ياوانُ وتوبالُ وماشِكْ (في آسيا الصُّغرى) تاجروا معك، وبالعبيدِ وآنيةِ النُّحاسِ دفَعوا ثمنَ سِلَعك. (14) سُكّانُ توجرمةَ بادَلوكِ بضائعَكِ بالخَيلِ والفُرسانِ والبِغالِ. (15) وبَنو ددّان تاجَروا معكِ وجزرٌ كثيرةٌ كانت سُوقًا لسِلَعِكِ، وحملَت إليكِ قرونَ العاجِ والأبنوسِ ثمنًا لها. (16) أدوم (جنوب أرض إيل) تاجَرت معكِ لكثرةِ صَنائِعِكِ، فبادَلتْكِ بضاعتَكِ بالقُماشِ الأصفرِ والأُرجوانِ والوًشيِ والكتَّانِ والمرجانِ والياقوت. (17) بيتُ يهوذا وإسرائيلَ تاجروا معكِ، وبحنطةِ مِنِّيتَ والمِسكِ والعسَلِ والزَّيتِ والبلَسانِ دفعوا ثمنَ سِلَعِك. (18) دمشقُ تاجرَت معكِ لكثرةِ صنائعكِ وغِناكِ في كلِّ شيء. فزوّدتكِ بخمرِ حَليون وصوفٍ زهارٍ. (19) قبائلُ دانَ وياوانَ، من يوزالَ وما بَعدَها، تاجَروا معكِ وكان في أسواقِكِ حديدَهمُ المطروقُ وقصبُ الطّيبِ. (20) ددّانُ تاجَرت معك بأقمِشةِ السُّروجِ، (21) والعربُ وجميعُ شُيوخِ قيدارَ، كانوا تجَّارَكِ، بالحُملانِ والكِبائسِ والتُّيوس. (22) تُجّارُ شَبا ورعمةَ كانوا تُجّارَكِ وبأفضلِ أنواعِ الطِّيبِ والأحجارِ الكريمةِ والذّهبِ بادَلوِ بضائعَكِ. (23) حرّانُ وكنةُ وعدنُ وشَبا وأشورُ وكلمدُ تاجَروا معكِ. (24) هُم تاجَروا معكِ بالأنسِجةِ الفاخِرةِ، بالثِّيابِ الزّرقاءِ المُطرَّزةِ، والنّفائسِ من السَّجادِ المُزركَشِ المَفتولةِ خيوطهُ. (25) سفُنُ ترشيشَ نقلَت بضائعَكِ، فاغتنيتِ وتمجَّدتِ كُلَّ المَجدِ في قلبِ البِحار.
(26) ملاّحوكِ جاؤوا بكِ إلى مياهِ غزيرةٍ، فحطمَتْكِ الرِّيحُ الشّرقيةُ، في قلبِ البِحارِ، (27) وسقطَ في البحرِ يومَ سُقوطِكِ غِناكِ وتِجارتُكِ وبِضاعتُكِ وملاَّحوكِ وربابنَتُكِ ونجَّاروكِ وتُجّارُكِ وجميعُ جُنودِكِ وكُلُّ شعبِكِ. (28) من صوتِ صُراخِ ربابنَتِكِ تتزلزلُ السَّواحلُ، (29) ويتركُ ماسكو المَقاذيفِ والملاّحونَ وجميعُ ربابِنةِ البحرِ سُفنَهُم ويقِفونَ على البَرِّ، (30) ويولولونَ عليكِ ويَصرخونَ بمرارةٍ، ويُذرُّونَ فوقَ رُؤوسِهم التُّرابَ ويتمرغونَ في الرَّمادِ. (31) ويحلُقونَ شَعرَ رُؤوسِهم عليكِ ويتحزَّمونَ بالمُسوحِ، ويبكونَ عليكِ بمرارةٍ وينحُبونَ نحيبًا مُرًّا. (32) وفي نُواحِهِم يُنشِدونَ لها هذا الرِّثاء:
من كان كـ صور المُتشامخة وسْطَ البحار؟
(33) عندما كنتُ تفرغينَ بضائعَكِ لإشباعِ الشّعوبِ
أشبعتِ شعوبًا كثيرينَ،
وبكثرةِ ثروتِكِ وتِجارتِكِ أغنيتِ مُلوكَ الأرضِ.
(34) لكنِ الآنَ تحطَّمتِ في البحارِ،
في أعماقِ المياهِ،
فغرقَت بَضائعُك، ومعكِ غرقَ ملاّحوكِ
(35) وجميعُ سُكّانِ السّواحلِ ارتَعبوا ممّا أصابَكِ،
ومُلوكُهُم خافوا أشدَّ الخوفِ واصفرَّت وُجوهُهُم
(36) والتُّجارُ في الشُّعوبِ شهَقوا رِعدة، صِرتِ إلى الدّمارِ، فلا تكونينَ إلى الأبد".

ألفُ العباقرةِ هو ألفُ البُطولاتِ الكُبرى

وتخلّلتِ العُصورَ النّهضويّةَ حروبٌ جرّتِ الوَيلاتِ على اللّبنانيّين-الفينيقيّين. لكنّ أهلَ صور وصيدون بَرهَنوا أنّهم قادِرون على رفعِ البُطولةِ إلى أرفعِ قِممِها.
هذا ما حصلَ لـ صور "الّتي لا تُغلَب". جابَهتِ الأشوريّين، ولم تَدعَهم يَقوَون عليها. ومرّةً صَدَّ ملكُها إيلولاي أشور، طَوالَ 5 سنَوات، ثمّ جابَه ملكُها إيتوبعل الثّاني، نَبوخَذ نصّر الكَلدانيّ-البابِلي، في حصارٍ هو أطول الحِصارات، بما أنّه دامَ 13 سنة (من 586 إلى 573 ق.م.).
ورائعٌ ما حَدثَ في صيدون سنة 352 قبلَ المسيح، عندما هاجَمها أرتاكْزِرسيسْ الثّالث أوخوس على أثَرِ خِلافٍ حصلَ بين مَوظّفيه والصّيادنة، في حيِّهم الطّرابلسيّ - وطرابلس كانت آنذاك "متروپّول فينيقيا"، الجامعةَ بين حاضراتِنا المُتّحدة، وبهذا تُعدُّ "نَواةَ الأُممِ المتّحدة" -، ففضّلَ أهلُ صيدون الـ 40 ألفًا أن يُحرِقوا أنفسَهم على أن يُدنِّسَ الفارسيُّ قداسةَ أرضِهم (ديودور، 16، 41-42)...
كذلك عندما هاجمَ صور سنة 333 ق.م.، من نَعتَه هوباك بـ "المجنون"، "مدمِّرِ الحاضِرة الّتي كانت أُمَّ كلِّ عِلمِ وكلٍّ فنٍّ، فضّلَ الصّوريّون الموتَ على أن يَدَعوا المكدونيَّ (أرّيان، 2، 15-19...- كورتيوس، 4، 2-20...- جوستين، 11، 10، 10)...
يومَذاك خلّصَ الصّيدونيّون 15 ألف صوريٍّ (ديودور، 17، 45...)، دونَ علسمِ الإسكندر الّذي كان قد جرَّهم إلى مُحاربةِ صور، فيما لم يكونوا قد نَهضوا بعد تمامًا من كارثةِ الحريق.
لم تَمُت صيدونيا بعدَ الإسكندر... وصور قاومَت أحدَ قُوّادِه أنتيغون، سنة 314، وطوالَ 15 شهرًا. واليوم، تَنتظِرُ بُطولاتُ صيدونيا، بل لبنان-فينيقيا، من يُقيمُها من موتها، كي تُصبِحَ أمضى سِلاحٍ في أيدي أبطالِنا مُنقِذي لبنان!
وأكملَت الحضارةُ مسيرتَها ما بين عهدِ الحيرامَين وإطلالةِ المسيح... وظلَّ لبنان-فينيقيا يُعطي العالَمَ عَباقرةً ممدِّنين مُعظمُهم من صور وصيدون. أهمُّ من اعتبرَهم القُدامى فالمُحدَثون لبنانيّين-فينيقيّين:

http://217.26.192.77/elnachra/images_tarikh/13/1.jpg

http://217.26.192.77/elnachra/images_tarikh/13/2.jpg

هومير ابن صور، شاعرُ شعراءِ
العالم القديم (مجموعة ميشال شيحا)
قسم هيپّوكرات من يؤكّد ابن العبري وغيره أنّه سليل إشمون-
إسكولاپ الصّيدونيّ إله الطّب الأوّل. راجع هيپّوكرات في كتاب بيار تايل، "بنّاؤوا العالم"
   

http://217.26.192.77/elnachra/images_tarikh/13/3.jpg

"الموز" الشّاعرة والفيلسوفة كالّيوبّي، وحولَها الحكماءُ
السّبعةَ الفينيقيّون، وسقراط. موزاييك بعلبكيّة (ق 3 م).- المتحف الوطنيّ


هومير شاعر شعراء العالم القديم، ردَّه أثيني (4، 157) إلى صور، وأكّدَ ذلك بيرار، وشامپّو، وهوباك... وطاليس، "الشّعلة"، ثبّتَ أصلَه الفينيقيّ ديوجين لايرس (في الفصلِ المخصّصِ له في كتابِه "عقائد مشاهير الفلاسفةِ وحكمِهم)، وذلك نقلاً عن كثيرين، منهم هيرودوت، وأفلاطون... وپّيتاغور صيدونيّ من صور، إحدى عاصمتَي صيدونيا، قالها كليمان الإسكندري (سترومات، 14، 4، 63)، نقلاً عن أرسطو وأغارقةٍ أُخَر، وعن شَريكِه في المواطنِيّة پّورفير الصّوريّ في كتابِه "حياة پّيتاغور"... وفي فصلٍ خَصَّ به زينون، بَرهنَ ديوجين لايِرس، استنادًا إلى مراجعَ جمّة، أنّ مؤسِّسَ الرِّواقيّةِ، فينيقيّ وذكرَ أنّ الأغارقةَ حفَروا على ضَريحِه هذه الكلمات: "يَكفيك، يا زَينون، أنّك من فينيقيا، موطِنِ قدموس مُعطي إغريقيا كلَّ كتُبِها"...
وهؤلاء العُظماءِ أصحابُ مَدارِسَ أخلاقيّةٍ وفكريّةٍ مَدَّنَت إغريقيا بل أوروپّا. أمّا أوكليد، أبُ الجيومِتري، منظّمِ العقل، واضع كتابِ "العناصر"، وثاني أشيَعِ كتابٍ بعد "الكتاب المقدّس"، فقد أكّدَ ابنُ العبري أنّه من صور، كما أجمَعَ مؤرِّخو الإسلام الآخذون عن الأقدَمين، كـ ابن القُفطِيّ وابن النّديم... على ذلك، ويَعودُ إلى تلك الحِقبةِ، عباقرةٌ آخرونَ كُثُر، منهم الفلاسِفة بِياسْ، وفِرسيد، وديودور الصّوريّ، وپّوزودونيوس الأفاميّ، وبيوتوس الصّيدونيّ وأنتيباطر الصّوريّ الرِّواقيّان، وزينون الصّيدونيّ الإپّيكوريّ، معلّمُ شيشرون، كبيرِ خُطباءِ روما، والصّوريّون بِبيوتوس، وديودوت، و"أبولّونيسو واضعُ جَدولِ الفلاسفةِ لمدرسةِ زينون"، وبعضُهم من زُملاءِ سترابون في جامعةِ صيدونيا (3، 16، 24)... ونذكُرُ من الشّعراء، دوروتي الصّيدونيّ، ومِلياغْر الغَداريّ-الصّوريّ، واضعَ الأسُسِ لأوّلِ "أنتولوجية" شعريّةِ باليونانيّة، وكان له فيها 128 قصيدة. وحوَت أنتولوجيّته شعرًا لـ أنتيبّاتر الصّوريّ. وبإمكانِنا أن نَذكرَ بعدُ علماء وفنّانين كُثُرًا. في مقدَّمِهم الطّبيب هيپّوكرات - سليلُ إشمون إسكولاپّ، أوّلِ آلهةِ الطّبّ، مَن بَرهنّا أنّه من صيدون -، وهو صاحبُ القسَمِ الشّهير، الّذي لا يَزالُ قسمَ الأطبّاءِ في العالم، كما أنّ علامتَه: الثُّعبانان المُتقابِلان، لا تَزالُ علامتَهم. وقد أكّدَ ابن العبريّ وغيرُه، أنّه فينيقيّ بسببِ هؤلاءِ وكثيرين غيرِهم، ممّن وصلتنا أم لم تَصلْنا أسماؤُهم، كتبَ مؤرّخو الإسلام من أمثالِ الإصطخري في "المسالِك والمَمالك" (45)، وابن حوقَل في "كتاب صورةِ الأرض" (141)، عن هذه الحِقبة: "كان عامّةُ حكماءِ اليونانِ منها" ويَعنون من صور خاصّة، وعمومًا من لبنان-فينيقيا.
http://217.26.192.77/elnachra/images_tarikh/13/4.jpg
تودّ أن تأخذ فكرةٍ عن الأمبراطوريّة الفينيقيّة؟ "خُذ دبّوسًا وشكَّ جميعَ الشّواطىء"، ثمّ شكَّ جميعَ القارّات... - پّيار هوباك، "كرتاج"
سفينةٌ فينيقيّةٌ حربيّةٌ يَعودُ عهدُها
إلى القرنِ الثّامن قبل المسيح. - هرمان، "شعوب بحار، سفن
   
http://217.26.192.77/elnachra/images_tarikh/13/5.jpg
بلى، وصلَ حنّون إلى أميركا الشّماليّة أيضًا. هكذا قالت المكتوبات الفينيقيّة الّتي وُجِدَت عندهم، وتعدّ بالمئات، خُصوصًا في پّنسيلفانيا


الفصلان الأوّل والثاني
الفصل الثالث
الفصل الرابع
الفصل الخامس
الفصل السّادس
الفصل السّابع
الفصل الثّامن
الفصل التاّسع

الفصل العاشر
الفصل الحادي عشر
الفصل الثّاني عشر




Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.