اسرائيل دولة عاطفية تُدار من قبل عائلات "المخطوفين" وليس القادة

23 تموز 2008 شلومو أفنيري - "هآرتس" الاسرائيلية



الشخص الذي نظر من الخارج الى الحمام العاطفي والاعلامي الذي احاط بإعادة جثتي الداد ريغف وايهود غولدفاسر، كان من الممكن ان نستنتج ان اسرائيل لا تدار من قبل حكومتها وانما من قبل عائلات حريصة على مصير اعزائها. ولأن قضية جلعاد شاليط لم تحل بعد، من الافضل اعادة العقلانية للنقاش الشعبي وعدم تكرار الاخطاء.
اعادة شاليط ليست تحديا استراتيجيا من الدرجة الاولى في سلم الافضليات الاسرائيلي. اسرائيل ملتزمة بإعادته بصورة واضحة - ولكن لديها التزام اعلى لضمان سلامة مواطنيها من الصواريخ والراجمات، ذلك لأن اطلاق الصواريخ والارهاب الذي يبثه في منطقة بأكملها هو معاناة لعشرات الاف المواطنين الذين يتوجب على الدولة ان تحميهم.
سيطرة حماس على غزة - وليس الاختطاف الذي هو احد نتائجها - هي التحدي الاستراتيجي الذي تواجهه اسرائيل. ليس هناك رد بسيط على هذا التحدي الذي يتكون من وجود طرف متطرف ملتزم بإبادة اسرائيل على مسافة قصيرة من التجمعات السكانية الإسرائيلية، اطلاق النار الذي لا يتوقف على التجمعات الإسرائيلية، وكون حماس مرتبطة بايران وتهديداتها.
وسائل الاعلام - خصوصا الاعلام الالكتروني - ميلٌ واضحٌ لشخصنة الواقع وابراز حكاية تبتز الدموع. اما المسائل المبدئية والحقيقية فأقل جاذبية بالمقارنة مع مقابلة اخرى مع ابناء العائلة او اصدقائهم: تدهور النقاش في قضية استراتيجية صعبة الى مستوى نذكر بحكاية "عقلة الاصبع" مقلق ومثير للغضب. ذلك لأن من الواضح ان التكرار الممجوج لضائقة عائلات المخطوفين انما يزيد فقط من قوة حماس: كل ظهور لواحد من ابناء العائلات في التلفاز - وليس مهما ما سيقوله - هو انتصار جديد لتكتيك الابتزاز القاسي الذي تتبعه حماس. من الاجدر لابناء العائلة بأنفسهم ان يفكروا بذلك.
من الواضح انه ليس لدى اسرائيل رد بسيط على حكم حماس في غزة، والالتواء المتواصل في كل ما يتعلق بفتح المعابر هو دلالة على ذلك. نحن امام تحد طويل المدى وفي اساسه الفشل الذي منيت به الحركة الوطنية الفلسطينية في اقامة جهاز سياسي شرعي واحد، قادر على التحدث باسم الشعب الفلسطيني. للفشل الفلسطيني في بناء امة آثار شديدة على اسرائيل وعلى فرص السلام. كل ذلك غاب عن النقاش الشعبي بسبب التركيز على قضية شاليط التي تصعب على الحكومة بلورة استراتيجية شاملة اتجاه حماس.
تواصل المساعي لاطلاق سراح شاليط يستوجب مزج هذه الخطوة في استراتيجية شاملة اتجاه حماس. المرحلة الاولى يتوجب تغير قواعد اللعبة. مثل الاخرين انا لست متطلعا على تفاصيل المفاوضات، ولكن من الواضح ان الطريقة التي دخلت فيها اسرائيل لهذه العملية كانت خاطئة. ليس من المتأخر الان تغير قواعد اللعبة التي تجري المفاوضات وفقها.
المفاوضات الساعية لاطلاق سراح شاليط تدار وكأن الموضوع على المحك هو مصير شخصي لافراد في طائفة يهودية محاصرة في الشتات وليس دولة سيادية. على اسرائيل ان تعلن انها لن تواصل التفاوض من قبل ان يقوم الصليب الاحمر بزيارة شاليط وتقديم تقرير حول وضعه. من الاجدر التذكر ان حماس تشعر بالضغط والحاجة لتحقيق انجازات - هي تطالب باطلاق سراح مئات السجناء. المطلب الحازم للحصول على معلومات موثوقه بواسطة زيارة ممثل الصليب الاحمر، كان ليزيد من الضغوط التي ترزح تحتها حماس. ولكن اسرائيل بدلا من ذلك تنجر لملعب حماس وتشعر في مفاوضات حول المعايير (مع او من دون "دم على اليدين"). من هنا تنعزل المفاوضات حول اطلاق سراح شاليط من القضايا الاخرى - مثل فتح المعابر - الامر الذي يعطي افضلية واضحة لحماس. التداول حول القضايا كلها ككتلة واحدة يضع حماس امام تحدي يقلص من وزن اختطاف شاليط.
الحكومة فشلت في التكتيك الحالي. الدليل شاليط لم يرجع. الحكومة التي تخشى من الرأي العام ومن رد فعل العائلة وانصارها تجري المفاوضات تقريبا وفقا للشروط التي تمليها حماس. مواجهة اسرائيل لتحدي حماس الاستراتيجي يتجاوز قضية مصير شاليط الشخصي. يتوجب على الحكومة ان تقول هذه الحقيقة للجمهور بكل شجاعة وكذلك للعائلة مع كل الالم. ذلك لأن الدولة ترسل جنودها للمعركة من منطلق الادراك للمخاطر التي تحدق بحياتهم. من الضروري الادراك ان السياسة تدار من قبل الدولة وليس من قبل العائلات>


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.