ملف شاليط صفقة في ظل "الصدمات"!
23 تموز 2008
رون بن يشاي - "يديعوت أحرونوت" الاسرائيلية
يمارس المصريون في هذه الأيام ضغطاً ثقيلاً على قادة "حماس" لإرسال مبعوثين عنهم الى مفاوضات حثيثة للإفراج عن الجندي الأسير جلعاد شاليت. بيد أن "حماس" غير مستعجلة، ذلك أنه ثمة الآن لقادة الحركة مصلحة واضحة في إطالة أمد المفاوضات. ولا يقتصر الأمر على مصلحة واحدة بل على ثلاث.
أولاً، لديهم مصلحة في الحفاظ على التهدئة. فـ "حماس" بحاجة الى التهدئة من أجل ترسيخ دعائم سلطتها وإحراز انجاز مدني ـ اقتصادي يتيح لها السيطرة السياسية على الشارع الفلسطيني. لذلك، يُعتبر شاليت الآن عملياً رهينة بيد "حماس".
يعرفون في "حماس" أن أصحاب القرارات في إسرائيل يعانون صدمة جماعية جراء الظروف التي اختفى فيها أو قُتل رون آراد قبل 20 عاماً. وبالتالي، فإن التطلع الى عدم تكرار قضية آراد، يُشكل على ما يبدو أحد الأسباب الرئيسية لموافقة إسرائيل قبل نحو الشهر على وقف النار، الذي اشتُرط بحث المفاوضات بشأن شاليت، وذلك بدل الشروع في هجوم كبير على مقرات "حماس" في غزة.
قادة "حماس" يمدون في الوقت لسبب ثان هو أنهم انتظروا ليروا ما الذي سيحققه نصرالله في صفقة الأسرى خاصته، ولا سيما ما الذي ستعيده إسرائيل، وذلك بغية تجيير الانجاز لصالح الحركة. وقد كان الانتظار مجدياً. فالصفقة مع "حزب الله" جاءت في التوقيت الصحيح تماماً بالنسبة لـ "حماس"، وبشكل يزيد من مطالبها في شأن شاليت. ذلك أن "حزب الله" حصل على "مخربين" أحياء مقابل جثتين، الأمر الذي يتيح لـ "حماس" ـ عملياً يلزمها ـ طلب ثمن أعلى بمئات المرات مقابل جندي حي. إضافة الى ذلك حصلت "حماس" على مكافأة من الصفقة اللبنانية تمثلت في "سابقة القنطار". أي موافقة إسرائيلية مبدئية على اطلاق سراح "مخرّب ملطخة يداه بالدماء". وهذه ليست المرة الأولى التي تفعل إسرائيل ذلك، لكن القنطار تحول ـ بسببنا ـ الى رمز لكسر المبدأ.
السبب الثالث للعرقلة المتعمدة من جانب "حماس" هو الخلافات داخل "حماس" والخلافات مع شركائها في أسر شاليت. فعندما تبدأ المفاوضات الحقيقية حول الموضوع سيجلس فيها وفدان من "حماس": وفد "حماس" من دمشق، ووفد "حماس" من غزة. الأول سيمثل القيادة السياسية للحركة في الشتات، خالد مشعل ورجاله؛ والثاني سيتألف من ممثلي الجناح الراديكالي وعلى رأسهم محمود الزهار وقائد الجناح العسكري. والى جانبهم سيجلس ممثلو الجناح الغزاوي البراغماتي الذي يتزعمه هنية. ولكل واحد من الجهات المشاركة مصالحه الخاصة وأسراه الخاصون الذين يطالب بالإفراج عنهم.
في المقابل، المصلحة الإسرائيلية تكمن في الإنهاء السريع للمفاوضات بخصوص موضوع الجندي الأسير شاليت، والتوجه الفوري الى تنفيذ المرحلتين الأوليين من الصفقة: اطلاق سراح 100 أسير فلسطيني مقابل نقل شاليت سالماً الى يد المصريين، واطلاق سراح 350 أسيراً اضافياً بعد أن ينقل المصريون شاليت الى يد إسرائيل. ويشير تسلسل الأحداث الذي قاد الى اختفاء رون آراد، إلى أنه كلما طالت المفاوضات، وتعرقل تنفيذ الصفقة، زادت احتمالات تشويش شيء ما. وينبغي الإشارة إلى أن الأمر لا يتعلق هذه المرة بجثث، بل بجندي حي مُحتجز في منطقة غير مستقرة من قبل أشخاص غير مستقرين.
السبب الثاني الذي يتعين لأجله العمل بسرعة هو تطلع دولة إسرائيل إلى أن توفر على مواطنيها صدمة وجدانية إضافية. فالسلوك المهين الذي شهدناه على رؤوس الأشهاد من قبل الثلاثي: رئيس الحكومة، وسائل الإعلام وعائلات الأسرى، في المرحلة الأخيرة من اتمام الصفقة اللبنانية، فاقم الأمور ورفع الإهانة التي تلقيناها من نصرالله إلى درجة "المس بالوعي الجماعي". فالخزي والعار جراء العجز في ضوء التنكيل المقصود الذي نفذه بحقنا نصرالله ورجاله، مسّ بمنعتنا القومية أكثر بكثير من الصواريخ التي أمطرونا بها في حرب لبنان الثانية. ولن يكون في وسع اي عملية تجميل قيمي أو تبرير أخلاقي نقوم بها، محّو الضرر القاتل لكرامتنا وثقتنا الذاتية بأنفسنا، وثقة جنودنا الذاتية، نتيجة عملية "المسّ بالوعي" التي اصابتنا. فـ"تاجر الجثث" اللبناني، نجح أيضاً في أن يحقق من الأسر، ولا سيما من المفاوضات مع إسرائيل، ربحاً استراتيجياً مدهشاً على الحلبة اللبنانية الداخلية، والعربية الإسلامية. وبالتالي فإن الخشية من مغبة تكرار المشهد في قضية شاليت يُشكل مساً اضافياً بمنعتنا القومية وبقدرتنا الردعية.
في ظل الوضع الحالي، يوجد امام إسرائيل عدة سبل لإدارة مفاوضات ممكنة: الأول، مساومة تفصيلية في القاهرة على كل اسم في القائمة التي تقدمها "حماس". هذا على افتراض أن "حماس" ستلين من مواقفها وأنه سيكون ممكناً التوصل الى نتيجة في فترة زمنية قصيرة نسبياً ـ بضعة أشهر. لكن فرصة حصول مثل هذه المرونة ضئيلة لا بل معدومة. فالصفقة التي حققها "حزب الله" أوجدت سقف انجازات عالياً لدى الخاطفين، بحيث لن تكون "حماس" مستعدة للنزول عنه.
ثمة طريق ثان، تصادق الحكومة على قائمة الأسماء التي تطالب "حماس" بها، كما هي أو مع تغييرات طفيفة جدا. فالعدد العام للذين سيُفرج عنهم في الصفقة متفق عليه، وسيكون ممكناً التوجه خلال فترة زمنية قصيرة الى التنفيذ وإعادة شاليت الى الديار. هذا الأمر سيقلص الى الحد الأدنى معاناة شاليت وعائلته.
الجمهور الإسرائيلي سيضطر فعلاً الى تحمّل يومين ـ ثلاثة إضافيين من المشاهد الصعبة والمهينة على شاشات التلفزة، لكنه سينتعش كعادته لأن "المس بالوعي" سيكون قصيراً. ومع ذلك، الثمن على المدى البعيد سيكون باهظاً. قدرة الردع الإسرائيليية ستتقوض؛ "حماس" ستحظى بالهيبة وبتعزيز مكانتها في الشارع الفلسطيني، حافزية القيام بعمليات أسر ستتعزز، وستحظى الحركة بتعزيز بشري يضم مئات "المخربين" المجربين في الضفة والقطاع.
ثمة طريق عمل ثالث ـ تجري إسرائيل مفاوضات على أساس معايير جديدة، مع مرونة وبراغماتية أكبر، للإفراج عن أسرى فلسطينيين. لكن في الوقت ذاته تكون مستعدة لاستخدام رافعات ضغط على "حماس"، حتى لو أدى استخدام هذه الرافعات الى انهيار وقف النار.
لكن بغية نجاح المفاوضات، يتعين على حكومة إسرائيل تبني وفحص بعض القواعد:
أولاً ـ اتخاذ قرار حول الاستراتيجية التفاوضية المرغوب فيها، القيام بالترتيبات والتحضيرات اللازمة لتنفيذها، وفحصها.
ثانياً ـ الطلب من "حماس" أن يحصل الصليب الأحمر على فرصة للتأكد من أن شاليت حي سالم. وتنفيذ هذا الشرط ضروري لتجنب أي مخاطر لإختفاء شاليت خلال المفاوضات، كما حصل مع آراد.
ثالثاً ـ إجراء المفاوضات بسرية تامة وطلب ذلك من رجال "حماس" ومن المصريين.
إذا تصرفت الحكومة وفق هذه القواعد، وأظهرت تصميماً وبرودة أعصاب تجاه الخارج وتجاه الضغوط الداخلية، فثمة فرصة جيدة لأن يعود جلعاد شاليت الى البيت سريعاً.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.