إلى المتاجرين بقضيّة المعتقلين...
24 تموز 2008
جان عزيز - "الأخبار"
قد يكون من المستحيل تكريس موقع مرجعي للأخلاق في السياسة اللبنانية، غير أن حداً أدنى من الحياء احتراماً، أو من الخزي تجنّباً، يصبح ضرورياً في مسائل تتناول حياة الشخص الإنساني وحريته وسلامته الجسدية وعذاباته وتضحياته.
الدافع إلى هذا الكلام «الديداكتي» وغير المحبّب أصلاً، هو بكل بساطة تعامل بعض وجوه الأكثرية الدفترية الحريرية وألسنتها مع قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية. فالقضية الإنسانية المأساوية عمرها من عمر الوجود العسكري السوري في لبنان، وهي عرفت محطات عدة في تاريخية حضورها ومقاربتها، بدءاً بالصمت و«التابو» المطلق، مروراً بالإثارة «الانتحارية» من جانب أفراد «مجانين»، وصولاً إلى المطالبة شبه المفتوحة، انتهاءً بالمتاجرة الحالية.
واللافت أن أيّاً من أصوات الأكثرية الدفترية لم يكن حاضراً في أي من المراحل السابقة. لكن الأسوأ، أن بعض تلك الأصوات كان مسؤولاً عن التعمية والصمت والتقصير وحتى التواطؤ، ليصير اليوم من أصوات الفجور.
فعلى سبيل المثال، كان الرئيس الراحل رفيق الحريري أبرز الرافضين لاستخدام ملف المعتقلين في السياسة، فأعلن ذات يوم في 12 كانون الأول سنة 2000، «تحذيراً» من التداول بأعداد كبيرة لهؤلاء المعتقلين، مؤكداً أن «مطلقي هذا الكلام يعلمون أنه غير دقيق، وأن معالجته بهذا الشكل ستفتح دفاتر الحرب الأهلية كلها».
ولم تكن مصادفة أو هفوة أن يربط الحريري بين «دفاتر الحرب» وتلك القضية. فهو أبرز المطلعين على أن عدداً من حلفائه متورط في تسليم لبنانيين إلى دمشق، وأن مؤسسات رسمية في بيروت معنية بتلك الممارسة أيضاً.
لا بل ذهب الحريري يومها إلى إعطاء براءة ذمّة كاملة لسوريا، فأعلن «أن الإخوان في سوريا قرروا إطلاق سراح كل الذين لديهم من أشخاص قاموا بأعمال ضد الجيش السوري والدولة السورية».
وتأسيساً على هذا الموقف، عمد الحريري إلى تأليف لجنة وزارية في عهود حكوماته وعلى مرحلتين، مع فؤاد السعد، بين 2001 و2003، ومن ثم مع ميشال موسى بدءاً من منتصف 2004.
واللافت أن السعد الذي يملأ إعلام الأكثرية الدفترية اليوم، هو نفسه الوزير الذي تسلّم الملف أكثر من سنتين، ولم يبلغ حد الإعلان عن تقرير لما أنجز. ورغم مطالبات محلية ودولية، لم يفرج السعد عن تقريره، بل سلّمه إلى عدنان عضوم، «للحفظ»، بطلب من الحريري نفسه، لتظلّ تصريحاته طيلة تلك الفترة بين الرمادية والتحفّظ والصمت.
واللافت أكثر أن تلك الفترة شهدت أكثر من تطور داخلي وخارجي على هذا الصعيد، فعاد المواطن اللبناني عادل خلف عاجوري جثة من سوريا في عهد حكومة حريرية، وكان الصمت مستقبله الوحيد. وعاد جوزف أمين حويس جثة أيضاً في حزيران 2003، في عهد حكومة حريرية أخرى، والصمت نفسه. حتى إن المجموعة الخاصة بحالات الاختفاء القسري، التابعة لمفوضيّة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، نجحت في توثيق حالة واحدة على الأقل، للبناني معتقل في سوريا، فاستنفرت ماكينة اللوبي الحكومي اللبناني في الخارج لإقفال الملف وطيّه، وجنّدت لذلك كل الإمكانات
المعروفة.
يتذكر بعض أعضاء «لقاء قرنة شهوان» يوم حاولوا، بمبادرة فردية، جمع تواقيع على بيان تنديد بعودة جوزف حويس في صندوق مقفل، ممنوع من الفتح، وممنوع من التشييع. انتهت محاولتهم إلى نحو دزينة، ليس بينها صوت واحد من «فاجري» قضية المعتقلين اليوم.
لكن الذكرى الأقسى تتناول السؤال عن مصير تقرير فؤاد السعد. فهو يقول إنه سلّم كل الأوراق إلى عدنان عضوم، فيما الأخير يجزم بأنها باتت كلها لدى رفيق الحريري، عبر الأمين العام لمجلس الوزراء سهيل بوجي. هكذا تقفل حلقة المتاجرة، ولا يقفل ملف إنساني بامتياز.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.