قصة "إبريق الزيت" بين التبادل والبيان الوزاري

24 تموز 2008 خالد حدادة - "السفير"



لم تهدأ فرحة اللبنانيين والعرب بعد بالانتصار الكبير الذي أعاد لهم سمير القنطار رمزاً من رموز المقاومة اللبنانية، الفلسطينية والعربية للاحتلال الإسرائيلي ورفاقه الأسرى، وكذلك عودة جثامين أسرها العدو لفترات طويلة بعضها لعشرات السنين بينها جثمانا دلال وسناء اللذان يعانقان وفاء ولولا وإنعام ويسار مؤكدتين على دور المرأة العربية في المقاومة وفي صياغة مستقبل الوطن والأمة... جثامين ظنها العدو أو حاول التعاطي معها كأرقام فإذا بها تعود رموزاً منتصرة، الى أرض لبنان، لبنان النموذج في استعادة حقوقه دون تقديم أي تنازل، بفعل مقاومة استمرّت منذ ما قبل إنشاء الكيان الصهيوني حتى »عملية الرضوان«، مروراً بالحرس الشعبي والأنصار و»جمول« و ....
لم تهدأ أزمة اللبنانيين بعد... وبانت تباشير »الهم اليومي«، يعود الى حياتهم، ووسائل الإعلام تستعيد اجتماعات لجنة صياغة البيان الوزاري والصياغات »المتثائبة« لرئيس الوزراء في محاولة أبسط نتائجها سرقة فرحة الانتصار من هذا الشعب... وليس أبعدها تحرير الصياغات الدقيقة الخاصة بإعادة إنتاج الصيغة الطائفية أو تلك المتعلقة بتحرير »باريس ٣« وسياسات التجويع...
إنه »إبريق الزيت« اللبناني، الذي أضاع على اللبنانيين حالة الفرحة الكاملة بتحرير بيروت سنة ،٨٢ وكذلك تحرير معظم الأراضي بفعل المقاومة والصمود وكذلك فرحة الصمود عام .٢٠٠٦ وها هي اليوم قصة الابريق نفسه وزيته الحارق، يحاول ابتلاع انتصار العملية الأخيرة... إنها »المقاومة« التي تحاول تنقية نفسها عن عملية تغيير البنية السياسية، تحت شعار الابتعاد عن تناقضات الداخل، لتعود هذه التناقضات وبنيتها التحاصصية المتبعة لتهمش انتصارات المقاومة وتجعلها مع مصالح الشعب اللبناني حطباً لهمّ المحاصصة وتجديد السلطة...
والى ذلك، تسعى إسرائيل، الى تمرير الوقت ومحاولة إعادة بناء القوة، مع محاولة تمرير فدية الإبقاء على ملف الجثامين مفتوحاً على احتمالات التوتير اللاحقة... نعم إنها طبيعة هذا العدو... في حين يوحي باقفال الملف يتضح استمراره باحتجاز عشرات الجثامين لمقاومين شهداء من شتى التنظيمات اللبنانية المقاومة ومنها الجثامين الثمانية عشرة لشهداء الحزب الشيوعي اللبناني المقاومين، والمثبت بأن قسماً منهم على الأقل وبالوثائق، قد نقل الى الاراضي الفلسطينية المحتلة... والباقي استشهد في مواجهة هذا الاحتلال وعملائه وبالتالي فالاحتلال حسب القوانين الدولية هو المسؤول عن معرفة مصيره...
وهنا مناسبة نادرة للداعين لصياغة سياسة دفاعية وطنية، كي يثبتوا بالملموس كيفية تكامل عمل الدولة مع النضال الشعبي المقاوم...
مناسبة نادرة كي تتدخل الدولة اللبنانية وعبر الأمم المتحدة لإظهار استمرار العدوان الاسرائيلي في خرق القرارات الدولية وخديعة العالم والأمم المتحدة، وأول بوادر هذا الدور المفترض من قبل الدولة أن تعلن الحكومة وفي بيانها الوزاري أن »ملف الأسرى والجثامين« لم يقفل بعد... وأن إسرائيل ما زالت تخرق القرار ١٧٠١ وتواصل اعتداءها على السيادة الوطنية، ليس باستمرار احتلالها لشبعا وتلال كفرشوبا وبعض الغجر فقط بل بالخرق اليومي للجو والبحر والبر....
[[[
طبعاً سيرفض البعض صيغة »الإعلان أعلاه«، لأن هذه الحقيقة ستمسح النقاش حول موضوع المقاومة وارتباطها بالاستراتيجية الوطنية للدفاع، ولذلك لا نتوقع منهم مثل هذه الصيغة...
وفي محاولة الخروج من نفق »إبريق الزيت«، يحق لنا أن نسأل السادة الوزراء، عن صياغتهم للفقرات المتعلقة بالإصلاح السياسي، هل ستهللون مجدداً لتنفيذ اتفاق الطائف أم ستعملون على محاولة ترجمة هذا الشعار؟ وكيف لكم أن تترجموه وأنتم تخافون الاصطدام بقدسية »نص مؤقت« وقلتموه في »الدوحة« وكلكم يتبرأ منه ومن تخلفه اليوم ذارفاً دموع الندم، متجلبباً جلباب الصياغة »المؤقتة وللمرة الأخيرة«... ونعني بذلك قانون الانتخاب... هل سيكون لديكم الجرأة بعد اعترافكم بتخلف اتفاقكم حوله؟... هل سيكون لكم جرأة التعالي عنه والعودة الى جوهر الإصلاح وقدره البسيط في »اتفاق الطائف«...
هل سيكون أمام »اللجنة العتيدة«، الوقت للتدقيق بالسياسة الاقتصادية ـ الاجتماعية، أم أنهم سيتركون مياه »باريس ٣« تمرّ وتغرق معها الوطن بالديون، أو على الأصح تستكمل إغراقه بالديون، وتغرق المواطن بجوعه وفقره وتدفع الشباب إلى الهجرة...
هل ستكون هنالك الجرأة لديهم وخاصة لدى أولئك الذين »غازلوا« التحركات الشعبية خلال أشهر معارضتهم، هل ستكون لديهم الجرأة لتحويل النقاش الى جدوى السياسة الاقتصادية الاجتماعية والى إعادة »المجلس الاقتصادي الاجتماعي« ودوره إلى صلب البيان الوزاري.
هل سيجد »السادة الوزراء« الوقت لتحديد مفهوم واضح »للسيادة الوطنية«، بعيداً عن منطق التبعية و/أو العداء.. بعيداً عن سياسة »النكايات« وتحويل المواقف والمصالح الشخصية الى »مصالح وطنية كبرى« تتحرك على أنغامها أمزجة الطوائف وغرائز المذاهب الملتهبة الى حدها الأقصى هذه الأيام؟...
هل ستكون للحكومة الجرأة في تلقف ما هو إيجابي باستعادة العلاقات اللبنانية ـ السورية لإعادة بناء هذه العلاقة بعيداً عن تجاربهم السابقة المتأرجحة بين التبعية والعداء لسوريا... هل ستدعو بوضوح الى علاقة متكافئة، متكاملة قائمة على احترام سيادة واستقلال كل من البلدين ومصالح كل من الشعبين مع أقصى درجات التنسيق والتكامل السياسي والاقتصادي المبنية على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل...
مع ما يقتضيه ذلك من وضوح في ملف المفقودين اللبنانيين والمعتقلين في السجون السورية، وكذلك إذا وجد ملف لمفقودين سوريين في لبنان وصولاً الى تشكيل لجنة لحسم ملف المفقودين في لبنان خلال الحرب الأهلية لا بدافع المحاسبة بل بدافع إراحة بال الأهالي وإنهاء القضايا العالقة...
[[[
بصراحة لا نعتقد أن أصحاب »ابريق الزيت« قادرين على أن يتمتعوا بالجرأة، لأنهم يخافون على أنفسهم منها... ولذلك نتوقعه بياناً تملؤه الاستعارات البيانية ويطغى فيه الشعر المنظوم وغير الجميل بالضرورة، ومرة جديدة سيكون شعبنا أمام فترة انتقالية صعبة، لن يعوضها إلا تجمع القوى الديموقراطية والمؤمنة بالتغيير، لصياغة أطر وموازين قوى شعبية قادرة على اتخاذ المبادرات التي تفتح الباب لكسر »ابريق الزيت« ونحن لا نتمنى أن يكون كسر الإبريق على رؤوس أصحابه...
إن هذه الحكومة، تركيبة وطبيعة، لا يمكن وصفها إلا بأنها الحكومة »البريستينية« الثانية وحرام إطلاق صفة الوحدة الوطنية عليها صوناً لهذه القيمة وتمسكاً بها... وبعد البيان الوزاري (إذا ولد) سيلعن أمير قطر ساعة رعايته »الحوار« اللبناني، لأنه سيكون حتماً مضطراً لدراسة جدول أعمال الحكومة الاسبوعي تحسباً لكل طارئ سيستدعي تدخله...
وأخيراً...
كلمة لأولئك الذين كانوا قد أضاعوا مفتاح السيادة على أبواب عنجر، وسدت الآن في وجههم أبواب »السيادة« على دروب واشنطن الباحثة اليوم عن بقايا مصالحها بالتفاوض مع »أركان محور الشر« الذين رهنتهم لمحاربته، أليس الأجدى بهم اليوم مراجعة نقدية لكل تجاربهم تحمل ولو مرّة بعض الجرأة أمام جمهورهم عوضاً عن استمرارهم في كب زيت ابريقهم ناراً توقد المشاريع والفتن المذهبية؟....


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.