عزف مذهبي على وتر مسيحي
24 تموز 2008
علي الأمين - "صدى البلد"
يتفق حزب الله وتيار المستقبل على ثابتة في الاداء السياسي للمرحلة المقبلة، مفادها تعزيز قوة المسيحيين في المعادلة السياسية. وهذا المسعى ترجم في التشكيلة الحكومية وكان جليا في الدعم الذي ناله الطرف المسيحي في المعارضة من قبل حزب الله لنيل اكبر قدر ممكن من الوزارات كما ونوعا، فيما لم يبخل تيار المستقبل على حلفائه المسيحيين ايضا، فنال مسيحيو 14 آذار ما ارادوا من وزارات.
هذه الثابتة التي تبرز بوضوح في الخطاب والاداء السياسيين لدى رأسي الطائفة السنية والشيعية، تعكس اتجاها لدى الطرفين بعدم الانجرار مجددا الى الشارع وتفجير الصراع السني الشيعي الذي يحاذر الطرفان الانزلاق في دهاليزه ومتاهاته، لكن من دون تخلي اي من القوتين عن الاستقواء المذهبي في مواجهة الآخر.
ولا يقلل ذلك من شان الرغبة في مد النفوذ الى الدوائر الطائفية الاخرى، باعتبار ان الامساك بعقال الطائفة قد انجز بشكل كامل تقريبا، فلا يطمح حزب الله الى ان يستقطب الجمهور في الطائفة السنية كما لا يتوقع تيار المستقبل ان تنقاد جماهير الطائفة الشيعية اليه، المسيحيون هم مادة الصراع وميدانه في المرحلة المقبلة لتحديد الغلبة، او لرسم معادلة جديدة تقوم على انقسام مسيحي قائم وقابل لان تترسخ ثنائيته، تتيح التمترس خلفها للاحتماء او الاستقواء بها.
لكن ملامح جديدة برزت اخيرا في معادلة الصراع بين الطرفين،اذ يجهد حزب الله الذي دانت له الطائفة الشيعية، ليحدث خروقا على الجبهة السنية مستفيدا من رصيد المقاومة وانجاز عودة الاسرى من اسرائيل، ومن استخدام عنوان الصراع مع اسرائيل لخلق نواة من السياسيين المنافسين او المناوئين لتيار المستقبل. في المقابل عبرت زيارة النائب سعد الدين الحريري الى النجف الاشرف اخيرا عن منحى جديد لديه يعكس اتجاها لبناء علاقات مع قيادات شيعية وعلى رأسها المراجع الشيعية في العراق التي لا تنضوي تحت العباءة الايرانية. واذا كان دعم توزير الوزير الشيعي المستقل ابراهيم شمس الدين قد ازعج بعض قيادات الشيعة الرسمية والدينية، فذلك لان شمس الدين لا يمكن ادراجه في خانة تيار المستقبل او الحزب التقدمي الاشتراكي، وتوزيره يترجم منحى لدى فريق الاكثرية لدعم شخصيات مستقلة داخل الطائفة الشيعية. الى جانب ذلك برز استقبال الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز لأحمد كامل الاسعد، في لقاء نقل مقربون من الاخير انه يفتح بابا واسعا على علاقة متينة وراسخة، في الوقت الذي عبر الاسعد عن استيائه الشديد من اداء بعض من يعتبرون من انصار المملكة في لبنان.
في موازاة هذه الاتصالات والمساعي ومحاولة استشراف الحريري علاقات مختلفة مع الشيعة في لبنان وخارجه، تنفي مصادر عراقية معنية ومطلعة على مجريات الزيارة الاخيرة للحريري ان تكون تعبيرا عن سياسة سعودية جديدة تجاه العراق، مشيرة الى ان المملكة لن ترسل الحريري الى العراق لتعبر عن تغيير في سياستها تجاه الحكومة العراقية. هذه المصادر التي رفضت الربط بين السياسة السعودية وزيارة الحريري، اشارت الى ان العلاقة بين السنة والشيعة كانت محور الزيارة الى جانب العلاقات بين لبنان والعراق وآفاق التعاون، فيما لم تستبعد ان تكون هناك آفاق استثمارية يسعى الحريري والسيد عمارعبد العزيز الحكيم لتنفيذها او دعم انجازها سواء في العراق او في لبنان.
هذا الحراك الذي استجد لدى الحريري بآلياته الجديدة وآفاقه المفتوحة على نسج علاقات في البنيان الشيعي تتجاوز البعد الايراني من دون ان تلغيه، يقابله دخول حزب الله القديم والمتجدد في البنيان السني، وهذا الدخول المتبادل يستبطن لدى الحريري محاولة تصحيح وترميم الاداء الذي ادى الى ما جرى في احداث ايار الاخيرة في بيروت والجبل، في المقابل يعمل حزب الله على تأمين كل ما يلزم لادخال بعض حلفائه الاوفياء من السنة في المعادلة النيابية العام المقبل، فيما يدرك ان فرص اعادة التحالف مع تيار المستقبل دونها الكثير من الصعوبات التي لا يمكن تجاوزها بقدرات محلية.
وبانتظار ما سيؤول اليه المشهد الاقليمي تبقى المعركة السياسية والنيابية في الساحة المسيحية هي الاساس، وتواكبها محاولات جديدة لاحداث خروق متبادلة في البنيان المذهبي المتراص على الضفتين السنية والشيعية، ستستخدم خلالها كل ادبيات الصراع الذي يمتد من تل ابيب الى طهران، مرورا ببغداد والرياض... ولا ننسى دمشق.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.