استرخاء أمني وسياسي في لبنان والمنطقة...أم استراحة المحاربين؟

24 تموز 2008 عادل مالك -



زال شهر تموز يتابع مفاجآته الإيجابية على غير صعيد لبناني وغربي وإقليمي وحتى دولي. وبعد الجلسة الأولى التي عقدتها الحكومة الجديدة التي شكّلها الرئيس فؤاد السنيورة في القصر الجمهوري في بعبدا، خرج وزير الإعلام طارق متري ليعلن «أن رئيس الجمهورية ميشال سليمان أطلق على الحكومة اسم حكومة الإرادة الوطنية الجامعة ودعا الوزراء إلى التزام قرارات الحكومة أيا تكن آراؤنا (كوزراء) من المناقشات التي تسبق اتخاذ القرار». وحول البيان الوزاري للحكومة الجديدة قدّم الوزير متري التوصيف التالي: «ان ملامح البيان تتكون من مرتكزات وثيقة الطائف، وقرارات الشرعية الدولية وبصورة خاصة قرار مجلس الأمن رقم 1701، ومقررات هيئة الحوار الوطني عام 2006، ومقررات وزراء الخارجية العرب لعام 2008، ومقررات الدوحة وخطاب القسم». وفيما يسود انطباع عام في الأوساط اللبنانية أن الحكومة الثلاثينية ستشهد عبر مداولاتها ومناقشاتها الخلافات نفسها التي تعصف بالواقع اللبناني، صدرت التطمينات من أكثر من جهة في محاولة لنشر التهدئة على الصعيد الوطني العام، ومن ذلك ما قاله أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله في الخطاب الذي استقبل فيه عودة الأسرى من إسرائيل: «هذه حكومة وحدة وطنية لا للمكايدة ولا للغلبة ولا للتعطيل بل لنضع يداً بيد لبناء لبنان».
وكان لوجود الرئيس سليمان على رأس مستقبلي الأسرى المحررين في مطار رفيق الحريري الدولي وقع لافت جعل من المناسبة حدثاً وطنياً شارك فيه الكثير من الفئات السياسية رغم الاختلافات السابقة التي فرقت بين هذه الأطراف. وهكذا التقت الإرادات اللبنانية على اعتبار هذه المناسبة جامعة وليست حكراً على فريق من دون الآخر.
ومن المظاهر الباعثة على التفاؤل والانفراج على الساحة اللبنانية اطمئنان الجميع إلى مشاركتهم في صنع القرار عبر تأليف حكومة الاتحاد الوطني الجديدة. وبرز بعد استعادة الأسرى وجثامين الشهداء كلام واضح من «حزب الله» عن الاستعداد التام لفتح نقاش الاستراتيجية الخاصة بالتفاهم على مصير سلاح الحزب بعد إقفال ملف الأسرى وتحرير مزارع شبعا - سلما أم حرباً -، وهذا يعني أن الباب أصبح مفتوحاً أمام النقاش الوطني العام لاختيار أفضل السبل للدفاع عن لبنان في وجه المطامع الإسرائيلية والتي لن تتوقف عند حد معين. ولوحظ أن رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان كرر بوضوح في خطاب استقبال سمير القنطار ورفاقه تحذيره من «القنابل التي يمكن أن ترسلها إسرائيل للعبث بالاستقرار اللبناني واستغلال الشرذمة القائمة بين مختلف الأطراف». كما أمنت عودة الأسرى المصالحة ولو الإعلامية بين «حزب الله» والنائب وليد جنبلاط بعد المساجلات السابقة .
وإذا مضينا في تقليب الملفات اللبنانية لوجب التوقف عند الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري وليد المعلم الى بيروت ونقل خلالها دعوة رسمية الى الرئيس سليمان لزيارة دمشق والتفاهم على المواضيع التي كانت سبباً في تعكير العلاقات بين البلدين. ويحرص رئيس الجمهورية على أن يبدأ جولته العربية بزيارة الجار الأقرب سورية والعمل على حل الاشكالات العالقة في علاقات البلدين وهي تعود إلى رواسب فترة الوصاية وما تبعها من تعقيدات ومؤثرات واتهامات بالوقوف وراء الاغتيالات التي شهدها لبنان، فيما تنفي دمشق هذه التهم، وتشير إلى وجود مخططات أخرى استهدفت استقرار لبنان.
ووسط كل هذه التطورات برز الحديث من جديد حول المحكمة الدولية الخاصة بكشف ملابسات جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. والجديد في هذا الأمر لا يبعث كثيراً على الطمأنينة باعتبار أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون يقول إن المحكمة لن تبدأ عملها قبل ضمان وجود الأموال الكافية لمدة سنتين من أعمالها، وواقع الحال أن الأموال التي تم جمعها تغطي نفقات المحكمة لسنة واحدة فقط.
ومثل هذا «الإشكال المالي» يسمح بطرح السؤال: هل هذا الأمر هو غطاء لأزمة أكبر؟ بمعنى أن الكلام الذي كان يقال عن تسوية أو «صفقة» حول المحكمة الدولية قد بدأ. ولم يتردد وليد جنبلاط في التعبير عن مخاوفه على مصير المحكمة من إتمام «الصفقة» التي جرى الكلام عنها كثيراً في مرحلة معينة. ويدعم هذه المعلومات أن المحكمة لم تبدأ عملها بعد حتى الآن بعد تأجيل تواصل على مدى عدة أشهر الأمر الذي يطرح علامات استفهام كثيرة حولها.
وفي انجازات شهر تموز الاختراق البارز الذي حدث في العلاقات السورية - الفرنسية بعد تأكد باريس من أن الموقف السوري من لبنان كان إيجابياً في ما يتصل بالمساعدة على انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية، الأمر الذي اعتبره الرئيس ساركوزي مناسبة للإعراب عن «تقديره» للدور الذي لعبه الرئيس بشار الأسد، لكن الرئيس ساركوزي لاعب سياسي ماهر في بعض الأحيان، وليس كذلك في أحيان أخرى. فهو أراد من تكريم الرئيس السوري بدعوته إلى باريس وحضور العرض العسكري الكبير بمناسبة ذكرى الرابع عشر من تموز أن «يكافئ» دمشق على دورها الإيجابي الجديد. ولأن السياسة مصالح، فقد حرص الرئيس الفرنسي على ضمان مشاركة الأسد في «القمة من أجل المتوسط»، كذلك طلب من الرئيس السوري القيام بدور معين مع إيران في مسألة الملف النووي، مقابل طلب الأسد من الرئيس ساركوزي القيام بدور الفريق المشارك في المفاوضات غير المباشرة الجارية بين سورية وإسرائيل عبر تركيا. وقد أراد الرئيس السوري إيصال رسالة واضحة من باريس إلى واشنطن لحمل الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش على التدخل بدوره في موضوع المفاوضات السورية - الإسرائيلية باعتبار أن طموح سورية هو الحصول على ضمانة أميركية للحوار مع إسرائيل. علماً بأن الرئيس الأميركي يستعد للرحيل عن البيت الأبيض خلال فترة لا تتعدى الخمسة أشهر.
وإذا تدرجنا أكثر فأكثر في «انجازات تموز» لعثرنا على تطور جديد في العلاقات المتوترة جداً بين إيران والولايات المتحدة. فقد لوحظ بعض التحسن على هذه الجبهة مع مشاركة أميركا في المحادثات الجارية في جنيف والهادفة إلى اتجاه واشنطن نحو إقامة مركز لرعاية المصالح الأميركية في طهران، وموافقة السلطات الإيرانية على ذلك، وهذا التطور يحدث لأول مرة منذ أزمة احتجاز الديبلوماسيين الإيرانيين في طهران مع قيام الثورة الإسلامية. ويضاف إلى ذلك بعض التحسن، ولو النسبي، في موضوع الملف النووي الإيراني والعمل على زيادة الحوافز لترغيب طهران على التجاوب مع المطالب الأميركية والغربية إجمالاً بوقف التخصيب. ويقال بأن العرض الأخير الذي قدمه خافيير سولانا وصف بأنه «بالغ السخاء» من حيث تزويد إيران بما تحتاجه من طاقة نووية تستخدم للأغراض السلمية مقابل وقفها عمليات تخصيب اليورانيوم، وهو الأمر الذي ما زال الرئيس محمود أحمدي نجاد يعارضه بقوة، لكن المفاوضات غير مقطوعة بين الجانبين، وربما أسفرت عن اختراق ما يخفف من حدة التوتر ويجعل الدوائر الأميركية تسقط من حساباتها الخيار العسكري في التعاطي مع إيران، علماً بأن «العامل الإسرائيلي» يبقى بالمرصاد من احتمال مباغتة إيران بأعمال عسكرية ضد المنشآت النووية، لكن هذا الأمر إذا حدث فهو يعني إغراق المنطقة بكاملها في أتون من النيران والحروب من النوع الذي لا ينتهي.
وهنا يطرح السؤال: هل أن ما نشهده في لبنان وفي بعض دول المنطقة والعالم هو فترة سلام صيفي مرحلي؟ أم هو استراحة محاربين استعداداً لأعمال عسكرية أكبر؟
لبنانياً: فترة الهدوء القائمة مطلوبة من الجميع، ومن أجل مصلحة الجميع، وفي الطليعة الشعب اللبناني المكابر على الجراح.
في المقابل يتساءَل العقل السياسي: هل أن أزمات المنطقة يمكن أن تكون هذه نهايتها وأن تتوقف عند محطات غير حاسمة حتى الآن، الأمر الذي يعني الهزائم لأكثر من طرف: إسرائيل حيال لبنان وفلسطين، والمحاولات المتعددة الجوانب لإحداث فصل بين سورية وإيران وتقديم «إغراءات» لدمشق لقطع علاقاتها الاستراتيجية مع طهران؟ في حين أن هذه العلاقات لا يمكن أن تنفصل بسرعة نظراً الى حاجة الطرفين إليها. وفي تقدير المراقبين المتابعين بدقة للتطورات في المنطقة أن سورية لم تخسر شيئاً بقيامها بمفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل عبر الوسيط التركي، وأن هذه المرحلة تستغرق وقتاً طويلاً قبل الانتقال إلى مرحلة المفاوضات المباشرة ورغم الموقف الايديولوجي من جانب إيران حيال إسرائيل فإن دمشق لا تزال حتى الآن قادرة على إقناع حليفتها إيران بأن تواصل مثل هذه المفاوضات «لا يفسد للود قضية» مع طهران.
* وأخيراً وليس آخراً: ان صحة أميركا السياسية ليست على ما يرام، من رئيسها المغادر قريباً، إلى الدولار المريض جداً. وقد تأخر الوقت كثيراً بالنسبة للرئيس جورج دبليو بوش للدفاع عن أخطاء سياساته، ولم تعد كوندوليزا رايس قادرة على تولي هذه المهمة، وهي التي اسمعها الدكتور هنري كيسنجر أقذع الكلام عندما قال لها»... يجب أن توجه التهمة لك مرتين لأنك أسأت إلى أميركا بصورة قاتلة... المرة الأولى عندما كنت مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي، والمرة الثانية عندما توليت وزارة الخارجية». لذا فإن كل الآمال التي علقها الرئيس بوش على وزيرة خارجيته سقطت بصورة مهينة الأمر الذي أثر كثيراً على صورة أميركا في العالم، وخاصة في مناطق التوتر في الشرق الأوسط.
* واستطراداً لما سبق، هل سيتوج الرئيس الأميركي فترة حكمه باعتماد «سياسة تصحيحية» تنقذ ما يمكن إنقاذه من السمعة الأميركية التي تكاد تبلغ الحضيض؟ ومع بداية العد العكسي لمغادرة الرئيس بوش البيت الأبيض وسط استعجال البعض لهذا الأمر هناك من يقول مدافعاً: ان الرئيس ماض في حكمه، وفي تحكمه بالقرار حتى منتصف ليل 19 - 20 كانون الثاني (يناير) 2009. وهنا يجري الاستشهاد بما حدث خلال فترة رئاسة جيمي كارتر وعملية تحرير الرهائن الأميركيين في إيران والتي انتهت بالفشل الذريع المعلوم.
وكل شيء وارد في سياسات الدول الكبرى التي لم تتعلم الدرس بعد أنها لم تعد كبيرة في كل شيء، وأن الدول الصغيرة ليست صغيرة في كل شيء.
ومرة أخرى وأخيرة: هل نحـن أمام فترة استرخاء صيفي مرحلي وظرفي قد يتبدد مع نهاية فصل الصيف، أم أن ما نشهده هو مرحلة بناء سلام أفضل وأكثر صلابة واستمراراً، طالما بقيت مطامع «الشيطان الأكبر» من جهة والطموحات التي لا حدود لها لدول «محور الشر»؟



Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.