بكركي.. والرؤية بعين واحدة
24 تموز 2008
ليلى نقولا الرحباني - "الثبات"
في الوقت الذي شعر فيه اللبنانيون بالأمل بأن عهداً جديداً أطل عليهم بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وتجدد رجاء المؤمنين، بأن عهد الأزمات السياسية الذي يؤدي إلى توترات أمنية، قد بدأ بالتلاشي، أطل بعض السياسيين ورجال الدين للنعي والندب المستمران، وتيئيس الناس.
في الوقت الذي عاد فيه الأسرى المحررون، ورفات الشهداء إلى الوطن، وتحوّل هذا الإنجاز الكبير إلى عرس وطني جامع، شارك فيه الجميع بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية والدينية. أصرّ البطريرك صفير على مخاطبة اللبنانيين من وراء البحار، فاعتبر أن«لبنان لن يتعافى إلا إذا تم جمع السلاح من أيدي المواطنين، وتم تجريد المجموعات المسلحة منه، ووقف التدخل السوري وسواه في شؤونه الداخلية».
ونقلت المصادر المواكبة للبطريرك صفير في جولته، «تخوفه من الحال التي سوف تكون عليها الوزارات والإدارات العامة، بعد انتهاء العمليات الانتخابية، وتساؤله عمن سوف يحاسب من، على ما ارتكب من مخالفات، في ظل عدم وجود معارضة فاعلة، بعدما اندمجت الأكثرية والأقلية النيابيتان في الائتلاف الحاكم».
نحن قد نوافق السيد البطريرك، ونؤيده في ما يقوله، ولكن نتساءل:
أولاً: من المقصود بالمجموعات المسلحة؟ وكيف سيتم «تجريد» هذه المجموعات؟ هل سيطلب البطريرك من الجيش اللبناني القيام بهذه المهمة؟ أم سيعاود السيد البطريرك مقولته الشهيرة التي أطلقها قبل حرب تموز بأسابيع قليلة، والتي تم اعتبارها بمثابة دعوة لمجلس الأمن للتدخل في الشؤون اللبنانية، واستخدام القوة، يوم قال: «من أقر القرار 1559، فليأتِ وينفذه، لأن لا قدرة للبنانيين على نزع سلاح المجموعات المسلحة».
ثانياً: ألم يجرب البعض أسلوب «التجريد»، وقد تبين أنه أمر مستحيل؟ أليس من الأفضل أن يتم التفاهم على «تسليم» السلاح، بدل الذهاب إلى الخيارات العنفية؟ ألم يصل الجميع في لبنان إلى قناعة بأن ما ذكر في وثيقة التفاهم بين «التيار الوطني الحر وحزب الله»، هو السبيل الأفضل والأنجع لحل مشكلة السلاح، أم أن البطريرك يفضل الأساليب الأخرى، التي تزيد في شرذمة البلد، والتي تدخل المسيحيين في خيارات أثبتت الأيام أنها غير مفيدة، بل مؤذية للوطن، ولهم ولدورهم.
ثالثاً: إذا سلمنا جدلاً، بأن أي دولة كبرى أو دولة إقليمية فاعلة لها مصالح في لبنان، ستتدخل حكماً في شؤونه الداخلية، وهذا هو جوهر العلاقات الدولية القائمة على القوة. يبقى على اللبنانيين ألا يسمحوا بهذا التدخل. وإذا سلمنا بان السوري يتدخل في لبنان كما يقول البطريرك، لماذا لا يحدّد البطريرك ماذا يقصد بكلمة «سواه»؟ لماذا لا يقول «الأميركي»، أو«السعودي»، أو الفرنسي، الذي يقيم له البطريرك قداساً سنوياً لشكره وتقديم الامتنان له.
رابعاً: تخوّف البطريرك من عدم المحاسبة بعد تشكيل حكومة الوحدة، أين كان هذا التخوّف البطريركي يوم كانت الأكثرية النيابية حاكمة مستأثرة، ضاربة بعرض الحائط جميع المطالبات الشعبية والسياسية لها بالمشاركة؟ ألم يكن السيد البطريرك يعاتب ويلوم الأقلية النيابية على ما تقوم به، من مراقبة ومحاسبة ومطالبة للسلطة الحاكمة؟ ألم يكن البطريرك من فتح أبواب بكركي، لمن حاول اقتناص صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني، وسوّق نفسه رئيس الدولة، وقائد شعبه، يمثله في المحافل الدولية، ويقوم بتهريب الاتفاقيات الدولية، التي ينص الدستور على مهرها بتوقيع رئيس الجمهورية. ولماذا لم يتحسّر البطريرك على المعارضة، عندما كانت جميع الأطراف السياسية باستثناء «التيار الوطني الحر» في الحكومة؟
في النهاية، وعند عودة البطريرك إلى الديار، يقول إن علاقات لبنان يجب أن تكون جيدة مع جميع دول الجوار، ماذا يقصد الأب والراعي بدول الجوار؟ هل تتضمن إسرائيل أيضاً؟
اللبنانيون بحاجة لتوضيح، بحاجة إلى من يمنحهم أملاً بغدٍ أفضل، لقد أرهقهم النعي المستمر والبكاء على الأطلال، هم بحاجة إلى من يدفعهم للتشبث بأرضهم، والرجاء بمستقبل أفضل للبنان. أليس «الرجاء» هو من صلب الدين المسيحي؟
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.