header('Content-Type: text/html;charset=windows-1256'); header( 'Cache-Control: no-cache, must-revalidate' ); header( 'Pragma: no-cache' ); ?>
إغلقإبحث
11 آب 2008 ميّ مرّ - تاريخ لبنان عملاق ألتواريخ
حضارةُ المحبّةِ أُمٌّ لـ 3 حضارات: الخيرُ والحقُّ والجمال
حضارةُ الخيرِ هي حضارةُ المحبّةِ الّتي بلَغت ذروتَها مع يسوع، ثمّ تَدفّقَت عَطاءً على "أرض إيل" وعلى العالم.
لقد جمَعَ الأب مارتن ثمّ الأب لامنْس وغيرُهما مراجعَ جمّة تؤكِّدُ مُكوثَ الرّسلِ أو مرورَهم في لبنان-فينيقيا، مُستَشهِدين بالبابا كْليمان، تلميذِ مار بطرس وخليفتِه، وبالسِّنكْسارات، الّتي تَروي سِيَرَ القدّيسين، وبمؤرّخين عِدّة.
أجل، لقد أمَّ بطرس وبولس لبنان-فينيقيا، وأسَّسا في كلِّ السّاحل: في صيدون وصور، وبيروت، وجبيل، والبترون، وطرابلس، وعرقا... أُولى الكنائس. ورسمَ بطرس عليها أساقِفةً عِدّة، مُعظمُهم من الرّسلِ والتّلاميذ (لوقا 2:10)، ومنهم تدّاوس، في بيروت (الّتي استُشهِدَ فيها)، ويوحنّا-مرقس، في جبيل، ومارون في طرابلس...
وتُفيدُ مَعلوماتُنا أنّ مار يوحنّا-مرقس كتبَ النُّسخة الأُولى من إنجيلِه الثّاني في لبنان-فينيقيا، وبالضّبطِ في جبيل، مدينةِ اللّه الّتي وضعَ فيها تور "أولى الكتبِ المقدّسة، وكانت مكانِ إقامتِه، ولا تزالُ تَحمِلُ طابعَ الرّوعةِ والخُشوع.
كذلك رجَّحَ شُرّاحُ إنجيل متّى (ونقرأ ذلك في مُقدّمة إنجيلِ متّى، طبعة لي سِرّ الأوكومينيّة، 1972)، أنّ هذا الإنجيل "كُتِبَ في فينيقيا".
ولا يَخفي أنّ القدّيس لوقا، صديقَ مار بولس، كنعانيٌّ-فينيقيٌّ من أنطاكية كما وردَ مِرارًا في كِتاباتِ رُفقائِه (وهذا ما نقرأه في مُقدّمات كتابَيه: "الإنجيل" و"أعمال الرّسُل")، وعند بولس (كولوسّي 10:4-14...). وأنّه ربّما كتبَ هو أيضًا في مَسقِطِ رأسِه. على أيِّ حال، قيلَ عن هذا العَبقريِّ الكَونَويّ، إنّ إنشاءَه "آراميُّ الصُّنع". ولوقا هو من رَدَّ أصلَ يسوع إلى السُّلالاتِ اللّبنانيّةِ الأُولى: عنَينا آدم ونوح (لوقا 38:3).
وهكذا يَبدو أنّ ثلاثةً من الأناجيلِ الأربعة، قد تكونُ كُتِبَت كُلّيًّا أو جَزئيًّا في لبنان-فينيقيا.
أمّا القدّيس بولس، لقيّةُ اللاّهوتِ الكُبرى، فهو بحسب قولِ القدّيس جيروم، من لبنان الجَنوبيّ، من الجشّ (جيسكالا). على أيِّ حال، بولس الّذي عُرِفَ عنه أنّه من طَرسوس ("أعمال الرّسل"11:9؛ 2:21-6؛ 2:27-6)، وهي المدينةُ الكنعانيّةُ-الفينيقيّة الّتي بَناها ترسوس أو ترشيش حفيدُ يافث بنِ نوح اللّبنانيّ (تكوين 4:10؛ يوسيفوس، "تاريخ اليهود"،1، 6، 127). ومكَثَ في صور حيث استُقبِلَ 7 أيّام، ووُدِّعَ بمحبّة ووَرَعٍ، كما مرَّ في صيدون وكلِّ فينيقيا.
وبين 303 و313 حصَدَت عندَنا اضطّهاداتُ ديوكْليسْيان ومكْسيميان، آلافَ الشّهداء، منهم، في بيروت، مار جرجس، من شُتلَت قصّتُه الحقيقيّةُ على قِصّةٍ فينيقيّةٍ مزَجَتها بالأُسطورة. ومن أكبرِ اللاّهوتيّين، أوريجين العظيم، صاحبُ الـ 2600 مؤلّف، وأحدُ أعلى عِليةِ العُقولِ عبرَ العصور. وقد عَلّمَ في فينيقيا 25 سنةً واستُشهِدَ في صور حيث دُفِنَ، وبقي لنا منه 2200 كتاب. ومن بيروت تليمذُه وشارحُه العالمُ الكبير بّنفيلْ البَيروتيّ، خِرّيجُ مدرسةِ الحقّ البيروتيّة، مَن أُحرِقَت مكتبتُه الحاويةُ 000 27 مَخطوطة، كما يَقولُ تِليمذُه وشارِحُه أوزيب القيصريّ ( في كتابِه "التّاريخ الكنسيّ"، 11)، "أوّلُ مؤرِّخي الكنيسة"، الّذي زادَ على اسمِه اسمَ بّنفيليوس تَقديرًا لمُعلِّمه. ويَذكُرُ أوزيب في "التّاريخ الكنسيّ" ("ت ك"، 9، 13)، شُهداءَ كثُرًا من صور منهم الأسقفُ "تيرانيوس"، ويذكرُ استِشهادَ الأخوَين العالِمَين أديزيوس وأفيانوس في بيروت ("ش ف"، 4، 3، 5). كذلك استُشهِدَ أُسقفُ صور تيوديوسيوس مَن ناهَضَ، كما أوزيب، پّورفير الصّوريّ صاحبَ الـ 74 كتابًا منها 14 كتابًا "ضدّ المسيحيّين". وهذا المؤلِّفُ الأنسيكلوپّيديَّ المَعرِفة، الّذي يَعتبرُه مار أوغوسطينوس في "مدينة اللّه" (10، 1)، "أعلَمَ الفلاسفة" (ونُرجِّحُ أنّه كان من مُسبِّبي قَطعِ المسيحيّةِ عن التّيّارِ اللُّبنانيّ-الفينيقيّ في القرنِ الرّابعِ للمسيح، إذ اتّهَمَها بأنّها انتَحلَت تُراثَ فينيقيا، غيرَ واعٍ أنّ المسيح أتى "ليُتمِّمَ الشّريعةَ لا ليَنقُضَها، وأنّ جديدَه هو هو: ابن اللّه متجَسِّدًا... إلاّ أنّ كتابَه "في الزُّهد"، صارَ غذاءً للنُّساكِ، وانتِقاداتِه حثّت شُرّاحَ "الكتاب المقدّس" على مُضاعفةِ جُهودِهم لخدمةِ الحقّ.
ومن قدّيسينا الأُخَر: مَغْداليتيس ولوسْيان الطّرابلسيّان، وزينوبْيوس الصّيدونيّ، والطّبيب طاليليوس، ومار نهرا الّذي استُشهِدَ في البترون... ومن قدّيساتِنا وشهيداتِنا: أكويلينا-مارتين الجبيليّة، وتاوديسيا، وكْريستينا الصّوريّتان، وأفدوكيا، وبرباره البعلبكيّتان، ومارينا الطّرابلسيّة، وصفرونيوس (القرن 7) البشرّاوي...
ومؤخّرًا رسَمَت الكنيسةُ مار شربل قدّيسًا، ورفقا قدّيسة، ونعمه اللّه الحارديني قدّيسًا، فيما ينتَظِرُ المئاتُ من اللّبنانيّين تَطويبَهم، ومعهم ننَتَظِر...
وعندما تَمسحَنَ الأمبراطور قسطنطين (312-313)، كان لبنان-فينيقيا قد تَمسحَنَ تقريبًا بكاملِه. وأصبحَت مدنُه، سيّما صور، عواصمَ كنسيّة". وظلّت صور لقُرونٍ، "المركزَ المسيحيَّ الأوّل". وفيها بُنِيَت أُولى الكاتدرائيّات. وجاءَ رائعًا وصفُ أوزيب لكاتدرائيّة ما مرقس في "التّاريخ الكنسيّ" (10)، قد غدَت وأختَها كاتدرائيّة الأنستازيا" البيروتيّة، ورَفيقاتِهما، أُمّاتٍ للأروعِ بين الّتي وُلِدَت فيما بعد في أوروبّا.
وفي مَجمعِ نيقيا (325)، ساهمَ أساقِفتُنا في وَضعِ "قانون الإيمان"، وفي مجمعِ خلقيدونيا (451)، كانت لهم الكلمةُ الفَصلُ في دَحضِ البِدعةِ المونوفيزيّة، والتّأكيدِ على طَبيعتَي يسوع المسيح الإلهيّةِ والإنسانيّة.
|
![]() |
وبرزَ مار مارون وصَحبُه في القرنِ الخامس للمسيح. وعِلمًا أنّ شَمالَ شرقِ سوريّا الحالِيّة، كان وقتَاك يُشكِّلُ جُزءًا من لبنان-فينيقيا، فلا عَجبَ أن يكونَ قد حصلَ بين شتّى أقطارِ الوطنِ الواحِد، تَبادُلٌ اقتِصاديٌّ وحَضاريّ. وساهمَ أتباعُ مار مارون ورُفقاؤُه القدّيسون والنُّسّاك - ومنهم مار يوحنّا مارون أوّلُ البطاركةِ الموارنة، وابن أخيه القدّيس ابراهيم الّذي أُعطِيَ اسمُه لنهرِ إبراهيم (سابِقًا نهر أدونيس) -، في إتمامِ عمليّةِ المَسحنة. ورَبِحوا لـ مار مارون كثيرين من مَسيحيّي الجبالِ اللّبنانيّة.
وسنة 553 ساهمَ أساقِفتُنا في مجمعِ
القُسطنطينيّة، وكان منهم أوزيبيوس أسقُف صور...
وأكملَ اللّبنانيّون-الفينيقيّون مع المسيح مَسيرتَهم الحضاريّة، فساهَموا في مَسحنةِ العالمِ بَدءًا من مِنطقتِهم حيث تشكّلَت 7 منائرَ حضاريّة:
في وطنِ المسيح، جنوبَ كنعان-فينيقيا، بزَغَ الرُّسُلُ والقدّيسون الأوَل، مَن هامتُهم مار بطرس، ورائدُ فكرِهم مار يوحنّا الإنجيليّ، قمّةُ اللاّهوت.
وفي لبنان-فينيقيا الأوسط (أي في لبنانِنا وشرقَ سوريا)، اعتَنقَ النّاسُ المَسيحيّة، وتقدّسَ الكثيرون، وأعظمُهم: مار افرام "كنّارة الرّوح القدّس"، مُمجِّدُ اللّه بلغتِنا في أكثرَ من 3 ملايين بيتِ شعر. وبَرزَ شرقًا مار يعقوب النِّصيبيني، ومار يعقوب السّروجي، وغربًا في أنطاكية مار يوحنّا الأنطاكي، ومار يوحنّا فمّ الذّهب، صاحبُ التّسابيحِ الرّائعةِ الّتي لا تَزالُ غارَ كنائسِنا. أمّا مار سمعان العَموديّ ورُفقاؤُه، فرَفَعوا النُّسكَ إلى أوّجِه، وتفوّقَ في الدّاخلِ مار يوحنّا الدّمشقي.
وفي آسيا الصُّغرى تألّقَ مار بّوليكاريوس، صديقُ مار يوحنّا الإنجيليّ، ومار باسيليوس الكبير، أبُ الرّهبناتِ، وعائلتُه. وصديقُه غريغوار النّزينزي وعائلتُه، وكثيرون غيرَهم.
وفي ميزوبّوتاميا حتّى بلادِ فارس، فـ أرمينيا، وأعماقِ آسيا حتّى الهند، والجزُر، بشّرَ مار فارطان، ومار أفراهات، ومار نهرا (الّذي استُشهِدَ في البترون)...
وأرسلَ الملك أبجَر، ملك إديسّا الرّسّام نعمان، ليَدعُوَ يسوع لزيارةِ بِلادِه (الرّها)، فأرسلَ يسوع إليه بعد موتِه وقيامتِه، الرّسول تدّي الّذي شفاه ومَسحنَه وشعبَه.
وفي مصر باحَ بخورُ الزُّهدِ عبرَ مار أنطونيوس الكبير، والقدّيسة كاترينا وغيرِهما...
وفي كرتاجة البّينيقيّة وباقي أفريقيا، شَعشعَ آلافُ الشّهداءِ والقدّيسين، أبرزُهم تِرتولّيان، وكِبرِيان، وأوكْتافيان، وبابوات قدّيسون كثرٌ، منهم مار فكتور الأوّل... وأعظمُهم قاطبةً مار أوغوسطينوس، مَن قُلنا إنّه يُعتبرُ أحدَ أعلى عِليةِ العُقولِ عبرَ كلِّ الأزمِنة.
أمّا الحبَشة فمَسحنَها أخَوانِ قدّيسان من صور، ذكرناهما، هما مار فرومَنتِيوس، مَن لا يزالُ شفيع البلاد، الّتي مَسحنَها، ويلقّبُ بـ "أبا سلامه"... ومار أديسيوس، الّذي استُشهِدَ في مدينتِه الأُمِّ، صور.
وانطِلاقًا من لبنان-فينيقيا ومن باقي المَنائرِ الحَضارِيّة، تمَسحَنَت أوروبّا كما مُعظمُ العالم: ومن بدايةِ المسيحيّةِ حتّى القرن الثّامن لـ المسيح، أمَدَّ لبنان-فينيقيا الكرسيَّ الرّسوليّ بِبابوات بلغَ عددهم، بحسبِ كاهنٍ علاّمة 30 حبرًا أعظم. ودرَسنا نحن سيرةَ 10 بابواتٍ من لبنان-فينيقيا ومن كرتاجة، منهم 2 من صور: القدّيسان سيزنّيوس وقسطَنطين، ومنهم القدّيس غريغورا الثّالث، الّذي سَرّعَ مسحَنةَ أوروبّا وخاصّةً ألمانيا.
ولم يَكتفِ البابواتُ الفينيقيّون، ومعظمُهم قدّيسون، بتسريعِ مَسحنةِ أوروپّا بل شمِلَت رسالتُهم العالم، فدَعموا الحرَكاتِ التّبشيريّة، ووضَعوا القوانينَ الكنَسِيّة، ونظّموا طُقوسَ العِبادةِ - حتّى شارةُ الصّليبِ أدخلَها أهلُنا إلى أوروبّا، يقول لويس بْريهي -. وشَتَلوا الأعيادَ المَسيحيّةَ على أعيادٍ لبنانيّةٍ-فينيقيّة، في مُقدِّمها عيدُ الميلاد، الّذي ظلَّ أهلُنا يُعيِّدونَه حتّى القرنِ الرّابعِ للمسيح، على اسمِ الإله "الشّمس الّذي لا يُغلَب"، في 25 كانون الأوّل، وعيدُ الفِصح، الّذي كان عيدَ الإله أدون-الفنيكس الّذي يَموتُ ويقومُ من رمادِه في اليومِ الثّالث؛ وأعيادُ العذراءِ مريم الأربعة الّتي كانت تُقامُ لتَكريمِ مايا زوجةِ تور في شهر نوّار-مي...
أمّا بعضُ بابَواتِنا، المَعروفين بـ "البابوات الرّوم"، فمُعظمُهم مُنتَمون إلى الحضارةِ اللّبنانيّة-الفينيقيّة. وقد عُرِّفَ في تلك الحِقبةِ عن أهلِنا، أحيانًا، بالمَشرِقيّين، وأحيانًا بالصّوريّين (نسبةً لـِ صور، لأنّ أبناءَها كانوا الأكثرَ انتِشارًا وفَعالِيّةً في العالمِ حينذاك)، وأحيانًا عُرِفوا بالبيزنطيّين أو الرّوم. ونُذكِّرُ بأنّ كلمةَ "روم" مُرادَفٌ لكلمةِ هرمس، لقب تور، وتَعني العُلُوَّ والسُّموَّ، وبخُصوصِ البابواتِ والإكليروس كانت تَعني الّذين يُمارسون الطُّقوس اليونانيّة.
ويَقتَضي التّنويه بأنّ آلافَ الأديارِ والكنائسِ (ثمّ الجوامعِ والخَلَوات) بُنِيَت فوقَ هياكلِ "بلدِ الـ 3000 هيكل": لبنان-فينيقيا.
هذه الحضارةُ الّتي فجّرَها يسوع، أي حضارةُ المحبّة، المُبدِعةُ لِحضاراتِ الخَيرِ والحقِّ والجَمال، تَستأهلُ أن تُسمّى المَعبدَ الّذي أرادَه اللّبنانيّون-الفينيقيّون أروعَ عِمارةِ إلهو-بشَريّةٍ، شيّدَها أهلُنا انطِلاقًا من "أرض إيل"، وبخاصّةٍ من لبنان "قلب إيل".
هكذا علّمَنا أن نُصلّي
أبانا الّذي في السّماوات. ليتقَدّس اسمُكَ، ليأتِ مَلكوتُكَ. لتكُن مشيئتُكَ كما في السّماءِ كذلك على الأرض. أعطِنا خبزَنا كفافَ يومِنا. واغفِر لنا خَطايانا مثلَك نحن نَغفِرُ لمَن أساءَ إلينا. ولا تُدخِلْنا في تَجرِبة. لكن نَجِّنا من الشّرّير" (مت 9:6-13).
وممّا قالَه لنا الرّبّ يسوع:
"كما أحبَّني الآب كذلك أحبَبتُكم أنا... هذه هي وصيّتي أن يُحبَّ بعضُكم بعضًا كما أحببتُكم. ليسَ لأحدٍ حبٌّ أعظمُ من هذا أن يَبذُلَ نفسَه لأجلِ أحبّائِه"...(يو 9:15).
"إن أردتَ أن تكونَ كامِلاً فاذهَبِ وبِعْ أملاكَكَ وأعطِ الفُقراءَ فيكونَ لك كنزٌ في السّماء، وتَعالَ اتبَعني" (مر 17:10-22...).
"سلامًا أترُكُ لكم. سَلامي أُعطيكُم. ليسَ كما يُعطي العالمُ أعطيكُم أنا"... (يو 27:14).
"الحقَّ الحقَّ أقولُ لكم، إنّ كلَّ ما تَطلبونَه من الآب باسمي يُعطيكُم إيّاه. أُطلُبوا تأخذوا ليكونَ فرحُكُم كامِلاً" (يو 20:16 و22-24).
حينئذ ابتدأ يُوبِّخُ المدنَ الّتي صُنِعَت فيها أكثرُ مُعجِزاتِه لأنّها لم تتُب. ويلٌ لكِ يا كورزين. ويلٌ لكِ يا بيت صيدا. لأنّه لو صُنِعَت في صور وصيدون المُعجزات المَصنوعةُ فيكما لتابَتا من قديمٍ في المُسوحِ والرَّماد. ولكن أقولُ لكم إنّ صور وصيدون تكونُ لهما حالةٌ أكثرُ احتِمالاً يومَ الدّين ممّا لكما"(متّى 20:11-22؛ لوقا13:10-15).
وسنَختتِم بنشيد المحبّة وهو من أروعِ ما جاءَ في المسيحيّة نشيد المحبّة لـ بولس (1قو 13)، الّذي يؤكِّدُ كلامَ المسيح القائل لتَلاميذِه: "ستُعلِّمونَ مثلي وأروَع، وستَشفونَ المرضى كما أشفيهِهم أنا"...
"لو كنتُ أنطِقُ بألسِنةِ النّاسِ والملائكةِ ولم تكُن فِيَّ المحبّةُ فإنّما أنا نُحاسٌ يطِنُّ أو صَنجٌ يَرِنُّ. ولو كانت لي النُّبُوَّةُ وكنتُ أعلمُ جميعَ الأسرارِ والعِلمَ كُلَّه ولو كان لِيَ الإيمانُ كُلُّه حتّى أنقُلَ الجِبالَ ولم تَكن فِيَّ المحبّةُ فلستُ بشَيءٍ. ولو بَذَلتُ جميعَ أموالي لإطعامِ المَساكينِ وأسلَمتُ جسدي لأُخْرَقَ ولم تكُنْ فِيَّ المحبّةُ فلا أنتفعُ شيئًا. المحبّةُ تتأنَّى وتَرفُقُ. المحبّةُ لا تَحسُدُ ولا تتَباهى ولا تَنتَفِخُ ولا تأتي قَباحةً ولا تَلتمِسُ ما هو لها ولا تَحتَدُّ ولا تظُنُّ السُّؤَ ولا تَفرَحُ بالظُّلمِ بل تَفرحُ بالحقِّ. وتَحتمِلُ كلَّ شيءٍ وتُصدِّقُ كلَّ شيءٍ وتَرجو كلَّ شيءٍ وتَصبِرُ على كلِّ شيءٍ. المحبّةُ لا تَسقُطُ أبدًا. أمّا النُّبُوّاتُ فسَتبطَُ والألسِنةُ تَزولُ والعِلمُ يُبطَلُ. فإنّا نعلمُ علمًا ناقِصًا ونَتنبّأُ تَنبُّؤًا ناقِصًا فمتى جاءَ الكامِلُ يُبطَلُ النّاقِضُ. إنّي لمّا كنتُ طِفلاً كنتُ أنطِقُ كالطّفلِ وأعقِلُ كالطِّفلِ وأفكِّرُ كالطّفلِ فلمّا صرتُ رَجُلاً أبطَلتُ ما هو للطّفلِ. لأنّا الآنَ ننظُرُ في مِرآةٍ على سبيلِ اللُّغزِ أمّا حينئذٍ فوَجهًا إلى وجهٍ. إنّي أعلمُ الآن عِلمًا ناقِصًا أمّا حينئذٍ فسأعلمُ كما عُلِمتُ. والّذي يثبُتُ الآن هو الإيمانُ والرّجاءُ والمحبّةُ هذه الثّلاثةُ وأعظمُهُنَّ المحبّةُ.
أيُّ أماكنَ زارَها المسيح في لبنان بصورةٍ خاصّة؟
بِتنا نعرِفُ أنّ المناطقَ اللّبنانيّة الّتي أمَّها المسيح بصورةٍ خاصّة، هي قانا الجليل الّتي عرّفنا عنها بلدةً لبنانيّة. وكذا القولُ عن صور وصيدون اللّتَين وردَ بصورةٍ واضِحةٍ في الأناجيل، أنّ المسيح زارَهما وبشّرَ في المناطقِ الّتي حولَهما، لكن لم نكن نعرِفُ المناطقَ الأُخرى الّتي أمَّها يسوع في بِلادِنا. كونُه مرّا أيضًا عبرَ بلادِ الدّيكاپّول - وهي المدنُ العشرُ الّتي كانت قد اتّحدَت في السّنة 60 قبل المسيح، وكان مُعظمُ سكّانها من الكنعانيّين-الفينيقيّن -، كونُنا عرَفنا من مرقس (31:7)، مُرورَ المسيح عبرَها، يزيدُ على مَعلوماتِنا مَعلوماتٍ جمّة، إذ أنّ يسوع كان عائدًا عندما مرَّا بها إلى مدنِ بحرِ الجليل، حيثُ كان يَقطنُ وأمِّه العذراء مريم.
ومن نُصوصٍ إنجيليّةٍ أُخرى، نعرِفُ أنّ يسوع قصدَ قيصريّة فيليبّوس (وهي بانياس اليوم)، الواقعةُ على التّخومِ بينَنا وبين سوريا، وهي المدينةُ الّتي أعلَنَ فيها بطرس أنّ يسوع هو ابنُ اللّه، ويسوع يومَها أسَّسَ كنيستَه وجعلَ من بطرس الصّخرةَ الّتي عليها قرّرَ بِناءَ تلك الكنيسة. ونعرِفُ من أوزيب القيصريّ أنّ المسيح زارَ قيصريّة، وشفى النّازفة الّتي من تلك المدينة، وأنّ امرأة الطّوبى الّتي كانت تَهتِفُ كلّما سمِعَت يسوع يعِظ: "هنيئًا للبطنِ الّذي حملَك، وللثّديَين اللّذَين رضعتهما"، اسمُها لِيا وهي نسيبةُ النّازفة، ومن قيصريّة.
ومعلومٌ أنّ يسوع مرَّ بكلِّ مدُنِنا السّاحليّة: كي يصِلَ إلى صور قطعَ عبرَ المدنِ والقُرى الّتي كانت على طريقِه ما بين كفرناحوم وصور، وكان السّكان يستوقِفونَه ليَدعونَه إلى مآدِبهم، وليشفِيَ مرضاهم، وهكذا مرّا في بلادِ صور ثمّ في بلادِ صيدون قاطِعًا مُعظمُ المدُنِ والقُرى الّتي على طريقِه، وحيث كانوا ينتظِرونَه بفارغِ الصّبرِ. ويمكِنُ القول إنّه عَبَرَ تلك البلداتِ على مَهلٍ لأنّه كان يعرفُها وقد عبَرَها مِرارًا. وكذا القولُ عن مدُنِنا السّاحليّة فهو بلا شكٍّ توقّفَ في عدلون-أورنيتوپّوليس ثمّ في الصّرفند-سربتا، أو صرفت صيدون كما يُسمّيها الإنجيل، وفي الصّرفند مكثَ إيليّا 3 سنواتٍ ونصف في بيت الأرملةِ الّتي كثّرَ طحينَها وزيتَها وأقامَ ابنَها من الموت. ولا نرى يسوع متوقِفًا هناك بل نراه مُكمِلاً نحو بيروت الّتي قُلنا في كتابِنا "المسيح عاشَ في لبنان أيضًا"، إنّه قد يكون علّمَ فيها أيضًا، ومن بيروت انطلَقَ نحو البقاع حيث قُبور نوح وأولاده الّتي زارَها كما زارَ مقام النّبيّ إيليّا في الصّرفند... وبحسبِ رؤى آنّ-كاترين إمّريك، كان يسوع يزورُ مُعظمِ الأماكنِ المقدّسة الّتي يمُرُّ بها، وتكونُ فيها مَقاماتٌ لجُدودِه الآباءِ والأنبياء ومنهم آدم وابنُه شيت في البقاع، ونوح في كرك نوح قربَ زحله، وحام على طريقِ بعلبكّ إلى ما هنالك من مَقامات بخاصّةٍ الّتي في الجنوب، ويَصعُبُ عَدُّها جميعًا. ومرَّ يسوع قاطِعًا جبالَنا ليس فقط لكثرةِ مقاماتِ الأنبياءِ فيها ومنها مقام النّبي حزقيال في مرجعيون، ومقام النّبي ميخا في مْرسْتي، المشرف على جزّين، ومقام النّبي هوشع قربَ طرابلس، ومقام ليشع جهاتِ وادي قاديشا، إلى آخره... ونقرأ أسماء مقاماتٍ كثيرةٍ وأنبياءَ منتشرة عبرَ الجبل، وقد يكونُ يسوع زارَها جميعًا. إذن هكذا يكونُ قد مرَّ بمُعظمِ أماكنِنا الجبليّة، المنتشرةِ هنا وهناك.
وألقى يسوع معظمِ عِظاتِه فوقَ جبلِنا حرمون الّذي عُرِفَ بجبلِ الرسالة، ومنها الطّوباويّات والأبانا، والأمين. وكان يسوع يجعلُ من قانا الجليل محطّةً لاجتِماعِه بتلاميذِه، إمّا ليعِظ ويجترحَ الأعاجيبَ لأهلِ قانا والجوار، أو ليَشرحَ بعضَ الأُمورِ لتلاميذِه. وفي قانا دعا لاجتماعٍ وداعيٍّ لتلاميذِه وصَحبِه، وحسب الرّؤى تجلّى أيضًا قربَ قانا، وظهرَ الرّبّ في جليلِنا بعدَ قيامتِه من الموت، ومنه أطلقَ رِسالتَه الأُمميّة. ومثلَ المسيح يسوع الجليليّ كان رسُلُه ومعظمُ تلاميذِه جليليّين (أعمال 2:1). ولن نتوقّف مُطوّلاً عند المحطّاتِ الّتي لجأ إليها التّلاميذُ بعدَ موتِ يسوع وقِيامتِه، فالاضطّهاد وجّهّهم نحو صور وصيدون وقانا، وقد يكونون اختلَوا هناك لكِتابةِ الأناجيل. وهكذا مَسحَنوا أرض إيل أوّلاً، ومذ بدأت الاضطّهادات الكُبرى استُشهِد عباقرة قداسةٍ كثُر في أرض إيل بالآلافِ كما يقولُ أوزيب. وظلَّ القدّيسون يَحتمونَ في لحفِ جِبالِنا وفي المغاورِ النّائية حيث طاردَهم الغُزاةُ لمئاتِ السّنين، لكنّهم لم يقوَا عليهم وظلَّ النُّساك حتّى الآن في مغاورِ قاديشا وحردين والجنوب، ولنقلْ في كلِّ مناطقِ لبنان البَعيدةِ عن أرجُلِ الغزاةِ وأسلحتِهم. ورغمَ غزواتِهم ظلَّ لبنان يُنجِبُ الشّهداء والقدّيسين والنُّسّاك، خُصوصًا إبّان الحروبِ كما حصلَ في سنواتِ الحربِ الأخيرة، وحتّى في عصرِنا، "عصر سعادة العقل"، ظلَّ لبنان مكلّلاً بغارِ العباقِرةِ وعُظماءِ القَداسة.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.