درويش .. الشاعر العدو
15 آب 2008
درور ايدار - "اسرائيل اليوم"
مع موت الشاعر الفلسطيني محمود درويش فتحت ينابيع جوفية كثيرة لعدد من اساطين الثقافة في اسرائيل. وهؤلاء رثوه وسيرثونه بعد مع خروج السبت الذي سيخصص لذكره. كان محمود درويش شاعراً جيداً. تثير بعض اشعاره فيّ القشعريرة. ربما لو كنت في وقت آخر وواقع آخر لكنت اعجبت بشعره كثيراً ايضاً. لكن محمود درويش كان عدواً ألد أيضاً. برهن شعره ألف مرة على ما نعرفه ههنا منذ وقت لكنه لم يتغلغل الى وعي الاسرائيليين. وهو أن النزاع بيننا وبين عرب المنطقة على اختلافهم هو نزاع بين اسطورتين، ولن تعقد أي محادثات سلام عقلانية الجسور فوق الهوة العميقة بين الشعبين.
هذا هو ايضاً سبب هوة الكراهية والاشمئزاز العميقة بين اليسار الاسرائيلي وسائر مواطني اسرائيل. فقد اصبح اليسار الذي يحتضن اشعار درويش ويراه حقيقة اصيلة في مقابلة الادب العبري "المنقطع" عن الواقع، منذ وقت يميناً فلسطينياً - يهودياً.
ومع ذلك، وبخلاف الضجة التي ثارت مع اقتراح يوسي سريد عندما كان وزيراً للتربية ادخال شيء من شعر درويش في الخطة الدراسية، ينبغي لكل اسرائيلي أن يعرف درويش. ربما لو ادركنا فقط عمق الهوة بيننا، لاستطعنا أن نعود ونتحدث بلغة الاساطير القديمة لهذه الارض، التي سكنها اباؤنا اليهود واحبوها، وتمرغوا في ترابها، وطردوا منها وعادوا اليها، وعادوا اليها مرة اخرى وطردوا منها، وفي خلال ذلك اقاموا فيها هيكلاً ومملكة ومنحوا العالم سفر الاسفار، ولم يكفوا عن الشوق اليها في شتاتهم، الى ان عادوا اليها، الى ارض خراب انتظرت بنيها سنين طوالا. ومثل أم حفظت حليبها من أجل ابنها فقط بدأت هذه الارض تزهر ليهودها العائدين، وجميع المحاولات لانشاء تاريخ بديل ههنا ولتصويرنا كمهاجرين هي ثمرة تركة مثقفين مثل درويش.
في قصيدة "زمن حصار" التي كتبها درويش زمن حصار عرفات في رام الله في فترة العمليات الكبيرة، عندما فجر شبان فلسطين أنفسهم في حافلات اسرائيلية او في صفوف النوادي بل في مراكز شراء يقول درويش ما معناه: "ان الشهيد يبين لي انني لم ابحث وراء الافق عن عذارى الخلود. لقد أحببت حياتي على الارض بين الصنوبر والتين لكن الطريق الى حياتي كانت مسدودة وبحثت عنها بالشيء الوحيد الذي كنت أملكه وهو الدم في جسم اللازورد" (ترجمة محمد حمزة غنايم).
يرى درويش أن المنتحرين المسلمين فعلوا ذلك يائسين لان طريق حياتهم كانت مسدودة. هذه هي الرواية الواهنة لكثرة استعمالها التي يسوقها اليسار المتطرف هنا في اسرائيل وفي العالم كله. فالفلسطينيون هم يسوع ايامنا، الضحية الخالدة. هكذا ارادوا أن نعتقد فيهم. يجعل درويش بشعره القتل المتعمد لمواطنين أبرياء مسألة جمالية وبحثا عن "الدم في جسم اللازورد". أتقل هذه الكلمات فتكا عن خطبة واعظ قوماني في مسجد فلسطيني؟
وفي قصيدة اخرى يدعو درويش اليهود الى حزم حقائبهم والعودة الى بلادهم الى الاماكن التي اتوا منها.
رد الشاعر الناجي من الكارثة ايتمار يعوز - كاست على درويش بقصيدة اسمها "حق العودة". كتب عن آلاف اللاجئين اليهود الذين بحثوا عن ملجأ في بلد ما زمن الحرب العالمية الثانية ولم يعطوه. كذلك ذكر الجذور النازية لحركة التحرير الفلسطينية التي اسسها المفتي الحاج امين الحسيني.
وفي النهاية يكتب يعوز - كاست بتهكم، ويقرر ان يفعل ما يعظه به درويش وأن يأخذ جميع موتاه، وابناء عائلته، ومن تراب الارض. وملايين اليهود الذين عاشوا وانتجوا كثيرا هنا قبل ان يعرف درويش او آخر من ابناء شعبه النطق باسم "فلسطين" الذي اختير لمحو اسم "يهودا" او "اسرائيل".
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.