لا أحد يكترث بالقدس الأصولية

15 آب 2008 عوزي بنزيمان - "هآرتس" الاسرائيلية



خبران ظهرا في الصحف واحدا بجانب الاخر: الاول أفاد بأن عضو الكنيست الحاخام دوف حنين قد قرر خوض المنافسة على رئاسة بلدية تل ابيب في مواجهة رون خولدائي. اما الخبر الثاني فمفاده ان عضو الكنيست مئير بوروش قد انتخب من قبل امانة سر اغودات يسرائيل حتى يكون مرشح "يهدوت هتوراه" لرئاسة بلدية القدس. الطريقة التي نقلت فيها الصحف هذان الخبران عبرت عن وزنهما من وجهة نظر الرأي العام: خبر المنافسة في تل ابيب نشر بصورة موسعة بينما حظي خبر القدس بعدة سطور هامشية. هناك سخافة واضحه في الطريقة التي تتعامل فيها وسائل الاعلام المؤثرة في جدول اعمال الجمهور مع المعركة الانتخابية التي ستجري في العاصمة. الدول عادة تولي اهتماما خاصا لعواصمها.
قرار وضع بوروش على رأس القائمة الاصولية يهدد باضفاء صورة بيتار عيليت على القدس بصورة نهائية. للوهلة الاولى يبدو ان ذلك لا ينطوي على اي شيء سلبي وفقا لصورتها الديمغرافية وتناسب القوى الذي يترتب عليها. القدس منذ عدة سنوات تتحول الى مدينة اصوليه وطابعها يتغير وفقا لذلك وعلى ذلك يتم انتخاب قيادتها ايضا.
منذ سنوات اصبح معروفا وبديهياً ان القادم للمدينة يواجه لوحة كبيرة تظهر عليها مواعيد دخول وخروج يوم السبت. اضف الى ان التصاميم الفنية في المدينة اصبحت مثل زينة مظله عيد العرش. كما ان العنصر اليهودي الاصولي في المشهد المقدسي يزداد رويداً رويداً على حساب الفسيفساء المتنوعة التي ميزتها في الماضي.
التحول الى اقلية لم يقتصر على العلمانيين والمتدينين المعتدلين بل انه يشمل التعدديه الدينية والتعددية القومية ايضا التي كانت تتعايش في ازمتها وتراجعت الى الوراء لحساب الهيمنة الاصولية. التوقعات المستقبلية تشير الى ان عدد التلاميذ في المؤسسات التعليمية الاصولية للفئة العمرية 6-14 سيزيد الى ثلاثة اضعاف بالمقارنة مع تلاميذ المدارس العلمانية والرسمية - الدينية خلال سبع سنوات.
الدولة والجمهور العريض يتعاملون مع هذا الاتجاه بلامبالاة: هم يتركون مصيرهم البلدي بيد المقدسيين. الشرائح المبدعة والمنتجة في المدينة توصلت الى الاستنتاج الملائم وهي تغادرها باعداد هائلة بلغت 60 الف مهاجر سلبي خلال السنوات الخمس الاخيرة. علمانيون شبان ومن ابناء الطبقة الوسطى يهاجرون من المدينة لأن هذه صرعة رائجة او لعدم وجود فرص عمل فيها لمهن كثيرة. الحركة من المدينة خارجا تترك فراغا يقوم بملئه الاصوليون الفقراء في اغلبيتهم (هناك شريحة محدودة من اليهود والرأسماليين من الخارج تشتري شققا فاخرة في الاحياء الراقية من المدينة) الذين يعتمدون بصورة متزايدة على خزينة الدولة (ثلث العائلات المقدسية تحت خط الفقر مقابل 11 بالمائة في تل ابيب).
هذه المجريات المعروفة منذ سنوات تلقت موافقة سياسية ذات اسبقية مع انتخاب اوري لوبليانسكي رئيسا للمدينة قبل خمس سنوات وهي ستترسخ نهائيا على ما يبدو من خلال الانتخابات القادمة مع انتخاب بوروش المتوقع لرئاسة البلدية.
الامنية التي صدرت عن جزء من الجمهور العلماني مع انتخاب لوبليانسكي بأن ينجح في تمثيل مصالح مجمل سكان المدينة تبددت: القدس تحت ادارته عمقت من طابعها الاصولي والمؤسسات الاصولية تغلغلت في قلب الاحياء العلمانية كما ان وجهة النظر الاصولية اثرت على قرارات وجهاء المدينة في مسائل كبيرة (توسيع حي جبل ابو غنيم مثلا) وصغيره (الباس راقصات شابات عباءات في مراسيم تدشين جسر هميتاريم) المدينة تصبح ذات طابع متشدد ضيق الافق بينما يهتم صناع القرار فيها باحتياجات الشرائح الاصولية فقط. هم يسارعون ايضا الى طرح مواقف اندفاعية مصدامية في المواقف الخلافية مع السكان الفلسطينيين في المدينة.
من الممكن ان نحسد التل ابيبيين: امامهم اختيار بين رئيس بلدية نشط ومتهم بعبادة مفرطه للبناء والعمران وبين منافس ينادي بتفضيل الاعتبارات البيئية. هذه الخلافات التي هي محط اهتمام المدن النامية المتطورة تعتبر ترفا في القدس. هذه المدينة تكافح من اجل تحديد هويتها الاساسية خاضعة للانقضاض الاصولي الذي يحولها الى بني براك. هذه النتيجة ستحول الجدل الكبير مع الفلسطينيين حول القدس الى مسألة بلا اهمية، برهنت الصحف بالامس: لم يعد احد يكترث لهذه المدينة الاصولية الهامشية.


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.