"الدولة ثنائية القومية" فزاعة تخيف الاسرائيليين كثيرا

22 آب 2008 ميرون بنفنستي - "هآرتس" الاسرائيلية



لا يسهل ان نعلم أتنبع الانباء المنشورة عن ان عدداً يزداد من الفلسطينيين يميلون الا ن الى تأييد دولة واحدة للشعبين تنبع حقاً من ازدياد عدد مؤيدي الفكرة، ام ان مصدرها الحساسية الإسرائيلية. فزاعة الدولة الثنائية القومية تخيف الاسرائيليين كثيراً، الى درجة ان كل تصريح فلسطيني في هذا الموضع يثير تأملات ونظريات مؤامرة. يعرف احمد قريع ابو العلاء هذه الحساسية، ولهذا يستغلها في كل مرة يجد فيها صعوبات في التفاوض "اذا استمرت اسرائيل في المعارضة فسنطلب دولة واحدة للشعبين"، قال اخيراً.
اجل ان شعار "دولة واحدة" يستعمله الفلسطينيون لتهديد اسرائيل، وهم يعلمون جيداً مبلغ كون هذا التهديد ناجعاً. الخوف كبير جداً من ان الفلسطينيين يخططون الى الاستبدال بالنضال من اجل الاستقلال القومي مطلب حقوق المواطن في دولة ثنائية القومية، الى حد ان مجرد إثارة هذا الخيار يرى برهاناً على غياب الاستعداد للتوصل الى السلام.
يعد الطلب الفلسطيني ضم المناطق واعطاء سكانها حقوق مواطنة أخطر على اسرائيل من طلب دولة مستقلة لأن المساواة المدنية هي معيار كوني، وطلب تحقيقها سيحظى بتأييد جارف في الغرب. والويل للاسرائيلي الذي يجرأ على تأييد ثنائية القومية؛ فهو يوصم بأنه خائن مطارد بكراهية الذات.
الجدل الاسرائيلي في ثنائية القومية في مقابلة التقسيم الى دولتين يتم في المستوى النظري، والعقائدي والقيمي، ويعرض في واقع الامر على انه تهديد فقط للحل المقبول المراد الذي هو التقسيم. لكن هذا الجدل الذي يتجدد دائما عندما يزداد الاحباط من المسيرة السياسية، لا ينجح في ان يصبح معضلة حقيقية ويبقى مثل فزاعة تخويف او قضية اكاديمية ألمعية. وكل ذلك لا لأن خيار ثنائية القومية فقط يراه اكثر الاسرائيليين هدماً لدولتهم ويراه اكثر الفلسطينيين نهاية لحركة تحريرهم القومية بل لأن الجدل خاصة في البديلين هو جدل غير طائل كل قيمته في مجرد وجوده، وهو يرمي الى طمس حقيقة استقرار الوضع الراهن وثباته.
يبقى الوضع الراهن ما ظلت القوى المعنية بالحفاظ عليه اقوى من القوى التي تطمح الى ضعضعته. هذا هو الوضع السائد في ارض اسرائيل/فلسطين. بعد اكثر من 40 سنة تطور، بطريق التجريب والخطأ - بغير تخطيط لكن مع الاستجابة الى شفرة جينية لمجموعة من المستوطنين - نظام حكم اسرائيلي يسمى "الاحتلال"، يضمن سيطرة تامة على كل عامل او مسار قد يمس بالهيمنة التامة للجماعة اليهودية والحقوق السياسية والمادية الزائدة التي جمعتها.
هذا الوضع الراهن الذي يبدو قديما وغير مستقر، هو اشد ثباتاً مما يتبين من التعريف السائد للوضع على انه "احتلال عسكري" مؤقت. التوترات والتناقضات بين الجماعات السائدة داخل الارض الخاضعة لسيطرة اسرائيل هي شديدة جداً والفرق بين قوة الجماعة اليهودية والجماعة العربية حاسم جداً، الى حد انه لا يوجد امكان لادارة هذه التوترات الا بالقوة العسكرية.
على نحو عام يجري تأكيد عدم المساواة السياسية والمدنية وسلب الحقوق الجماعية، التي يفترض ان يحلها نموذج التقسيم او نموذج الاشتراك في حكم ثنائي القومية. لكن عدم المساواة الذي هو اشد وأخطر هو الاقتصادي، وهو يميز الوضع الحالي وسيظل موجوداً في البديلين بلا حل: الفرق الحاد في الانتاج الوطني الخام للفرد بين الاسرائيلي والفلسطيني الذي يبلغ 10.1 في الضفة و20.1 في غزة، وكذلك عدم التساوي الكبير جداً في استعمال الموارد البيئية (الارض والماء).
هذا الفرق يمكن ان يظل موجوداً بقوة الذراع فقط التي يقدمها جهاز الامن بجدوى كبيرة، واكثر معارضي "الاحتلال" ايضا غير مستعدين للتخلي منها، لأن رفاهتهم ستتضرر آنذاك.
هذا الوضع الراهن القابل للانفجار يثبت اثر ضم عدة عوامل: تحطيم الجماعة الفلسطينية وتأنيب شظاياها بعضها على بعض؛ وتجنيد الجماعة اليهودية لتأييد نظام الاحتلال الذي يُرى مدافعاً عن حقيقة وجودها؛ وتمويل "الدول المانحة" للوضع الراهن، واقناع الدول المجاورة بتفضيل المصالح المتبادلة والعالمية على التضامن العرقي العربي؛ وحملة دعاوة ناجحة تسمى "مفاوضة السلطة الفلسطينية" تقنع كثيرين بأن الوضع الراهن مؤقت ولهذا يمكن الاستمرار في اللهو بالخيارات النظرية لـ "التسوية الدائمة"؛ واسكات كل نقد على انه تعبير عن العداء ومعاداة السامية؛ والاحجام النفسي عن استنتاج ان الوضع الراهن ثابت ولن يتغير سريعاً. ليس من اللذيذ الاعتراف بذلك، وهذه نبوءة حزينة، لكنه لا يوجد احتمال للتغير بغير هذا الاستنتاج واستخلاص العبر منه.


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.