الفساد يستشري في اسرائيل والساحة السياسية شحيحة في العنصر القيادي

23 آب 2008 ناحوم برنياع - "يديعوت أحرونوت" الاسرائيلية



لي كوان يو الدكتاتور المتنور الذي اقام وبنى النظام في سنغافورة نشر قبل اكثر من عقد كتاباً يوضح سر نجاح السنغافوري. فصل هام من الكتاب كرس للكفاح البطولي الذي خاضه ضد الفساد. سنغافورة ورثت من الحكم الكولونيالي البريطاني وحدة تحقيقات ضد الفساد وكانت تتولى امر الاسماك الصغيرة. صلاحيات رئيس الوحدة وسعت وقوته ازدادت. لي كوان يو لم يثق بوسائل الاعلام: ولاحظ مجموعة من الدول التي تكثر وسائل الاعلام فيها من كشف قضايا الفساد واكتشف ان الفساد فيها لم يقل بالمره. احد امثلته كان ايطاليا برلسكوني: في هذه الدولة رئيس وزراء هو من كبار مالكي وسائل الاعلام ومتهم بالفساد ايضا. كوان يو قرر تغيير الثقافة السياسية. اولاً يجب تخفيض سعر الانتخابات. على الناخبين ان يصوتوا في سنغافوره ومن المحظور نقلهم الى صناديق الاقتراع او اعطاؤهم الهدايا ومن المحظور ايضا انفاق نفقات بلا داع على الدعاية الانتخابية.
"كيف ستبقى سنغافوره نقية ومستقيمة؟ فقط ان خاض الاشخاص المستقيمون والموهوبون الانتخابات وشغلوا فيها مناصب عامة". قال كوان يو قبل سنوات قليلة سافرت الى سنغافورة واكتشفت الامر البديهي. الامر الجيد للصينيين ليس بالضرورة جيداً لليهود. بعد ذلك سمعت شمعون بيريس الذي حدثنا بحماس كيف اجبر ابو العلاء على قراءة الكتاب وارسل له نسخة وكيف وعده ابو العلاء بالقراءة والتطبيق من خلال تحويل غزة الى سنغافورة الفلسطينية وابتسمت: الفلسطينيون لن يتحولوا ابداً الى سنغافوريين - ولا بيريس ايضا تذكرت نظرية لي كوان يو عندما رأيت كيف يلتوي ايهود باراك تحت الاسئلة التي طرحت في قضية الشركة التي اقامتها زوجته نيلي. الهدف المعلن للشركة كان الجسر بين اصحاب رأس المال الاجانب وبين 800 - 900 صانع قرار في اسرائيل والذين تعرفهم نيلي بصورة شخصية كما افيد. هذا يبدو للوهلة الاولى مشروعاً شرعياً. المشكلة هي ان الشخص الذي تعرفه السيدة باراك عن قرب هو وزير الجيش والزبائن الذين ذكرت اسماؤهم يرتبطون بطريقة او باخرى بجهاز الدفاع لا غرابة اذن ان الاشخاص الشكاكين اعتبروا هذا المشروع مناورة من الزوجين باراك لكسب ارباح جانبية من منصبه العام. باراك ادعى مدافعاً عن نفسه انه طلب التصريح بذلك. هو نسي ان يقول انه لم يحصل على ذلك التصريح.
قبل ان تبدأ جوقة "ايها الفاسدون قد سئمناكم" بإنشاد لحنها الجديد مطالبة في هذه المرة بإقالة باراك ربما ليس من نافلة القول ان نضع السؤال التالي على الطاولة الشعبية: لماذا يحدث هذا لهم لماذا يتورط اولمرت وباراك ونتنياهو الاشخاص الموهوبون الفصيحون المجربون والراغبون بمصلحة الشعب مراراً وتكراراً في قضايا مالية محرجة.
الرد بارز للعيان مثل الشقة في ابراج اكيروف او الفيلا في قيساريا: كل واحد منهم يعيش في مستوى حياتي اعلى بكثير من الاجر الذي يتلقاه من الدولة. لديه توقعات مشتقة من الاثرياء الذين يلتصقون به في البلاد والخارج ومن الاموال التي كان بإمكانه ان يربحها لو عمل في غزة ومن صورته الذاتية عن نفسه. ليس هناك رصيد للتوقعات في جدول الاجور.
الاشخاص ذوي تطلعات عالية كهذه كانوا ليستبعدوا بالقوة عن الساحة العامة في العالم المثالي. وفي العالم المثالي كان كل السياسيين ليعيشوا بتقشف ويحصلوا على ما يريدونه من الخدمة التي يقدمونها للشعب راضين عن ذلك. ولكننا لسنا في عالم مثالي والجهاز السياسي في اسرائيل ضحل جداً. من المحظور عليه ان يتنازل بسهولة عن كل هؤلاء الاشخاص.
الحل السنغافوري هو منحهم راتب مليون دولار في السنة ومراقبتهم بسبع اعين: خطأ واحد فيطيرون. انا اجد صعوبة في الاعتقاد ان مثل هذا الحل قد ينجح في البلاد. وربما يبدأ الحل من المعايير الاجتماعية. وسائل الاعلام تلك التي تصرخ ضد الفساد هي نفسها التي ترعى عبادة الاستثراء والمظاهر الاستعراضية الصارخة. من يهبط هنا من كوكب آخر سيجد ان القاسم المشترك الوحيد في المجتمع الاسرائيلي هو المال.
المستشار القضائي للحكومة ميني مازوز تصرف كما تصرف في قضايا اولمرت بعد ان اقنع نفسه ان اولمرت هو حادثة منفرده. هو عرف ان الجهاز السياسي سيجد صعوبة في تحمل وضع يتعرض فيه الجميع للتحقيق - المحققون والجمعيات التي تعتاش من الحملات المناهضة للفساد، وكذلك الصحفيين الذين يعتاشون مما ينشرونه ومما لا ينشرونه. ان كان الجميع متهمين فليس هناك متهماً اذا.
هو أخطأ هذا لا يعني ان عليه ان يستخدم ضد باراك نفس الهجمة ضد اولمرت. لا يكفرون عن خطأ بتكراره مرتين.
عش للعصفورة
"رغم صورة تسيبي النقية" قال المتحدث، "انا اقول لكم من معرفتي الشخصية بها انها قادرة على توسيخ يديها".
تسيبي ليفني دخلت في حالة تأهب دفاعية دفعة واحدة: ظهرها انتصب وعيناها ركزتا على ظهر المتحدث. عندما قال كيف قامت ليفني بتوسيخ يديها هدأ روعها واطمأنة. "في كفاحها من اجل تمثيل النساء في الشركات الحكومية وفي كفاحها من أجل الادارة السليمة...".
المتحدث ايتمار شمعوني هو مرشح كاديما لانتخابات بلدية عسقلان. في يوم الثلاثاء مساءاً نجح في جلب الف شخص الى قاعة "ليف اشكلون". هم جلسوا حول طاولات دائرة واكلوا الحمص والخبز وشربوا العصير ومن فوقهم بالونات بألوان العلم الأميركي مثلما في المؤتمرات الحزبية التي نشاهدها من وراء البحر وشاهدوا بفضول وادب فريق الوزراء واعضاء الكنيست الذين تواجدوا في المكان. ليفني تسعى خلال حملتها الانتخابية ازالة صورة الشخص البعيد عن الناس الذي لا يقترب منهم بود بارز وتتعلم كيف تلامسهم. 6 اطفال اثيوبيين وقفوا بجانب سيارتها مطالبين بمصافحتها فخرجت اليهم وصافحتهم واحداً واحداً خصوصاً ذاك الذي لم يغادر الا بعد ان ابعده المرافق عنها عنوة.
كما ان صورة سيدة النظافة تجتاز تغيراً مثيراً هي الاخرى. هي شعرت بالسعادة عندما صرحت تساحي هنغبي انه سيؤيدها رغم انه متهم بقضية جنائية. المنتسبون في كاديما يشبهون المنتسبين في العمل والليكود من كافة النواحي. جزء كبير منهم ينتسبون لحزب ويصوتون لآخر او لا يصوتون بالمره. القطاع الاستيطاني في كاديما يركز على الحصول على امتيازات مالية لنفسه مثلما هو حال نظيره في الاحزاب الاخرى اما الوسط العربي والدرزي فهما نفس الوسط ونفس العشائر ونفس مقاولي الاصوات. في رهط مثلا هناك 411 منتسب لكاديما يتوزعون على 3 حمائل: حمولة النصاصره تؤيد ليفني وحمولة لقريناوي تؤيد دختر وحمولة الطوري تؤيد شطريت. ليس هناك مزيد من احاديث حول ثقافة سياسية اخرى. هذه هي الساحة وليفني تريد الانتصار ما بقي من ليفني السابقة هو رفضها اطلاق الوعود لا للاحزاب ولا للاشخاص. لذلك هي تؤيد المصادقة على الميزانية الان (موفاز يؤيد تأجيل ذلك).
ومثلما هو الحال في الاحزاب الاخرى في كاديما اعتاد الرجال تقبيل بعضهم البعض على الخدين فوق المنصة. حاولت ان اعرف متى جاءت هذه العادة للسياسة الإسرائيلية. بيغن كان يقبل اليدين للنساء فقط ورابين كان يصافح اليدين بنعومة. شامير لم يقبل احداً ربما بسبب شاربه. الاول الذي بدأ التقبيل كان نتنياهو على ما يبدو.
ليفني تدعوني للمرسيدس السوداء الالمانية. وانا اتساءل ما الذي كانت امك ستقوله؟ "قاطعت المانيا لسنوات ولكن سيارتي انتهت وليبرمان غادر وهذا ما تركه من ورائه".
الميزانية الاخيرة
من المفترض ان تحسم الحكومة الصراع حول ميزانية الدولة في يوم الاحد. ليست هناك مسألة اهم من ذلك على طاولة الحكومة ويبدو انها لن تكون. وليست هناك مسألة اكثر اثارة للضجر: القارئ يضيع بين المحدثين وهو يعرف في سريرته ان الامر سينتهي بالتسوية وان الجميع سيتعانقون ويهللون لبعضهم البعض.
وربما لا.
هناك امران يميزان الصراع في هذه السنة. الاول حل الحكومة الوشيك. اولمرت لا يريد انهاء ولايته كبطة عرجاء. هو يريد ابقاء تركة ويريد انجازات والانتاج يعنيه. من المهم له ان يترك من وراءه اقتصاداً قوياً.
وزير المالية روني بار اون معني بالميزانية مثل اولمرت ولكن من الاهم له ان تمر الميزانية من دون زيادة العجز. عندما ستصل الميزانية للكنيست في شهر تشرين الثاني ستكون مفاوضات اقامة الحكومة الجديدة في ذروتها وستصل مطالب اعضاء الكنيست الى عنان السماء. وجود ميزانية منضبطة سيكبح مطالبهم.
ايهود باراك يكافح ضد الميزانية من خلال جبهتين كوزير للجيش يطالب المالية بالوفاء بالتزاماتها السابقة، المبلغ الذي يتجادلون حوله يتراوح بين 1,3مليار شيقل وبين 2.2 مليار شيقل. كرئيس لحزب العمل يطالب باراك بزيادة الميزانية الاجتماعية بملياري شيكل. تأجيل القرار سيتيح لحزب العمل الخروج من الحكومة في تشرين الثاني وهو في صورة الحزب الاجتماعي.
الدراما تكمن في النفوس المؤثرة والفاعلة ايضا: بار اون الذي يدير المعركة وكأنها معركته الاخيرة. وهناك مدير عام وزارة الجيش بنحاس بوغريس الذي يشعر ان المالية قد خدعته ومع ذلك يبحث عن صيغة تسووية، ودافيد بروديت الذي يترأس اللجنة التي حددت مساراً طويل المدى لميزانية وزارة الدفاع وتغلب على معارضة وزيري المالية والدفاع الشديدة وحصل على مصادقة الحكومة والان يكفاح من اجل انجاح المسار الذي اقترحه.
المسألة معقدة اذن؟
بروديت رفض حتى اليوم التحدث عن الصراع بين وزارتي المالية والدفاع الا انه قرر تغير موقفه في هذا الاسبوع وهاجم وزارة المالية، بوغريس من ناحيته اخذ تقرير بوديت على محمل الجد وشرع بخطة لزيادة النجاعة مقيلاً مئات الموظفين وادخل شركة استشارات اجنبية للتحقق من نجاعة العمل. الخطأ الاكبر الذي ارتكبه بوغريس كان موافقته بالسنة الماضية لتأجيل صرف 1,3 مليار شيقل التي تستحقها وزارة الدفاع. المالية وعدت خطياً لاعادة المال في هذه السنة ولكنها تراجعت عن قرارها، بوغريس يقول انه كان ساذجاً في هذه القضية.
بار اون صوت ضد المصادقه على تقرير بروديت، عموما هو ضد اللجان الخارجية التي تقول للحكومة ما الذي يتوجب عليها ان تفعله هو يعتقد ان الحكومة يجب ان تكون قوية وان تواجه المشاكل بجرأة وشجاعة قوية. اللجان توصي ولكنها لا تدفع اي ثمن مقابل توصياتها تلك ومن هنا هو لا يتفق معها. بالامس الاول دعم اولمرت بار اون في لقاءه مع كبار موظفي المالية. مع ذلك هو يبحث طوال الوقت عن صيغة تسووية. انا من ناحيتي سأفاجأ ان اكتشفوا في المالية وجود ملياري شيقل موضوعتين جانباً. يقول اولمرت ويعتقد ان من الممكن تعويض بوغريس وربما حتى ترك شيء ما لبرفيرمان ومن الممكن ايضا التقدم بهدوء نحو الخصومة التالية.


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.