قصة انتحارية
27 آب 2008
ساطع نورالدين - "السفير"
اسمها رانيا. هي في السابعة عشرة من العمر. في وجهها معالم أنوثة طاغية تمتزج مع مظاهر قسوة موروثة. في عينيها حيرة وأسئلة وتعابير لا يمكن فهمها. تشعر ببعض الخجل لأنها انهارت في اللحظة الاخيرة ولم تكن قوية كفاية. توحي بأنها تحس بالعار الذي ألحقته بنفسها وبأهلها وعشيرتها. استسلمت لكنها لم تعبّر عن الندم. ولم تدرك أنها كسبت حياة جديدة، بل استحقت موتا ثانيا.
لم تكن ثيابها تشير الى انها ذاهبة الى موعد مع عشيق أو صديق. ولم يكن شعرها الاسود الملون بالحناء الحمراء يتطاير في الهواء. ولم يكن خصرها النحيل يستعد للإغواء. كان في طريقه الى أداء رقصة الموت الاخيرة: رانيا مشحونة بانفعالات لا يمكن ان تشعر بها أي فتاة في عمر الورد. كانت تريد أن تخرج من جسدها الذي ربما لم تتعرف عليه بعد، وتتفادى خطيئته الممكنة، وتحوله الى أشلاء ممزقة على قارعة الطريق.
لكن رانيا جبنت، قررت أن تفك الطوق الذي يزيد وزنه على ١٥ كيلوغراما، غير آبهة بما كان ينكشف من صدرها وكتفيها عندما كانت تنزع ثيابها أمام الرجال. لم تعد تريد أن يكون جسدها هو القربان، ولم تعد تود أن يكون الموت هو سبيلها الوحيد الى الحرية. تقدم أحدهم منها، رفع بزّته الداكنة، وستر بها الفتاة، لكي لا يخرق الأعراف والتقاليد..
من أين جاءت رانيا لتحتل الصور الاولى. المكان ليس ببعيد. لكن الزمان يعود الى قرون مضت، شهدت ولادة تلك القيم، أو الى عقود طويت، بعدما أنتجت تلك العصبيات. حملت رانيا معها الكثير من كتب التاريخ، التي لم يتسنّ لها الوقت الكافي لقراءتها، وخرجت مصحوبة بإرث ديني ووطني وعشائري، تدنى الى مستوى السماح بخروج فتياته الصغيرات من البيت وهنّ مزوّدات بأحدث أنواع المتفجرات وأقواها، بدلا من دفاتر التلوين والأقلام.
ربما لا تلام والدة رانيا التي قيل إنها هي التي ربطت الحزام الناسف على خصرها ووعدتها باللحاق بها .. لعلها تريد أن تنتقم لمقتل زوج أو أب أو أخ. وربما لا يعاب على العشيرة ولا الطائفة ولا الوطن، لتجليهم في تلك التجربة المريعة .. لدى كل منهم مخزون هائل من الحقد والكراهية للآخر، سواء الذي جاء من الخارج، أو ظهر في الداخل، ولدى كل منهم عدد محدد من المستعدين للموت، في سبيلهم.
كانت رانيا تنتمي الى ظاهرة جديدة، تسد فجوة في العدد المتناقص للانتحاريين. لكنها اكتشفت قبل لحظات من الموعد أنها لا تريد أن تكون انتحارية، ولا تود أن تنتظر أمها في السماء، ولا ترغب بأن ترى عشيرتها، وطائفتها تفنى في الموت. خلصت نفسها، وربما ايضا ساهمت في خلاص العراق.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.