مسؤولية مرجعية طرابلس

27 آب 2008 غاصب المختار - "السفير"



ما يجري في طرابلس بات أكبر من أن يختبئ المعنيون به وراء أصابعهم، فقد تحددت المرجعيات وبالتالي المسؤوليات، وصار لزاما على المرجعيات التي حددها الأطراف المقتتلون أن تعمل مباشرة على وأد الفتنة، وإعادة اللحمة الى هذه المدينة العظيمة.
فقد أكد أطراف التيار السلفي بكل أطيافهم إثر إنجاز التفاهم بين »حزب الله« وتيار الشيخ حسن الشهال، وبعد تجميد هذا التفاهم، أن مرجعيتهم السياسية هي »تيار المستقبل«، والدينية هي دار الفتوى، وان هذه المرجعية هي التي احتجت على هذا التفاهم وطلبت وقفه أو إلغاءه، ما يعني أن هذه المرجعية هي التي رفضت أي تفاهم ولو بالحد الادنى مع »حزب الله«. وانها ربما تسعى الى تفاهم من نوع آخر، بشروط اخرى وعناوين اخرى، أو ربما لا تريد أي تفاهم أصلا مع »حزب الله« في ظل الاجواء السياسية الحاضرة، وموازين القوى القائمة.
هذا شأن »تيار المستقبل« أن يقرر أي تحالف أو تفاهم يريد، لكنه ليس شأنه ولا شأن أي طرف سواه، أن يتركوا الفتنة تضرب عاصمة لبنان الثانية، ويكتفوا بإلقاء التهم على الاطراف الاخرى، وينفضوا أيديهم من الحلول، ويحيلوها على مفتي طرابلس أو القوى الامنية، وبخاصة الجيش، الذي لم يعد له من شغل في الشمال والبقاع الاوسط سوى إجراء المفاوضات ومن ثم المصالحات السياسية.
والغريب أن »تيار المستقبل« يغطي التيارات السلفية الاخرى التي رفضت التفاهم، وينكر عليها التفاوض مع الآخرين، ويصر على احتكار الساحة السياسية السنية، بينما هي مليئة بالشخصيات والقوى والافكار، التي يتجاوز مداها »تيار المستقبل« وتمثيله لطائفة أو منطقة، الى تمثيل أوسع وأشمل، وهذا جانب ايجابي يفترض أن يدفع بـ»المستقبل« الى حوارات أوسع وأشمل مع كل التيارات، لإنقاذ الساحة السنية السياسية من حالة الانقسام الغارقة فيها، والتأسيس لحالة وطنية جامعة تنقذ البلد وأهله.
ليست طرابلس جزيرة سنية معزولة عن الوطن، فما يصيبها يصيب الوطن، من عكار الى الجنوب، وهي كما بيروت بالخصوص، أكبر من أن يجري تصغيرها وحصرها بمرجعية واحدة، أو بقرار سياسي واحد، أو يجرها الى مشكل مع الآخرين لسبب سياسي يخص طرفا واحدا.
ومسؤولية المرجعية السياسية لبعض القوى الدينية والسياسية في بيروت وطرابلس، التي اتفقت على هذه المرجعية، أن تبادر الى لملمة الوضع، تأسيسا على ما نتج من زيارة السفير السعودي عبد العزيز خوجة الى المدينة قبل أيام ـ على الاقل المعلن منها ـ والسعي الى التهدئة والمصالحة مع التيارات الاخرى، أو الاستجابة لمسعى الآخرين بالتهدئة والمصالحة.
ومع أن زيارة السفير السعودي بالغة الاهمية في هذا الوقت بالذات، إلا ان البعض يخشى أن يعمد المتضررون من التهدئة، الى استغلالها سلباً، وإعادة توتير الوضع، ويكيلوا الاتهام الى المملكة على أنها مصدر التوتر نتيجة هذه الزيارة، ما لم تسارع المملكة عبر سفيرها الى إجراءات ميدانية للمصالحة والطلب بصورة مباشرة ممن »تمون« عليهم سحب السلاح، وتغيير المنطق المذهبي الذي يخوضون تحت شعاره معارك الزواريب والأزقة الفقيرة، وبدء التأسيس لحل سياسي جامع لكل التيارات السياسية الموجودة في المدينة، وبينها السني والعلوي المعارض لـ»تيار المستقبل« سياسيا. فلا تكفي زيارة تطييب الخواطر للمدينة من أجل وأد الفتنة التي قد تمتد الى مناطق اخرى، وبخاصة في الشمال. واذا صفت نيات الآخرين، فمن المفروض أن يتجاوبوا بسرعة مع المسعى السعودي اذا حصل، وإلا تكون زيارة السفير قد ذهبت أدراج الرياح.
وما لم تتوضح أهداف زيارة السفير خوجة بعمل ميداني سريع، يدعمه »تيار المستقبل« بصفته مرجعية أغلب قوى المدينة، تكون المملكة قد وصمت نفسها بأنها طرف مباشر في الازمة، وهي في غنى عن مثل هذه التهمة، ولعلها منزهة عنها أصلا.


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.