أبو الغيط: أطلقوا الحوار سريعاً، قبل أن ينفجر الصاعق
28 آب 2008
جان عزيز - "الأخبار"
بابتسامة ولياقة، يقرع وزير الخارجية المصرية أحمد أبو الغيط كل أجراس الإنذار وأبواق الخطر في بيروت.
في لقائه أمس مع مجموعة من أهل الصحافة والإعلام، حرص «الدبلوماسي» المصري منذ بداية حديثه على إعطاء «نوتة» القلق، والقلق من الحرب الداخلية تحديداً.
«دعوني أروي لكم بدايةً قصة من ذاكرتي المهنية، أعيشها اليوم هاجساً. يوم كنت سفيراً لبلادي في نيويورك، كان لي نظير لبناني هو السفير سليم تدمري. ذات يوم أخبرني كيف أن ابنته، في ربيع العشرين من عمرها، سقطت برصاص قناص في الحرب». يسكت الوزير المصري ثواني، تكفيه لتفرّس وجوه ضيوفه أو مضيفيه، قبل أن يتابع: «ما يحصل اليوم في بعض المناطق اللبنانية يجعلني أتذكر ابنة السفير تدمري، ويجعلني أقول لكل اللبنانيين: مأساة ابنة السفير تدمري، يجب ألا تتكرر».
لا يغوص أبو الغيط في تفاصيل الوضع الطرابلسي المنذر، حتى إنه يرفض الإجابة عن هويات أطرافه، لكن المهم هو تحذيره للبنانيين: «هناك قوى كثيرة تعمل على استدراجهم إلى الحرب. تذكّروا أنه حين تقع هذه، ستكون بلادكم هي التي ستنفجر، ودماؤكم هي التي ستسيل، فيما بلدان الآخرين ستكون بمنأى عن كل خطر». هكذا، وبشبه إلحاح، يطرق الوزير المصري سامعيه: «سارعوا إلى إقفال جرح طرابلس». كيف؟ لا يتردد أبو الغيط في الإجابة: «عبر إطلاق الحوار الوطني المنشود من دون أي تأخير». هل يعني ذلك فتح ملف سلاح «حزب الله»؟ يحيد الوزير المصري عن حصرية مقاربته: «لا، بل الحوار حول كل قضايا البلد، وهذا ما قلته لرئيس الجمهورية».
وكيف لمصر أن تساعد في معالجة ما تحذّر منه؟ يردّ الضيف المصري: «أولاً نحن ليس لدينا سلاح في لبنان، ولا نضع سلاحاً في لبنان. لكننا جاهزون لمساعدة الجيش اللبناني والقوى الأمنية بكل ما يُطلب منّا ونجد الإمكانية لتقديمه، تماماً كما تعاوننا الاقتصادي في مسألة الطاقة والكهرباء والغاز. تعلمون أن اجتماعاً يعقد اليوم لوزراء الطاقة العرب، وهذا الاجتماع سيقرّ عملية الربط المطلوب لاستجرار الطاقة إلى لبنان».
هل من عثرات سياسية تحول دون تنفيذ المشروع؟ يؤكد الوزير المصري عدم وجود عراقيل، «أصلاً الطاقة الواصلة إلى لبنان من مصر، لن تكون على حساب حصة أحد، ولا هي بديل لمصدر آخر. لذلك لا اعتراض من أي طرف على المشروع».
المهم ألا ينتقص ذلك من حصة الطاقة المصرية المصدّرة إلى إسرائيل! يلتقط الضيف المصري الإشارة ـــــ الزكزكة، ليفتح جديَّ الكلام: «سأقول لكم الأمور مباشرة وصراحة، نحن بلد يضم 80 مليون نسمة، فيما كنا سنة 1967 ثلاثين مليوناً. نحتاج سنوياً أكثر من مليون فرصة عمل، ومصر تسجّل معدل نمو يناهز 7،2 % لهذا العام، كل ذلك يدفعنا إلى اعتماد سياسة واضحة: نريد تأمين لقمة العيش لشعبنا بكرامة. ومن جهة ثانية نحن دولة تقيم حدودها على خط 1906 مع فلسطين، الذي كان قائماً زمن السلطنة العثمانية. لذلك لا مشكلة لدينا، ونحن حريصون على السلام في كل «الإقليم»، لأن أي حرب في «إقليمنا ستكون لها نتائج كارثية علينا، أولها عودة المصريين العاملين في الخارج، وفي منطقة الخليج تحديداً».
هكذا، وعلى تماسّ الخليج، يصير السؤال مشروعاً: كيف تصفون علاقتكم الراهنة بإيران؟
يستوي أبو الغيط في كرسيّه، تمهيداً للإجاب: «أولاً يجب القول إن لدينا علاقات دبلوماسية ناشطة مع إيران، فالسفارتان في طهران والقاهرة مكتملتا الهيكلية، ودبلوماسيوهما يكثّفون اتصالاتهم باستمرار. لكن يجب القول بصراحة إن لدينا ثلاثة ملفات مطروحة للبحث الدائم مع إيران: الملف الأول يتعلق بعدد من المصريين المطلوبين قانونياً في القاهرة، وغالبيتهم انتقلوا من باكستان إلى إيران، وحتى اليوم لا يزالون يقيمون داخل الأراضي الإيرانية». يتحفّظ الوزير المصري عن إيراد تفاصيل هذا الملف: هل هم محميّون من طهران؟ هل يتلقّون تدريباً أو تمويلاً؟ يكتفي بالجواب الحرفي: «إنهم يقيمون في إيران. ثم هناك الملف النووي، وهو ملف حساس جداً بالنسبة إلينا. ماذا لو أدى إلى ضربة عسكرية تشعل كل «الإقليم»؟ ماذا لو أدى إلى مطالبة عربية بالسعي إلى الحصول على قدرات نووية مماثلة؟ إن مجرد البدء في هذا الميدان يقتضي صرف عشرة مليارات دولار على الأقل. لذلك، ورغم هذا «الوضع» بيننا وبين طهران، نحن نطالب الغرب باستبعاد الخيار العسكري حيال إيران، واستمرار المساعي السلمية عبر الحوافز والحوار ووكالة الطاقة».
وبين هلالين مستقطعين بالنظام، هل يرى ضربة عسكرية كهذه، أم هي باتت مستبعدة؟ يجيب أبو الغيط: «لا يمكن الجزم باستبعاد هذا الاحتمال كلياً. قد تصير مثل هذه الضربة ممكنة، إن ليست مع الإدارة الأميركية الحالية، فمع الإدارة المقبلة. وقد لا تكون واشنطن من يطلق صاعقها».
يقفل الضيف المصري الهلال، ليعود إلى تعداد «الملفات الإيرانية ـــــ المصرية»، «ثم هناك ملف «التعاطي» المعروف لإيران في أكثر من منطقة من «الإقليم»، في العراق وفلسطين ولبنان. كل ذلك يجعل علاقتنا على ما هي عليه اليوم، يضاف إلى كل ما سبق سلسلة من السلوكيات الإعلامية واليومية التي تطاول مسؤولينا، مما لا يسهّل الأمور، وفي كل حال فإننا أحياناً نجد صدى لملاحظاتنا هذه لدى بعض المسؤولين الإيرانيين، وهذا ما يشجع على استمرار الحوار».
لكن هل يبرر كل ذلك استعمال اللغة المذهبية؟ ينفي أبو الغيط أي سقوط مصري في الفخ المذهبي. ويتجاوز المسألة ليصل إلى سوريا: «علاقتنا مع دمشق ليست في حال قطيعة إطلاقاً. الأجهزة الأمنية في البلدين تتواصل باستمرار، والرئيسان مبارك والأسد تحادثا أكثر من مرة في باريس، ودياً».
ومتى زيارته إذاً إلى دمشق؟ لا جواب، بل مجرد ابتسامة دبلوماسية مصرية. ابتسامة، لا تحول دون الاستطراد حيال التطورات السورية ـــــ الأوروبية والسورية ـــــ الإسرائيلية. زيارة ساركوزي إلى دمشق أمر جيد، والاتصال بين السوريين والإسرائيليين كذلك، «وإن يكن في بداياته».
وهل يعقل أن يكون اتصال بين تل أبيب ودمشق، ولا اتصال بين الأخيرة والقاهرة؟ يبتسم الوزير المصري قبل أن يحيل الجواب على نظيره السوري: «اسألوا وليد (المعلم) عن هذا الأمر».
ومن وليد المعلم، يعود أبو الغيط إلى بيروت، ويعود إلى رسالته الأبرز: «حذار من الوضع في طرابلس. نحن نقوم بكل ما يمكن، وإن كنّا لا نتكلم كثيراً عمّا نقوم به. أصلاً هل تعلمون أننا نحن مَن دعا وزراء الخارجية العرب إلى اجتماع «إعلان القاهرة»؟ يومها تكلمت مع نظيري السعودي، فطلب إضافة اسم الرياض إلى المبادرة، لكننا نحن مَن بادر. ونحن مَن صاغ نص الإعلان، ونحن مَن اقترحنا قيام اللجنة العربية، خالية منّا ومن السعوديين ومن السوريين، ضماناً لنجاح مساعيها. واليوم نستمر بمساعينا، لكن على اللبنانيين أن يتحملوا مسؤولياتهم. عليهم إقفال هذا الملف قبل أن يتحوّل إلى صاعق قد يفجّر البلاد برمتها».
يطوي وزير الخارجية المصرية زيارته اللبنانية الخاطفة على نصيحة يتيمة: الحوار لدرء الانفجار. لكن كلامه على العلاقات العربية ـــــ العربية، كما على أحوال دول «الإقليم»، لا يطوي الكثير من صواعقها وألغام التفجير، التي تبدو «البؤرة» الطرابلسية نماذج مصغّرة عنها، أو منمنمات لموزاييك ساخنة، على عتبة الحرب الباردة الجديدة.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.