حضور مصري

28 آب 2008 ساطع نور الدين - السفير



كان مجرد ذكر العام ١٩٧٥ غريبا ومفاجئا بعض الشيء، لكنها لم تكن زلة لسان من وزير الخارجية المصرية احمد ابو الغيط، الذي جاء بالامس الى بيروت حاملا شعورا بالقلق من ان يستمع مرة اخرى الى قصص مشابهة لتلك التي سمعها في منتصف السبعينيات عندما كان يخدم في بعثة بلاده في نيويورك، من السفير اللبناني الراحل سليم تدمري الذي روى له عن مصرع ابنته في الحرب الاهلية اللبنانية.
ولا يدع الوزير ابو الغيط مجالا للشك في ان مصر تعتقد ان لبنان لا يزال يقف عند تلك السنة السوداء من تاريخه، وتخشى ان يغرق مرة اخرى في اتون هذه الحرب، برغم كل ما انجز حتى اليوم منذ اتفاق الدوحة الذي كان واحدا من ثمرات المبادرة المصرية التي قطفت في العاصمة القطرية، وادت الى انتخاب رئيس للجمهورية كانت القاهرة هي المكان الاول الذي اعلن ترشيحه، والى تشكيل حكومة وحدة وطنية كانت القاهرة الداعم الابرز لتوازناتها الداخلية الدقيقة.
لكن زيارة ابو الغيط الخاطفة الى بيروت توحي بان هذه الانجازات غير كافية، ولا بد من تحصينها بحوار داخلي لا تمانع مصر ان يتسع الى ما وراء سلاح حزب الله، او الاستراتيجية الدفاعية، حسب التعبير المهذب للسياسة اللبنانية، ليشمل جميع قضايا الخلاف، ومختلف عناوين بناء الدولة ومؤسساتها، واهمها الجيش اللبناني الذي حمل الوزير المصري عرضا رسميا متجددا لمساعدته وتأهيله، فضلا عن المساهمة في قطاع الطاقة ومصادره.
اما المفاجأة الثانية التي حملها ابو الغيط فهي تكراره القول ان مصدر الخوف المصري من استئناف الحرب الاهلية يكمن في اشتباكات طرابلس بالذات، التي تتعامل معها غالبية اللبنانيين باعتبارها احداثا جانبية تقع على هامش الازمة او على احد اطرافها البعيدة، وترفض ان تصدق انها اكثر من مجرد صدى محدود في الزمان والمكان او رد فعل عابر على هجوم حزب الله وحلفائه على بيروت في السابع من ايار الماضي. من القاهرة تبدو صورة طرابلس اخطر مما يعتقد، وهي تحتمل انفجارا واسعا لا بد من العمل بسرعة على تفاديه. وهو ما عبرت عنه القيادة المصرية في قرارها التشاور مع القيادات الطرابلسية بدءا من الرئيس عمر كرامي.
لم يكن ابو الغيط يبالغ عندما وضع الحرب الاهلية على راس قائمة الاخطار التي تتهدد لبنان في هذه المرحلة، متقدما على خطر اضطراب العلاقات اللبنانية السورية التي لم يدخل في تفاصيلها، واكتفى بالترحيب بالخطوات الاخيرة التي اتخذت نحو اعادتها الى طبيعتها، او التهديد الاسرائيلي الذي اثاره الرئيس حسني مبارك قبل يومين في الاسكندرية مع وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك الذي انصت ولم يعلق، او الاختراق الايراني الذي يندرج في سياق عربي عام يمتد من العراق وينتهي في غزة، لكنه لا يعني القطيعة مع طهران حيث لا يزال يوجد عقلاء يهتمون بعدم اثارة حفيظة مصر والعرب عموما .
الخلل الوحيد في هذا المنطق المصري هو ان الحرب الاهلية ليست خطرا داهما، لكنها امر واقع، وجزء من دورة الحياة اليومية اللبنانية، التي تحتمل الكثير من الاسقاطات الخارجية... ولا تستثني مصر نفسها، اذا كان هناك قرار بالتواجد في لبنان، وليس بالتحدي لأحد.


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.