من يضمن للمنطقة عدم تفكيك الدول

28 آب 2008 رفيق خوري - الأنوار



الشرق الأوسط ليس خارج التأثر باللعبة الاستراتيجية بين روسيا والغرب. لا فقط من باب الرهانات الواقعية والمبالَغ فيها على مدى حيوي لقوى (الممانعة) بل أيضاً من باب المخاطر التي تعطى أقل من حجمها. فاللعبة، برغم الكلام الكبير على حرب باردة جديدة ومساعٍ للعزل والعقوبات ووقف الاتفاقات، محكومة بضوابط ومصالح يراعيها الطرفان: الطاقة الروسية مقابل التكنولوجيا الأوروبية. تبادل الاستثمارات الاقتصادية في غياب الايديولوجيا عند موسكو وانعدامها أصلاً لدى واشنطن. وتجنب الذهاب الى صدام عسكري مباشر. فلا روسيا هي الاتحاد السوفياتي لتمارس في القرن الحادي والعشرين استراتيجيات القرن العشرين وصراعاته. ولا هي روسيا القيصرية لتعود الى سياسات القرن التاسع عشر، وإن كانت النخبة الأوروبية تتحدث عن سيناريوهات لمثل هذه العودة.

ذلك أن الكل يمارس سياسة الانتقاء والكيل بمكيالين. وهذا ما تعكسه أحدث حركتين في اللعبة: واحدة في البلقان، وأخرى في القوقاز. الأولى هي استقلال كوسوفو عن صربيا بحماية الحلف الأطلسي وسط اعتراض بلغراد وموسكو. والثانية هي استقلال أوستيا الجنوبية وأبخازيا عن جورجيا بقوة التدخل العسكري الروسي وحمايته في مواجهة الاعتراض الأميركي والأوروبي وصراخ الرئيس ساكاشفيلي في تبليسي.
لكن كل حركة هي جزء من استراتيجية أوسع. فما اندفعت فيه أميركا وأوروبا هو العمل على (خنق) روسيا عبر مد الحلف الأطلسي الى حدودها. وما تريده موسكو هو، كما يختصره الخبير الروسي ديمتري ترينين، (تحرير الجيوبولتيك في الفضاء السوفياتي السابق من الهيمنة الأميركية). وإذا كان التدخل العسكري الروسي في جورجيا قاد الى تغيير جيوبولتيكي في القوقاز، وسط حماقة ساكاشفيلي وعجز الغرب، فإن على اللائحة شبه جزيرة القرم. إذ هي وروسية أهداها خرشوف الى أوكرانيا عام 1954، وفيها أهم قاعدة للبحرية الروسية مستأجرة من أوكرانيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لمدة عشرين سنة تنتهي عام .2017 كما أن دول (الخارج القريب) التي انضمت الى الحلف الأطلسي والتي تريد الانضمام هي على اللائحة أو أقله في خوف من (الهيمنة الروسية) بعد الاطمئنان الى الهيمنة الأميركية.
والنتيجة حتى الآن، هي: روسيا رابحة والغرب مرتبك في القوقاز وأفغانستان والعراق. مجلس الأمن مشلول. ايران مرتاحة. سوريا تعزز قدرتها العسكرية بالأسلحة الروسية المتطورة. واسرائيل قلقة. لكن من واجب الدول الشرق اوسطية أن تنظر بقلق الى احتمالات (البلقنة). فمن يضمن عدم تفكيك دول فيها اتنيات وأقليات في الشرق الأوسط حين يصبح تفكيك دول في أوروبا سياسة يمارسها الكبار? ومَن يستطيع الآن إعادة توحيد الضفة الغربية وغزة ومصالحة فتح وحماس المتصارعتين على السلطة تحت الاحتلال والحصار وبلا دولة?




Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.