مذكرات فؤاد بطرس (1-2): لقاء عابر بالرئيس شهاب زج بي في عالم السياسة

28 آب 2008 فؤاد بطرس - "الجريدة" الكويتية




مقدمة

لم يكن مقدراً لي -لا بحسب الأعراف والتقاليد اللبنانية ولا انطلاقاً من نهج تربيتي- أن أمتهن السياسة، بل أن أتوجه نحو عالم الأعمال أو المهن الحرة. وإذا كنت خرقت الجدار الذي يفصلني عن امتهان السياسة، فمرد ذلك إلى شخصيتي التي صقلها نشاطي المهني بدءاً من تدرّجي كمساعد قضائي، ثم كقاضٍ لدى القضاء المختلط، وتعاملي مع قضاة فرنسيين كبار في عهد الانتداب، على مدى أربع سنوات، قبل أن ألج طريق المحاماة، ثم أفتح مكتباً أمّن لي نجاحاً وشهرة.

أما دخولي عالم السياسة عملياً، فيعود إلى مبادرة من الرئيس فؤاد شهاب الذي اختارني في سنة 1959 وزيراً للتربية الوطنية والتصميم، بعد لقاء بيننا بدا عابراً في منتصف الأربعينيات، يوم كنت قاضي تحقيق لدى المحكمة العسكرية، غير أن الأيام أثبتت أن هذا اللقاء أسس لمرحلة طويلة من التعاون والإيمان المشترك في محاولة لبناء الدولة القوية والعادلة التي ترعى مواطنيها، وتؤمن لهم حقوقهم وتطالبهم بواجباتهم.

هذا النشاط السياسي الرسمي الذي استمر -ولو متقطعاً- حتى سنة 1982، تتمحور حوله مذكراتي. وقد تأخرتُ كثيراً، لا بل ترددت قبل أن أبادر إلى تحريرها. ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى أني لم أدوّن خطياً وبانتظام ما عشته من أحداث في هذا الإطار إلا منذ عام 1976، بحيث كان علي بالتالي أن أعوّل على ذاكرتي في ما يتعلق بالمرحلة السابقة، إضافة إلى مراجعة الصحف والمؤلفات وبعض الشخصيات السياسية، وهي مهمة تولاها الأستاذ أنطوان سعد. وقد يكون أيضاً لمزاجي المتحفظ دور في ترددي هذا. على أية حال، استقر رأيي على الكتابة نظراً للحال المأسوية التي يتخبط فيها لبنان منذ ثلاثة عقود وتطوراتها الغريبة، وبعد إصرار أصدقاء كثر عليّ بأن أساعد الأجيال الصاعدة على إدراك واستيعاب مرحلة عسيرة ودقيقة من تاريخ بلادهم.

أستهل هذه المقدمة بالإشارة إلى بعض الآراء التي تعبر عن مفهومي للسياسة بوجه عام. في رأيي، إن السياسة حسبما مارستها وفهمتها تنطلق من إدراك الحقائق والأحداث بهدف استكشاف المستقبل والسعي إلى الإسهام في تكوينه أو تحسينه وفقاً لمصلحة الوطن، وفي أسوأ الأحوال السعي لئلا تتولى هذه المهمة قوى مناهضة تحقيقاً لمصلحتها. وقد كان راسخاً في ذهني أن القومية والوطنية بحد ذاتهما لا تتصفان بالسياسة، بالمعنى العلمي الصحيح، بل تشكلان إطاراً للعمل السياسي.

لقد علمتني التجربة أن ممارسة السياسة من حيث علاقتها بالمشكلات ذات الطابع العام هي أقرب إلى الفن منها إلى العلم بمعناه الضيق، وهذا الفن يتجلى في حسن اختيار الاتجاه الذي على الدولة أن تسلكه تحقيقاً لاستقلال وازدهار وحرية مواطنيها وسعادتهم.

إن طابع الفن هذا، بمعناه التجريبي والبراغماتي، يبقى راجحاً بالرغم من ضرورة استعانة السياسي بأدوات عدة ذات طابع علمي واجتماعي وتكنوقراطي، لا سيما عندما تبلغ الحال منتهى التشويش والاضطراب، وتتداخل فيها عوامل داخلية وخارجية، كما هو الواقع في لبنان، إلى حد دفع بعض أهل الفكر والمؤلفين إلى تعريف الأزمة بأنها «حرب الآخرين في لبنان».

هذا الوصف، إذ يركز على دور «الآخرين» وتدخلهم المباشر وتصادمهم، لا يهدف إلى تبرئة ساحة اللبنانيين، سواء اشتركوا مباشرةً أو استخدموا كأداة مطواعة بيد الأوصياء والفاعلين الرئيسيين، بحيث تنبغي محاسبة اللبنانيين أُسوةً باللاعبين الأساسيين. وإن لم يكونوا أصحاب التوجيه والمرجعية العليا.

أفول نجم الشهابية

هذا التشابك والتفاعل في حقل السياسة بين لبنان ومحيطه الخارجي، أرى من المفيد التذكير بأنه ظاهرة قديمة العهد تعود إلى يوم كان لبنان جزءاً من الامبراطورية العثمانية. إذ ارتأى المستشار النمساوي «مترنيخ» حينذاك أن يذكّر سفيره في اسطنبول في كتاب وجهه إليه في سنة 1844 بأنه «عندما يسود السلم والاستقرار في لبنان فإنهما يسودان كذلك في البلدان المجاورة».

أما اليوم، فلبنان لا يكون وفياً لنفسه ما لم تكن سياسته مبنية داخل العالم العربي على التضامن العربي في مواجهة إسرائيل تحقيقاً لحل عادل، وعلى رسالته الحضارية كنقطة التقاء بين الشرق والغرب وكنموذج لتعايش الحضارات على أرضه في ظل نظام ديمقراطي سليم. إن رسالة لبنان هي في الواقع المبرر الرئيسي لوجوده.

وبالانتقال إلى نشاطي السياسي داخل الحكم -وهو جوهر هذا المؤلف- فإنه يتمحور حول مرحلتين رئيسيتين:

1- المرحلة الأولى : وزارة العدل بين 1961 و1964

يوم كنا نسعى جاهدين إلى إرساء الدولة على أسس حديثة وسليمة، فإذا بإجرام سياسي يهدد المشروع برمته.

2- المرحلة الثانية: وزارة الشؤون الخارجية في 1968 ومن 1976 حتى 1982، ووزارة الدفاع من 1976 حتى 1978، إضافة إلى تولي نيابة رئاسة الحكومة.

وهي مرحلة واجهت فيها الدولة والوطن مؤامرة ذات جوانب عديدة لا تزال تتفاعل، يندمج فيها الداخل بالخارج وتهدد الكيان في أساسه.

وفيما خلا هاتين المرحلتيـن كان نشاطي في الحقل البرلماني الصرف محدوداً -إذ قضيت معظم مدة ممارستي النيابة عضـواً في الحكومة- بحيث اقتصر النشاط النيابي على المشاركة في التشريع، وعلى مناقشة السلطة التنفيذية، ومعارضتها عند الحاجة. وقد عمدت لهذه الغاية في 1961 إلى تأليف جبهة نيابية تحت اسم «الجبهة النيابية المستقلة» التي ضمّت من 10 إلى 12 نائباً مرموقاً من ذوي الميول المختلفة توافقوا على أن يوحدوا مواقفهم بالنسبة إلى جوهر علاقاتهم بالحكومة، ومشاريع التشريع الأساسية، تعبيراً عن الروح الشهابية. وقد توليت الأمانة العامة لهذه الجبهة حتى 1968، حيث انتهت ولايتي النيابية وزالت الجبهة من الوجود، مع أفول نجم الشهابية.

أبرز ما حصل خلال المرحلة الأولى هو محاولة انقلاب القوميين في نهاية عام 1961 بعد أسابيع من توليّ وزارة العدل، إذ انهمكت بذيول المحاولة والملاحقات والمحاكمات وبمشروع إعادة تنظيم الجسم القضائي، واختيار عدد كبير من المحامين المتمتعين بالعلم والنزاهة لملء المراكز الشاغرة.

في تلك الأيام الصعبة كنت مؤمناً بأنه إذا انجرفت السلطة إلى العنف لمعالجة الأحداث، فلا بد أن ينعكس ذلك على مصداقيتها. إذ لا مفر لها حينئذ من اعتماد الكذب والدوران سعياً إلى إخفاء تجاوزاتها. وأعتقد أن أهم ما تمكنت من تحقيقه هو جعل الكلمة الأولى للقضاء لا للعسكر. وأجد لزاماً عليّ الإقرار أنه لولا مساندة الرئيس شهاب لي، بشقيها الضمني والعلني، لما كان تيّسر لي تحاشي الانعكاسات المسيئة للجسم القضائي الذي قام بواجبه خير قيام في ذلك الظرف الدقيق، الأمر الذي سهّل عليّ تحسين تنظيمه.

وجهاً لوجه مع إسرائيل

بالنسبة إلى المرحلة الثانية التي توليت فيها نيابة رئاسة الحكومة، وترأست الدبلوماسية اللبنانية خلال 1968، ثم من أواخر 1976 إلى أواخر 1982، إضافة إلى حقيبة الدفاع الوطني بين 1976 و1978، أرى ضرورة للتذكير بأن علاقاتي الوثيقة بالرئيسين في حينه شارل حلو والياس سركيس على التوالي، مقرونة بحرصي على لبنان ومصيره وبإدراكي ما يهدده دفعتني إلى عدم توفير أي مجهود من أجل مواجهة الأحداث ومعالجتها. وقد تمكنت من الوقوف بقوة أمام التحديات الإسرائيلية، ومن تحقيق إنجازات دبلوماسية كان أبرزها استصدار قرار مجلس الأمن رقم 262 تاريخ 31 كانون الأول (ديسمبر) 1968 الذي أدان إسرائيل للمرة الأولى والفريدة لاعتدائها على مطار بيروت، ورقم 425 تاريخ 19 آذار (مارس) 1978 لاعتدائها على أرض لبنان. ناهيك عن مراجعات مجلس الأمن في آب (أغسطس) 1982 لمواجهة الاجتياح الاسرائيلي وصولاً إلى الاتفاق مع دول أجنبية على دخول قوات دولية لبنان تأميناً لجلاء اسرائيل ولمغادرة القوات الفلسطينية الأراضي اللبنانية في 1982.

في تلك الأجواء، كان عالقاً في ذهني أن العمل الدبلوماسي يهدف بالدرجة الأولى إلى إقناع الآخرين بأحقية مطالبك، وبخطة عمل معينة حيال الأحداث، وفي حال الفشل، السعي إلى ضبط هذا الغير، ووضع حدّ لما تنطوي عليه سياسته من مطامع وتهديدات للبنان، وصولاً إلى استعمال القوة في النهاية، إذا تيّسر ذلك، عبر التحالفات أو مجلس الأمن عند الضرورة.

وتحقيقاً لهذه الأهداف، كان لا بد من السعي إلى التوفيق بين الحزم والمرونة من جهة، وبين الغطرسة والتواضع من جهة أخرى، واللجوء إلى التسوية عند الضرورة القصوى، شرط ألا تكون مُخزية. على ألا يغيب عن البال أنها وحدها خبرة الدبلوماسي المجرِّب تؤهله لأن يُعالج الحالات الطارئة إذا ما فُرِضَ عليه اتخاذ موقف قبل أن تكتمل معطياته أو تتوضح.

هذه المقتضيات على تنوعها، وما تفرضه من مرونة، حملت السياسي الفرنسي Olivier d'Ormesson على أن يجزم دون مواربة «بأن من يفتقد المرونة لا يصلح للدبلوماسية».

احتكار السلطة

لقد تميّز نشاطي على رأس وزارتي الخارجية والدفاع في عهد الرئيس الياس سركيس بجهود ومساع مستمرة لا تُحصى، لتهدئة الأوضاع والدفاع عن لبنان أرضاً ووطناً، الأمر الذي اضطرني مُكرهاً، في بعض الأحيان، إلى مواجهة دول شقيقة أو صديقة تخاذلت، ولم تكترث بقضايانا، أو أخفت أهدافها الحقيقية عبر المناورة والتحايل.

إن ما ساهم في تعقيد الأمور هو التشابك والتفاعل بين المشاكل الدولية والإقليمية والداخلية مع ما تنطوي عليه هذه الأخيرة من تناقضات بسبب أوضاع لبنان الخاصة. هذا وكان عجز الجيش عن الاضطلاع حينذاك بكل ما يُطلب منه مظهراً من أبرز المظاهر المستعصية للأزمة اللبنانية مع العلم بأن هذا العجز كان يُشكّل في آن واحد أحد أسباب الأزمة وإحدى نتائجها الملموسة.

وكان من الطبيعي أن تضطرني هذه الاعتبارات أحياناً إلى أن أتصدى بصورة طارئة لمشكلات متعلقة مبدئياً بوزارات أخرى بقدر ما كانت لها صلة بعناصر الأزمة، الأمر الذي دفع بعض الصحافيين والسياسيين إلى اتهامي بأني أسعى إلى احتكار السلطة برمتها. في حين كنت أعتبر أنه مفروض عليّ -ضمن حدود معينة- أن أتعامل مع المشاكل المشار إليها بالشكل الملائم، لا سيما أن رئيس الدولة كان يُعوّل عليّ في القيام بهذه المهمة الاضطرارية المتكاملة مع مهمتي الرئيسية.

وإلى جانب العداوة بين لبنان واسرائيل وتشعباتها، كانت الأزمة التي قامت بيننا وبين الشقيقة سورية بسبب وجود جيشها على أرضنا، وارتباط بعض الفئات والمنظمات بتوجيهاتها بمنتهى الدقة، فضلاً عن أبعاد الأهداف من تدخلها، في شؤوننا. وهي أزمة لم يكن بوسعنا تجاهلها فكنت دائماً في هاجس معالجتها تجنباً لأية خضة لا تُحمد عقباها. وكنت في بعض الأحيان أوفق في ترتيب الأمور. أضف إلى هذه الأزمة، مشاكلنا العديدة مع المقاومة الفلسطينية بمختلف فروعها وتنظيماتها وعلى رأسها منظمة التحرير. لقد كان لبنان غارقاً في تداعياتها إلى حد بعيد، وقد بذلنا في محاولاتنا لحل هذه المشاكل الكثير من الجهود والوقت.

النظريات البالية

أردت من هذه المذكرات أن تكون شاهد صدق على مرحلة مهمة ومفصلية من تاريخ لبنان في وجوهها المأسوية، وأزمته الكبرى مع إسرائيل، وهي أزمة واجهها المجتمع الدولي تارةً ببعض الاهتمام وتارةً تهرب من معالجتها. فهذا المجتمع لم يثبت -لا سيما الدول صاحبة القرار- على اتجاه سياسي واحد، بل عدّل في سياسته تبعاً لمصالحه المتغيرة في بعض أوجهها، واضعاً لبنان أحياناً في مأزق أصعب من المآزق التي كان يتخبط بها. أما العالم العربي، وأقولها بمرارة، فبما أبداه من تجاهل واستخفاف وتهرب من المسؤولية تجاه كثير من المشكلات، لم يُنصف لبنان إلا نادراً. وإذا صدف أن ساهم في إصدار قرار ينطوي على بعض التجاوب تبرأ من تنفيذه ساترا عجزه بحجج واهية، بينما كان يحرص على مراعاة منظمة التحرير تارةً، وسورية طوراً، خشية الانعكاسات على مصالحه وعلى حسن علاقته بهما.

عزائي الوحيد حيال هذه الأحداث المؤلمة التي عشتها أثناء وجودي في الحكومة أني لم أستسلم قط، ولم أرضخ للضغط الهادف إلى الموافقة على أي تدبير أو التزام حاولوا فرضه على لبنان لا يتلاءم واقتناعاتي. أما الشيء الذي لا أزال آسفاً على عدم تمكننا من تحقيقه، فإنه لم يكن قط في متناول اليد، وفي بعض الأحيان لم يكن حتى في متناول الخيال، وهو الطموح في توفير الاستقرار للبنان والغد الأفضل للبنانيين في ظل ظروف قاهرة. ولنا في فشل المحاولات التي أجريناها وأجراها من أتوا بعدنا لتأمين الوفاق الوطني أو حكومة الوحدة الوطنية، خير دليل على ذلك.

حيال هذه الأجواء، يحز في نفسي أن أسجل أن المواطنين بصورة عامة، إلى أي فئة أو طائفة انتموا، قلّما تبنوا المواقف المبتغاة، عندما ارتكبت مجموعاتهم السياسية والطائفية في مناسبة أو أخرى أخطاء عكست فساد تصورهم. كما أن تصرفهم دلّ إجمالاً على أن التجارب التي عشناها جميعاً قلما اتخذوا منها عبرة بحيث ظلت الأكثريات في كل مجموعة تتمسك في أكثر الأحيان بالطوباوية وبنظريات بالية أو منحرفة. الأمر الذي ساعد على استمرار الأزمة بشكل أو بآخر، لا سيّما أن الأطراف اللبنانية تسابقت أحياناً على الارتباط بالخارج وتنفيذ سياسته.

البدايات

يوم ولدتُ في حي الفرنيني في الأشرفية، في الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1917، كانت الحرب العالمية الأولى قد دخلت عامها الأخير، عامها الأصعب على لبنان الذي عانى مجاعة مخيفة خلّفت البؤس والموت. وكانت بيروت، الولاية، على قاب قوسين أو أدنى من أن تطوي نهائياً صفحة من تاريخها استمرت قروناً، لتفتح أخرى هي حقبة الانتداب الفرنسي الذي جاء يقيم دولة لبنان الكبير تحقيقاً لحلم المسيحيين في وطن يعيشون فيه أحراراً متساوين مع غيرهم في الحقوق والواجبات. وكانت عائلتي من جملة المؤيدين لتلك الحقبة الجديدة.

والدي، جرجي أسعد بطرس، كان تزوج، قبل ثمانية أعوام، والدتي، أثينا شويري، التي كانت تصغره بنحو ثلاثين عاماً، وانتقل من المصيطبة، مسقط رأسه، ليستقر في الأشرفية، أسس مع آل داغر، في أواخر القرن التاسع عشر، أحد مصارف بيروت القليلة باسم «بنك داغر وبطرس» وكان ميسوراً في مقاييس ذلك الزمان.

كان أبي رجلاً قاسياً ودقيقاً، علمته الأيام، وهو المصرفي، أن يحسب للأمور كل حساب. وأعتقد أنه بسبب عمره المتقدم، وكان تجاوز الخمسين عندما ولدت، أراد أن يعلمني أن أتكل على نفسي، لا بل أن أتجاوز دائماً قدرتي. فهو كان يعلم أنه سيكون سبعينياً قبل أن أبلغ العشرين وأنه قد لا يكون إلى جانبي لمساعدتي إن احتجت يوماً إلى عضد. في المقابل، كانت أمي مصدر الحنان والعطف والرعاية لي ولشقيقتي مارسيل التي تصغرني بسنة وشهرين. كانت تخاف عليّ كثيراً، كيف لا، وأنا وحيدها الذي انتظرته سنوات طويلة.

كانت طفولتي حقاً هانئة سعيدة، وأيامي مفعمة بالأوقات الفرحة والمناسبات الجميلة التي أتذكرها بكثير من الحنين، كما أذكر بيروت العتيقة التي لم يبق الشيء الكثير من معالمها، ومن طابعها الخاص الذي تميزت به في النصف الأول من القرن العشرين.

صروف الدهر

كان كل شيء جميلاً إلى أن بدأت مرحلة صار أبي فيها يعود من عمله متجهم الوجه، ذلك أن وضع مصرفنا بات في تراجع مستمر. كان للأزمة الاقتصادية الكبرى التي ضربت العالم سنة 1929، انعكاسات سلبية على القطاع المصرفي في لبنان من ضمنها مصرفنا الذي أصيب بنكسة مالية، في مطلع الثلاثينيات، أدت إلى توقفه مع مصرفين آخرين، عن العمل بصورة نهائية، أحدهما، على ما أذكر، «مصرف كرياكوس وزهير». كان لهذا الحدث وقع كبير في حياتي لأنه بدّلها تبديلاً جذرياً جعل ذلك المراهق، ابن العائلة الميسورة الذي لم يقلق يوماً على كيفية تأمين حاجياته وكمالياته، رجلاً لم يبلغ الخامسة عشرة عاماً، تُلقى على كتفيه أعباء عائلة مؤلفة من والد مريض ووالدة وجدة وشقيقة لا تزال على مقاعد الدراسة. حصل ما لم يكن بالحسبان وانهار كل شيء مع ذلك المصرفي الذي تحول بين ليلة وضحاها من رجل ميسور قوي إلى عجوز مصاب بمشاكل في القلب لم يقو على العمل أكثر من سنتين بعد إفلاس مصرفه. لقد شاخ فجأة.

كانت الصدمة كبيرة بالنسبة إليّ. «لماذا وصلنا إلى هنا؟»، كنت أتساءل ليلاً وأنا في فراشي. وأسرح في الفرضيات: «هل كان أبي قادراً على تفادي المصير الذي أصابه لو أبدى المزيد من الحرص وبُعد النظر؟» وكنت أخلص دائماً، دائماً، إلى معاهدة نفسي على تجنب تلك «الآخرة»، مهما كلف الأمر. فصرت أفكر وأخطط وأجتهد لوضع أسس ثابتة لمستقبلي تُجنبني مواجهة مصير مماثل لمصير والدي عندما أتقدم في العمر. لم تجعل مني تلك الأزمة شخصاً عاجزاً عن الإقدام والمبادرة إنما ساهمت في تكوين شخصيتي وعلمتني أن أنظر إلى البعيد وأن أتريث قبل اتخاذ القرارات فلا أقدم على خطوة قبل أن أشبع الموضوع درساً. وصرت لا أتوقف في بحثي عند حدود الظاهر بل أتعداه إلى أبعد مدى يمكن أن أصل إليه في عقلي.

كان عليّ، بادئ ذي بدء، أن أعيد النظر في مخططي الأساسي القائم على التوجه إلى اختصاص يقوم على المواد العلمية مثل الهندسة والطب وغيرهما، رغم أنني كنت أهوى الرياضيات والفيزياء. فهذه الاختصاصات تتطلب التفرغ للدراسة النظرية والميدانية، وأنا لم تعد عندي إمكانية التفرغ. فعليّ أن أعمل من أجل تأمين أقساطي الجامعية والمساهمة في معيشة العائلة التي أصبحت مسؤولاً عنها، وعشت في هذا الهاجس إلى أن بدأت في العمل. وفي استعراض للخيارات المتاحة أمامي، وفي عملية حسابية بسيطة أجريتها مئات المرات لم يكن مفتوحاً أمامي إلا باب المحاماة، في هذا الاختصاص فقط، يمكنني أن أعمل وأتابع دروسي الجامعية في الوقت عينه. ونظراً إلى وجود ميل عندي للعلوم الإنسانية أيضاً، لم أشعر في حينه بأنني أختار مهنة تخالف ميولي ومزاجي، إذن إلى كلية الحقوق سأذهب. لكن قبل ذلك عليّ أن أنهي دراستي الثانوية بنجاح مماثل لنجاحي السابق، عليّ أن أثبت لنفسي أولاً، ولوالدي ثانياً، ولعائلتي ثالثاً، وللجميع رابعاً، أن تلك الكارثة لم تنل مني.

الكاهن الفرنسي

لم يمض وقت حتى استرجعت كامل شجاعتي وثقتي بنفسي وبقدراتي الفكرية والعلمية. كنت متيقناً أن لا شيء ينفعني إلا النجاح، والنجاح بتفوق، فقط لا غير. كان الاستحقاق الأول أمامي امتحانات البكالوريا الفرنسية، القسم الأول، الفرع العلمي، وكانت تقام، في تلك الأيام، في بيروت، دورة واحدة للبنان وسورية فاشتركت فيها واحتللت المرتبة الأولى بين الناجحين من طلاب البلدين. كان فرحي بهذا النجاح عظيماً، ورأيت فيه دليلاً قاطعاً على أنني لا أزال على جدارتي. كافأتني إدارة مدرسة الفرير بإعطائي منحة للعام الأخير من دراستي فيها. فاخترت صف الفلسفة، بدلاً من الرياضيات، لاتخاذي القرار النهائي بدخول كلية الحقوق. واحتللت، نهاية العام الدراسي 1935، مجدداً المرتبة الأولى في امتحان الفلسفة اللبنانية، وأذكر أنني نلت في مادة الفلسفة الفرنسية علامة 20/18، وعندما تقدمت من الامتحان الشفهي، كان الأساتذة يقولون لبعضهم هذا هو الذي نال 20/18، لأنه نادراً جداً ما كان تلميذ يحوز هذه العلامة في مادة الفلسفة الفرنسية، وكان من جراء ذلك أن درجت وزارة التربية فيما بعد، على مدى سنوات عدة، على تعييني عضواً في اللجنة الفاحصة لامتحانات البكالوريا اللبنانية- مادة الأدب الفرنسي. وقد أتاحت لي هذه اللجنة التي كنت أصغر أعضائها سناً أن أتعرف إلى شخصيات ثقافية وأدبية مهمة، أذكر منهم الشاعر هكتور خلاط الذي ربطتني به علاقات صداقة ومودة. فرحت جداً بما حققت من نتائج في الامتحانات الرسمية في ذلك العام، وشعرت بأن الدنيا أخذت تبتسم لي من جديد.

ذهبت بثقة إلى عميد كلية الحقوق في الجامعة اليسوعية، الأب رينيه موتيرد، وشرحت له وضعي واضطراري الى التغيب عن ساعات الدراسة نظراً الى حاجتي الماسة إلى العمل. ورغم صرامة القواعد والأنظمة في الجامعة اليسوعية، قُبل طلبي، وعلمت أن تفوقي المدرسي لعب دوراً أساسياً في إقناع الكاهن الفرنسي الذي لم يستطع أن يقفل طريق المستقبل أمامي لا لسبب إلا لأنني غير قادر على التفرغ للدراسة. وهكذا، لم أكن أتردد إلى الجامعة إلا يوم الامتحان.

وجدت عملا في دائرة جديدة تابعة للمفوضية الفرنسية ووزارة الاقتصاد سُميت «دائرة الموازين والمكاييل وقمع الغش»، وبعد أن نلت إجازة في الحقوق، انتقلت للعمل في وزارة العدل.

الأمير أرسلان

أواخر سنة 1942، عُينتُ قاضياً لدى محكمة البداية في بعبدا التي كان يرأسها ألبير فرحات من حمانا، وكان من القضاة المميزين علماً واستقامة. وبعد نحو ثلاثة أشهر، شغر مركز الاستنطاق في جبل لبنان بعدما جرى تعيين شاغله عبدالعزيز شهاب محافظاً في الجنوب، فجرى نقلي إليه. وإثر تسلمي مهامي، قمت بزيارة بروتوكولية لمحافظ جبل لبنان فؤاد بريدي الذي كان نافذاً بفضل علاقته بالرئيس إميل إده، ووصل به الأمر، في انتخابات عام 1943 النيابية، إلى التصادم مع «السلطان» سليم، شقيق الشيخ بشارة الخوري إلى درجة حملت «السلطان» على صفعه.

في أحد الأيام من سنة 1946، اتصل بي رئيس المحكمة العسكرية العقيد عزيز غازي طالباً مني الحضور إلى المحكمة قبل ظهر اليوم التالي لكي أكون إلى جانبه والمدعي العام الرئيس ميشال تلحمي في استقبال وزير الدفاع الأمير مجيد أرسلان وقائد الجيش اللواء فؤاد شهاب اللذين كانا يزوران المحكمة للمرة الأولى، بعدما أضحت لبنانية. استقبلناهما كما تقرر، وتجولنا معهما في أرجاء المكان حيث عاينا الدوائر التي يتكون منها القضاء العسكري. وقبل رحيلهما، وقف الوزير أرسلان وقال: «تردني أخبار في بعض الأحيان عن توقيف أشخاص ظلماً. ماذا يسعني أن أفعل لرفع الظلم اللاحق بهم؟».

رئيس المحكمة لم يكن رجل قانون بل عسكري ولم يعرف بما يجيب، والمدعي العام كان رجلاً لبقاً ويميل إلى الانطواء على نفسه وتفادي الخوض في المسائل المحرجة، فآثر الصمت. وساد صمت وجيز حتى شعرت، رغم كوني الأصغر سناً، بأنه تقع عليّ مسؤولية الإجابة عن هذا السؤال، فقلت: معالي الوزير، يمكنك لفت نظر مفوض الحكومة إلى الوضع المشكو منه، فيتحقق من الأمر ويُحضّر مطالعته لقاضي التحقيق وفقاً لما يقتنع به ولهذا الأخير الحق في البت في طلب إخلاء السبيل بعد الاطلاع على كل المعطيات.

- لماذا لا أراجع المحقق مباشرة؟

- لا يمكنك ذلك لأن المحقق قاضي حكم، خلافاً لمفوض الحكومة، ومبدأ فصل السلطات يمنعك من التدخل مع قضاة الحكم.

كان اللواء فؤاد شهاب، قائد الجيش، يصغي بانتباه إلى الحديث الذي لم يكن- وأظن أنه لايزال- غير مألوف، في الأوساط اللبنانية. فابتسم وهز رأسه وحدّق بي كإشارة موافقة وتقدير لجوابي. وانتهى الأمر عند هذا الحد، لكنني لم أكن أتصور أنه سوف يكون لموقفي هذا الأثر الكبير على مستقبلي وعلى علاقتي مع الرئيس فؤاد شهاب بعد نحو ثلاثة عشر عاماً.

الرجل البسيط

في الثلاثين من آذار (مارس) 1946، وبينما كنت أستجوب، في المحكمة العسكرية، رجلاً من الجنوب سيق إلى السجن بتهمة إطلاق النار من سلاح غير مرخص خلال حفل زواج، صودف، في البسطا، مرور موكب الرئيس رياض الصلح، العائد من زيارة إلى فرنسا، إثر توقيعه، في الثالث والعشرين من الشهر نفسه اتفاق جلاء الجيش الفرنسي عن لبنان. فاستقبل بالعيارات النارية الكثيفة من غير أن تتصدى قوى الأمن لمطلقي النار أو تنظم محضراً بالواقعة، فلم يعد يطاوعني ضميري على توقيف شخص عادي بتهمة إطلاق النار في قرية نائية ابتهاجاً بزواج شقيقته، في حين يطلق المئات الرصاص في العاصمة من دون أن تحرك القوى الأمنية ساكناً. وقلت للموقوف: «هم يطلقون النار وأنا أطلق سراحك»، وبعد برهة طلب وزير الدفاع أحمد الأسعد أن أوافيه إلى مكتبه في وزارة الدفاع ولما قصدته قال لي: لا أرغب في التدخل في شؤون القضاء ولكنني استغربت أن تكون أخليت سبيل الموقوف الذي أطلق النار من سلاح غير مرخص.

- أدركتُ عندئذ أن المدعى عليه ينتمي سياسياً إلى خصوم الوزير الأسعد فقلت له: معالي الوزير، هل كانت نافذة مكتبك مقفلة؟ ألم تسمع مئات العيارات النارية؟ أنا قاض، وظيفتي تطبيق العدالة وهذه لا تتحقق إلا بالمساواة. لم يطاوعني ضميري لذلك لم أعمد إلى توقيف هذا الرجل البسيط وأتجاهل مئات المخالفين تحت أعين رجال الأمن.

- بارك الله فيك، ما تواخذني، قالها الأسعد بلهجة صادقة.

عندما قررت الاستقالة، استدعاني المدعي العام يوسف شربل وطلب مني ألا أستقيل ووعدني في حال بقيت في القضاء بأن يتم تعييني رئيساً للغرفة المدنية لدى محكمة استئناف بيروت في التشكيلات القضائية المقبلة. فأجبته بأنني أريد أن أتحرر.

العمق العربي

عندما تركت سلك القضاء، كان مضى على وجودي في «العدلية» نحو سبع سنوات مارست خلالها عملي كقاض طوال أربعة أعوام، وأصبحت معروفاً في أوساط المحامين. فلم أجد صعوبة في تلقي عروض للعمل في مكاتب كبار محامي ذلك الزمان.

على المستوى الشخصي، أقدمت في عام 1953 على الزواج من تانيا شحادة. تزوجت في سن متقدمة نسبياً مقارنة مع أبناء جيلي لأنه كان عليّ أن أرتب أوضاعي. وبين عامي 1954 و1960، رزقت بابنتي مارا وريما وابني جورج.

وعلى صعيد العمل السياسي، أسارع وأقول لم أنخرط في حزب ذي طابع طائفي ليس لأنني أعتبر أن الأحزاب الطائفية سيئة حكماً، بل لأنها تنظر من زاوية واحدة، وأنا لا أستطيع أن أشاطرها هذا المنطلق. لذلك ارتحت منذ البداية للثنائية التي شكلها الرئيسان بشارة الخوري ورياض الصلح. وأملت في عام 1943 أنهما سوف يتمكنان من وضع الأسس لبناء لبنان كوطن بعدما وضع الفرنسيون بعض الأسس لبناء الدولة اللبنانية.

وقبيل جلاء الفرنسيين، بدأت أرى عوامل الخطر على لبنان خصوصاً لأن نظرة بعض اللبنانيين كانت تختلف عن نظرة البعض الآخر إلى حد التناقض في كثير من المجالات. الانقسام المسيحي-الإسلامي الذي شهدت تجلياته منذ أواسط الثلاثينيات عند قيام تظاهرات ومؤتمرات داعية إلى الانفصال عن لبنان، وإلى ضمه إلى العمق العربي، لم يجعلني أشعر بالحاجة إلى بقاء الفرنسيين. فقد اعتبرت أن الميثاق الوطني الذي توصل إليه الرئيسان الخوري والصلح جيّد من حيث انطلاقته إنما يحتاج إلى التعزيز المتواصل لكي يصل إلى مستوى متقدم من الاندماج فلا يعود كل طرف ينظر من زاوية مختلفة عن الآخر. كنت أتكل على عاملي الوقت والممارسة متسائلاً عمّا إذا كانا سيجعلاننا نتقدم أو نتراجع في مسيرة بناء الدولة اللبنانية الحاضنة لجميع أبنائها والمستجيبة لكل تطلعاتهم.

انطلقت مسيرة العهد الاستقلالي وواجهت استحقاقات تسلّم المرافق العامة وجلاء القوات الفرنسية واتفاق النقد مع فرنسا واشتراك لبنان في تأسيس جامعة الدول العربية وانضمامه إلى الأمم المتحدة والعلاقات مع سورية والانفصال الجمركي معها وغيرها من الاستحقاقات الكبيرة الملقاة على كاهل الجمهورية اللبنانية الشابة. ثم أتت انتخابات 1947 التي مهدت الطريق للتجديد للرئيس بشارة الخوري في عام 1948 رغم اعتراض شقيق زوجته ميشال شيحا وابنه وصديقي منذ عام 1947 ميشال الخوري الذي هجر البيت الوالدي مدة سنة تقريباً، اعتراضاً على مبدأ تعديل الدستور للتجديد. وقد كنت بدوري مقتنعاً تماماً بنظرية ميشال شيحا المحذّرة من خلق سابقة كهذه في لبنان الذي يشكل حالة ديمقراطية استثنائية في منطقة كانت في معظمها محكومة من أنظمة ملكية غير ديمقراطية. لهذا بدت لي عملية التجديد للرئيس بشارة الخوري غير سليمة، وتضامنت مع الموقف المبدئي المعارض للتجديد، رغم تقديري لكثير من الخصال التي تمتع بها الرئيس الخوري.

السياسي المحترف

في صيف عام 1952، تصاعدت المواجهة بين السلطة والمعارضة، وعمدت الحكومة إلى تعطيل عدد من الصحف ما دفع بالجسم الصحافي إلى مقاطعة المسؤولين الرسميين.

وبعدما تعذر على الرئيس بشارة الخوري تكليف رئيس حكومة، قدّم استقالته بتوجيهه رسالة إلى رئيس مجلس النواب على رغم استمرار تمتعه بأكثرية برلمانية موالية له. لم أستغرب في حينه ما حصل لأن المسلك الذي سلكه الرئيس بشارة الخوري فضلاً عن التجاوزات التي حصلت في عهده، كان من الطبيعي أن يؤدي إلى هذه النهاية المؤسفة بالنظر إلى تكوين لبنان وعقلية اللبنانيين ومزاجهم. فالرئيس بشارة الخوري، الذي عرفته جيداً بعد تركه الرئاسة، بحكم صداقتي مع نجله ميشال، رجل محترم ذو ثقافة واسعة وذكاء حاد، لعب دوراً مهماً في تحقيق الاستقلال، وقدّم الكثير للبنان في سنوات حكمه الأولى، غير أنه استنفد في السنتين الأخيرتين من حكمه رصيده الكبير عند اللبنانيين، لاسيما من جراء استغلال بعض محيطه لمنصبه.

خلف كميل شمعون بشارة الخوري في الثالث والعشرين من أيلول (سبتمبر) 1952. وكان سياسياً محترفاً ولبقاً. تميّز عهده بالازدهار ومهرجانات بعلبك وحركة عمران وثقافة، وكان شخصية تتمتع برؤية سياسية مميزة لها نظرتها الخاصة للوضع الإقليمي والدولي ولتأثير بريطانيا العظمى والولايات المتحدة في لبنان والشرق الأوسط. ولكن تبين، فيما بعد، أن نظرته لم تكن مطابقة تماماً لمجرى التاريخ واختلطت فيها، كالعادة، الأوهام والتمنيات مع المعطيات الموضوعية والوقائع الميدانية. وكنت، في تلك الفترة، خصوصاً بعد استقلالي في مكتب المحاماة، أتداول مع مجموعة من الأصدقاء، أذكر منهم مانويل يونس، وسليمان الزين ومحمد الجارودي، في كل المسائل السياسية المطروحة. وقد كونت هذه المجموعة الصغيرة نواة «حركة التقدم الوطني» التي تأسست سنة 1959، وشكلت لي الاحتكاك الأول المباشر مع عالم السياسة.

هيبة الدولة

في خضم كل هذه الأحداث، كنت أشعر بأن سياسة الرئيس كميل شمعون القائمة على الانحياز إلى حلف بغداد، والتطلع نحو الولايات المتحدة تتنافى مع دورنا، وتتجاوز طاقتنا بالنظر إلى موقعنا الجيوسياسي. فمن جهة، نحن بلد قائم على التعددية الطائفية، ومن جهة ثانية، يقع لبنان بين سورية وإسرائيل، أي على تماس مباشر مع الصراع العربي-الإسرائيلي، وليس بإمكانه التزام جانب الحياد في قضية عميقة التأثير في الوجدان العربي-الإسلامي. لذلك رأيت في حينه أنه كان يفترض على بلد كلبنان أن يعي خطورة الوضع، ويحاول بوسيلة أخرى تفادي المأساة التي حلّت به في النهاية.

لقد هزّت أزمة عام 1958 لبنان بشكل جدي ووضعت مصيره ومصير وحدته على المحك. إذ أعادت هذه الأزمة المخاوف المسيحية إلى السطح. وسمعنا كثيرين ينتقدون اللواء فؤاد شهاب لأنه لم يقبل بإنزال الجيش لقمع الثورة دفاعاً عن هيبة الدولة وللحفاظ على الأمن والاستقرار. وسمعنا آخرين يقولون إنه لو بقي الفرنسيون في لبنان لما كان حصل ما حصل. واعتبرت آنذاك أن هؤلاء ينكرون بهذا الكلام على لبنان قابليته للحياة كدولة مستقلة من دون رعاية أجنبية. لم أظن يوماً أن حل مشكلة لبنان يقوم على وجود دائم لدولة غريبة على أراضيه تسيّر شؤونه وتحمي نظامه. لكنني بدأت أشعر بعد تلك الأزمة، وقد عززت الأحداث التالية هذا الشعور، بأن البطريرك الياس الحويك والرئيس إميل إده، مع ما لهما من فضل على ولادة لبنان، لم يكن نظرهما بعيداً، وكان حرياً بهما أن يضحيا ببعض الطموح لمصلحة تأمين الاستقرار والسلام والديمومة.

أما السؤال الذي شغل بالي ثلاث سنوات، والجواب عنه يشغلني منذ ستة وأربعين عاماً، فكان: لماذا لم يُنزل اللواء فؤاد شهاب الجيش في عام 1958 ليضع حداً للاقتتال الداخلي ويثبّت هيبة الدولة ويوطد الاستقرار والأمن؟ وقد طرحته على صاحب العلاقة سنة 1960 بعدما توثقت علاقتي به. وكان الجواب ألماً مخزياً باح لي به الرئيس فؤاد شهاب كمن يبوح لصديق له عن مرض عضال أصيب به ابنه: «لو أنزلت الجيش، في ذلك الحين، لمواجهة الانقسام الطائفي، لكان في استطاعتي أن أضمن وحدته سبعة أيام، أما في اليوم الثامن... فلا أعرف».




Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.