الدفيئة العسكرية لا تؤهل لقيادة الدولة
30 آب 2008
زئيف شتيرنهل - "هآرتس" الاسرائيلية
في أحد أيام شهر ايار 67 وصل رئيس الوزراء ليفي اشكول الذي كان لا يزال ايضا وزير الدفاع، لزيارة القيادة المتقدمة لقائد اسراب المدرعات، اللواء يسرائيل تل. وتحت شبكات التمويه افترشت الخرائط ورسومات المعارك، وتل، الذي كان ايضا قائد الفرقة، عرض خطته. وكان للخطة اهمية حاسمة لان فرقة تل كانت رأس الحربة للجيش الاسرائيلي، وبنجاحها أو فشلها كان يتعلق مستقبل المعركة بأسرها في البر.
اشكول انصت بامعان وعندها سأل كيف يمكن ان نكون واثقين في أن يكون الاختراق ناجحا والجبهة المصرية ستنهار. وبالفعل، كان هذا في حينه وهو اليوم ايضا السؤال الواحد الذي يجب أن يقلق راحة رئيس الوزراء عشية الحسم: ما هي الفرصة الحقيقية في أن تخرج الخطة المطروحة عليه الى حيز التنفيذ ولماذا في واقع الامر يتعين عليه أن يعطي الثقة لما يقال له؟
اشكول لم يكن رجلا عسكريا، والشؤون الامنية التي لم يتعرف عليها الا عبر الميزانية. عشية الحرب لم تثر اهتمامه الاسهم الزرقاء وباقي الاشارات على الخرائط، ولكنه عرف كيف يسأل الاسئلة الصحيحة. فهم رئيس الوزراء، الذي لم يسارع الى اصدار التعليمات بالهجوم قبل الاوان، لم يساهم فقط في النصر بل ومنح اسرائيل ايضا شرعية دولية واسعة وباهظة القيمة.
الفهم والتفكر من هذا القبيل الذي اظهره ايضا اسحق شمير في حرب الخليج الاولى - هو الميزة الاساس لرئيس الوزراء، ولا يوجد ما يدعو الى الافتراض بان رجال الجيش تباركوا بها اكثر من المواطن العادي. كثيرون يعتقدون أن موشيه آرنس كان وزير دفاع راقياً، اما موشيه دايان فقد ظهر في ضعفه حتى قبل حرب يوم الغفران عندما لم يكن قادرا على ان يصر على رأيه امام غولدا مائير في مسألة فتح قناة السويس والطريقة السليمة لحماية سيناء.
على خلفية الانتخابات الداخلية في كديما والاستعدادات لحملة الانتخابات العامة، التي أغلب الظن ليست بعيدة، يوجد اهتمام خاص للنظر في سلوك رجال الجيش في السياسة. بالفعل، ماذا تبقى حقا من الألوية والفرقاء عندما ينزعون بزاتهم ويمكن أن نراهم مثلما هم حقا، بحجومهم الطبيعية ودون ان يتمكنوا من التمترس خلف لغة الرموز لعارفي السر؟
الموضوع مهم ليس فقط بسبب المكانة التي يطالب بها لانفسهم رجال الجيش في السياسة بل وايضا للتعرف على ما يمكن ان نتوقعه من اولئك الذين لا يزالون يقودون الجيش ويدفعون المواطن العادي الى الانثناء امام صلاحياتهم.
رئيس الاركان ووزير الدفاع شاؤول موفاز وصل الى مكانته فقط بسبب كراهية اسحق مردخاي لمتان فيلنائي. لو لم يعين رئيسا للاركان، لما صار ابدا وزير دفاع. في حياته المدنية، برز موفاز ليس فقط في وسطيته، بل وبطبيعته الضعيفة وانعدام اخلاصه. مشكوك أن يكون هناك من سمع لدى هذا الرجل القاتم فكرة أصيلة واحدة. وهو يلوح بتجربته ولكن التجربة لا يمكنها أن تغطي على انعدام باقي الروح او عن الانتهزاية، مثل خيانته لليكود عندما كان يتنافس على قيادته.
وهذا هو الحكم بالنسبة لعوزي دايان. من شخصيته يمكن أيضا أن نتعرف على أنه في اليوم الذي ينتقل فيه المقاتل الى الحياة المدنية تذوب الشجاعة، التصميم والتمسك بالمهمة. وحتى عامي ايالون، الرجل المناسب، النزيه والمستقيم، لا يرتسم كنجاح مثير للدوار. التجربة العسكرية تدل قليلا جدا على انماط السلوك المتوقعة، او عن قدرة الزعامة في غير اطار تنظيمي مراتبي.
الحالة الاكثر بؤساً - إذ أنها تبث على المجتمع بأسره اجواء قاسية من تفويت الفرصة - هي حالة ايهود باراك. بكفاءاته الشخصية، بثقافته وآفاقه الواسعة يفوق باراك كل رجال الجيش الذين دخلوا السياسة في الجيل الاخير. ولكن الحياة دللته اكثر مما ينبغي.
باراك هو ممثل واضح لجيل كامل كل شيء سار له بسهولة، وعليه ليس له صبر على العمل السياسي القاتم، ليس لديه طول النفس اللازم للزعيم وهو مغلق الحس تجاه مرضى المجتمع. الاحساس الغريزي للثورة ضد الظلم غريب عليه؛ ولهذا لا يوجد ما يدعو للناس الذين فشلوا في حرب الوجود، او ان الحظ لم يضئ لهم وجهه، ان يثقوا به.
السطر الاخير هو ان الدفيئة العسكرية بحد ذاتها لا تؤهل لقيادة الدولة. كرئيس حزب كان يغئال يدين نكتة. عندما جرب موشيه دايان قوته بشكل مستقل فشل تماما. أما من "انجازات" اريئيل شارون، من حرب لبنان الاولى وحتى فك الارتباط، عبر الاستيطان، من الصعب على المرء أن يتأثر. وحتى نجاح اسحق رابين كان جزئيا جدا. نحن ملزمون بان نعترف بانه بعد ستين سنة من وجود الدولة، المحصول ليس لامعاً.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.