ليلة الهجوم الجورجي: أين العالم الحر؟

30 آب 2008 وليام فاف - "تريبيون ميديا سيرفيز"



تميل التعليقات السياسية الشائعة في أميركا وأوروبا على ردة الفعل الروسية على الهجوم الذي شنته جورجيا ضد قوات حفظ السلام الروسية المرابطة في أوسيتيا الجنوبية، إلى وصفها بالإفراط في استخدام القوة العسكرية ضد جورجيا، وبالتالي فإنه تجب معاقبة روسيا على عدوانها الواسع ضد جارتها. غير أن هذه التعليقات تتهرب من الاعتراف بحقيقة أن أكبر خسارة ناجمة عن ذلك القرار الساذج من جانب الرئيس الجورجي ميخائيل سكاشفيلي، هي ما ألحقها بكل من حلف "الناتو" والولايات المتحدة الأميركية، علاوة على الخسائر الفادحة التي تكبدتها بلاده، والتي ستظل دولة ذات سيادة ناقصة محدودة، لفترة طويلة قادمة، إضافة إلى الحرج الذي تسبب به سكاشفيلي لحلفائه الغربيين. فالمتوقع أن تبقى القوات الروسية في أراضي جورجيا لأمد غير معلوم، بدعوى حماية مواطني إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا الانفصاليين، واللذين أعلنا استقلالهما مؤخراً. والمرجح أن يبقى هذان الإقليمان إما تحت الحماية العسكرية الروسية باعتبارهما دولتين مستقلتين، أو أن ينتهي بهما الأمر إلى الانضمام لروسيا. وفي هذه المرحلة على الأقل، تفضل موسكو الخيار الأول، لكونه يستند إلى سابقة الإعلان عن استقلال إقليم كوسوفو الصربي في شهر فبراير من العام الحالي، تحت الرعاية الأميركية... كما يحلو تأكيد هذه الحقيقة لموسكو دائماً.
وعلى أية حال، فقد جاءت الأزمة الجورجية الأخيرة بمثابة انعطاف مهم في وضع العلاقات الدولية الراهن، لكونها أظهرت بوضوح أنه ليس في مقدور واشنطن حماية جورجيا، رغم سيادة شعور دولي وإقليمي عام بأن واشنطن لن تتردد في الدفاع عن جورجيا أمام الهجوم الروسي الواسع الذي تعرضت له، خاصة أن الجيش الأميركي هو الذي تولى تدريب وتسليح نظيره الجورجي، وبسبب كل ما اعتادت واشنطن على إبدائه لجورجيا ولقيادتها من طمأنة على حمايتها والدفاع عنها. والسبب وراء هذا التقاعس الأميركي، كما يرى بعض المحللين، هو أن واشنطن متورطة على نحو ما في العدوان الذي شنته جورجيا على قوات حفظ السلام الروسية المرابطة في أوسيتيا الجنوبية. ويذكر أن هذه القوات كان قد تم نشرها منذ 16 عاماً بموجب اتفاقية دولية أبرمت إثر أول محاولة قامت بها جورجيا لاستعادة إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا الانفصاليين إلى سيادتها الكاملة، مع العلم أنهما إقليمان تغلب عليهما العرقية الروسية ويتمتعان بالحكم الذاتي. وفوق ذلك فقد ظلا كلاهما تحت مسمى "المحميات الروسية" منذ عام 1810. وكان الروس قد عبروا عن شكوكهم مسبقاً حول قيام بعض السفن الأميركية بنقل الأسلحة إلى جورجيا وغيرها من دول المنطقة الأخرى. وعليه، فقد استهدف الهجوم الروسي الأخير على جورجيا، تدمير كل ما تبقى من تلك الأسلحة والمنشآت الحربية الجورجية. ومع إعلان نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني اعتزامه زيارة جورجيا خلال الأسبوع الحالي، عقب جولة له في كل من أوكرانيا وأذربيجان، فمن المتوقع أن يصطحب معه الوحدة الجوية المقاتلة رقم 82 والأسطول البحري الأميركي السادس. وفيما يبدو، فإن هذه الفرق الحربية هي التي تساءل عنها سكاشفيلي ليلة فشل هجومه الغافل على أوسيتيا الجنوبية بقوله: أين أميركا... أين العالم الحر؟ ومنذ تلك الليلة تلقى سكاشفيلي وعوداً بالوقوف إلى جانب بلاده من المرشح الرئاسي الجمهوري جون ماكين والسناتور جو بايدن المرشح لمنصب نائب الرئيس عن الحزب الديمقراطي، وكلاهما من معجبي سكاشفيلي الذي يصفانه ببطل جورجيا المحرر.
هذا وقد تعلمت أوكرانيا ودول البلطيق الدرس الجورجي جيداً، إذ تدرك هذه الدول الآن أن الدول العظمى لا تخاطر بخوض مواجهات عسكرية مع العمالقة الحربيين، أياً تكن أهداف نشر الحرية وقيم الديمقراطية في مناطقهم. وفي حين انزلقت كل من بولندا وجمهورية التشيك إلى إبرام صفقة نصب نظام الدرع الصاروخية الأميركية في أراضيهما، إلا أنهما اكتشفتا حالياً أن ما طمأنتهما به واشنطن من توفير الحماية لهما، لم يكن سوى ورقة انتخابية قصدت بها إدارة بوش إرضاء الناخبين الأميركيين بسياسات حزبها الجمهوري، إضافة إلى أن تلك الصفقة لم تزد عن كونها مدرة لمزيد من أموال الخزانة الأميركية.
وعلى صعيد آخر من وضع العلاقات الدولية الراهن، ها هي إسرائيل وقد اكتشفت للتو أن محادثات تجري بين دمشق وموسكو حول صفقة لشراء الأسلحة من روسيا، بينما يتوقع أن يتوقف تعاون موسكو مع واشنطن في عدد من القضايا المحورية... من بينها إيران و"حزب الله" وحركة "حماس"، إلى جانب توقف تعاونهما معاً في مكافحة الإرهاب والانتشار النووي. فما السبب؟ الإجابة حسب ما يستطيع المرء استنباطها، أن سلسلة متعاقبة من السياسات التي اتبعتها إدارتا كلينتون وبوش وكذلك "البنتاجون"، هدفت إلى إظهار مجاني لقدرة الولايات المتحدة على انتهاج سياسة الترهيب، والمضي في بناء وتوسيع حلف "الناتو" في الدول المجاورة لروسيا. بل مضت تلك السياسات خطوة أبعد منها في التهور والطيش، بلغت حد تصور إمكانية استيلاء حلف "الناتو"، أو تحت مظلته باسم الدول الجديدة التي سيتم ضمها إليه في منطقة القوقاز، على بعض "المحميات الروسية" التقليدية المعروفة تاريخياً. والهدف وراء هذه السياسة الغريبة المغامرة هو أن تعرف روسيا من هي القوة العظمى الأولى في عالم اليوم!


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.