ثمن الـسلام
30 آب 2008
عكيفا الدار - "هآرتس" الاسرائيلية
يخيل أن مخرج أفلام هوليودي يمكنه أن ينتج نهاية كهذه لحياة ايبي نتان؛ قبل بضع ساعات من موت "بحار السلام"، الذي القي به الى السجن بسبب نشاطه من أجل السلام، اعتقلت السلطات الاسرائيلية نشيط السلام جيف هلبر - الاسرائيلي الوحيد على دكة السفينة التي حطمت الحصار على قطاع غزة. لولا الحصار والاعتقال لكنا بقينا مع اقوال التأبين المتكتكة التي اغدقها قادة الدولة على ايبي. شمعون بيريس، ذاك الذي اقام المستوطنات في الوقت الذي تحدث ايبي مع "م.ت.ف"، توجه بلقب "الرجل الاكثر ايمانا في الوقت الذي ينقص فيه الايمان". ايهود اولمرت، الذي تربى في معسكر رأى في اناس مثل ايبي طابورا خامسا، وعد بأن "نحفظ ذكراه بحب". وعن هذا يقال - يبكون ويطلقون النار.
للوهلة الاولى يمكن لايبي ان يرتاح في قبره بسلام. بعد 42 سنة من هبوط طائرته الصغيرة على ارض العدو المصري، اسرائيليون يطيرون في "ال عال" الى القاهرة وعلى جوازات سفرهم تأشيرة تلقوها من السفارة المصرية في تل أبيب. في هذه الايام سليلو الليكود ومباي يديرون، في آن واحد مفاوضات مباشرة مع "م.ت.ف" واتصالات متواصلة مع سورية. إذا كان الجميع يتحدثون عن السلام، فلماذا لا يوجد سلام؟ كيف حصل أنه عندما يكون السلام على مسافة لمسة يبدو أنه آخذ في الابتعاد؟ لماذا مات ايبي نتان في وحدته وكاد ينسى من القلب؟ ماذا حصل لـ "معسكر السلام"؟
لشدة المفارقة، فشل اليسار الصهيوني يكمن بقدر كبير بالنجاح الكبير لافراد مثل ايبي، اوري افنيري، يوسي بيلين - لتحويل السلام الى علامة تجارية مظفرة. الاسرائيليون اكتشفوا بأنه لا توجد مادة تطهر الضمير افضل من انشودة للسلام. عندما اعلن عن نفسي "مؤيداً للسلام" يكون أسهل جدا عليّ التعايش مع الاحتلال. وعندما اشارك في مظاهرات السلام يكون أسهل جدا عليّ أن اخدم في الحواجز. في حزيران 2005، عندما كان قائماً بأعمال رئيس الوزراء عن الليكود، اعلن اولمرت في اجتماع لمنتدى السياسات الاسرائيلية (IPF) في نيويورك: "تعبنا من القتل، تعبنا من أن نكون شجعانا، تعبنا من النصر، تعبنا من الحاق الهزيمة باعدائنا". ما كان لايبي ان يقول ذلك بشكل أفضل. ولكن ماذا حصل منذئذ؟ كلام ومزيد من الكلام.
ايبي كان مستعداً لأن يدفع ثمن السلام - ان يعرض للخطر حريته بل وحياته. الزعماء الاسرائيليون (وكذا الفلسطينيون) وجدوا ملجأ آمنا خلف خطابات السلام، مؤتمرات السلام ومحادثات السلام. طالما يتحدثون ويتساومون فانهم معفيون مما وصفه اريئيل شارون "تنازلات أليمة" - مهدئ ناجح لآلام السلام. "المسيرة السلمية" تسمح للجمهور الغفير بالتمترس خلف اسوار سميكة من ادعاء الحق. استطلاعات الرأي العام تشير على مدى السنين الى تأييد ثابت لاكثر من 70 في المائة من السكان اليهود للمفاوضات على حل الدولتين.
لو كانت الاغلبية مستعدة ايضا لان تدفع الثمن المحدد لهذا الحل، لكان معسكر ايبي احتل منذ زمن بعيد الحكم. ولكن الجمهور في اعقابه (أو امامه) الزعامة السياسية تريد السلام مع الفلسطينيين والسوريين ولكنها لا تريد ان تتقاسم مع العرب الحكم في شرقي القدس.
وحتى عندما تقترح 22 دولة عربية على اسرائيل السلام والعلاقات الطبيعية، فانهم يفضلون هضبة الجولان بدون السلام. ازدهار معسكر اليمين برئاسة بنيامين نتنياهو يدل على أن التهديد الديمغرافي لا يخيف الخلق. في واقع الامر، بين البحر والنهر يوجد منذ زمن بعيد واقع ثنائي القومية تحت سيادة احادية القومية، والسماء لم تسقط.
لوسائل الاعلام الاسرائيلية التي تبكي "بحار السلام" يوجد دور غير صغير في هبوط شعاع السلام. معظمها اشترت بخفة قصة "لا شريك"، في ظل التجاهل لدور اسرائيلي في فشل كامب ديفيد 2000.
يا ايبي، ارتح بسلام في مرقدك. فقد نجوت من عذابات السلام.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.