روسيا حسمت أمرها ولم يفهم الأميركيون

03 أيلول 2008 بيوتر رومانوف - "غازيتا" الروسيّة



أخيراً، حسمت موسكو أمرها، وتصدت للمواجهة ومواصلة الشوط إلى نهايته. فوقع الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف، مرسومين تعترف روسيا بموجبهما باستقلال جمهورتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، بعد أن اقترح مجلسا الدوما والفيديرالية (مجلسا البرلمان الروسي) عليه المصادقة على قراريهما في هذا الشأن. ويرجح أن يثير قرار الاعتراف باستقلال الجمهوريتين ردوداً غير مجمعة في روسيا. ولكن غالبية المواطنين سوف يؤيدونه. وهذا أمر سهل التكهن به علماً أن شعبية ديميتري ميدفيديف تعاظمت في غضون بضعة أيام من الحرب.
وتبلورت هذه القناعة في روسيا قبل وقت طويل من العدوان الجورجي على أوسيتيا الجنوبية. فالغرب لم يترك أمام روسيا غير خيار واحد: حين لا يصغون إليك ويواصلون الإصرار على نهجهم لا يبقى إلا أسلوب واحد وهو «الإرغام على الفهم». ولا مناص من أن يؤدي الأمر الى فتور علاقات روسيا بالغرب لبعض الوقت. ولكن الأوربيين لن يجمعهم موقف واحد، ولا نسمع إلا عن اتخاذ رزمة من القرارات المعادية لروسيا، والبندقية مصوبة إلى رؤوس الأوروبيين.
وموسكو كررت القول في السابق أنها لن تقف متفرجة إذا هوجمت أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، ولن تسمح بإراقة دماء المواطنين الروس. ودعت ساكاشفيلي أكثر من مرة، مباشرة وعبر الوسطاء الغربيين، إلى التوقيع على اتفاق عدم اللجوء إلى استخدام القوة لحل النزاع مع الإقليمين. فماذا حدث بعد ذلك؟ تحدث ساكاشفيلي في خطاب تلفزيوني عن السلام في القوقاز وخاطب الأوسيتيين بعبارة: اطمئنوا إلى قرب التسوية! وبعد منتصف الليل بقليل، قصف قراهم بصواريخ غراد وتوغلت دباباته لتحطم كل شيء في طريقها. فهل يعتقد الغرب أنه كان على موسكو ضبط النفس!
وعلى الصعيد الأوسع، فمنذ سنوات وموسكو ترفع الصوت مطالبة باحترام مصالحها في القوقاز والفضاء السوفياتي السابق، وبناء علاقات بالغرب تقوم على الاحترام المتبادل والندية. فعلى ماذا حصلت؟ الأطلسي يتغلغل شرقاً بمحاذاة حدودها، ويزرع آلته العسكرية بجانبها، والدرع الصاروخية وأنظمة الرادار الأطلسية تهدد على بعد أمتار من الحدود أمن البلاد، والأموال الأميركية والأوروبية تموّل ثورات ملونة هدفها زرع عملاء لواشنطن في المنطقة. والحق أن ساكاشفيلي فتح بمغامرته الحمقاء باباً يصعب غلقه. وعلى العالم أن يعي أن موسكو ستدافع عن مصالحها.
ومعلوم أن الأطلسي والاتحاد الأوروبي هما منظمتان غير مستقلتين. و بعض الأصوات العاقلة تتعالى منذ الآن. فمثلاً، قال الرئيس الإيطالي السابق والعضو مدى الحياة في مجلس الشيوخ فرانشسكو كوسيغا: «إنني أقف مع وحدة أراضي جورجيا، لكن في حدودها الطبيعية التاريخية والثقافية فقط، وبالتالي مع استقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، أو على الأقل مع الاعتراف بحقهما في تقرير مصيرهما».
واتهمت الولايات المتحدة والحلف الأطلسي روسيا بالاستخدام المفرط للقوة. وفي 1999 قصف «الناتو» صربيا طوال 78 يوماً، وإسرائيل في صيف 2006 قامت بقصف الأراضي اللبنانية طوال 33 يوماً بعد هجوم «حزب الله» على الأراضي الإسرائيلية. وجاز القصف الإسرائيلي المفرط لأن الولايات المتحدة لم تخوِّل مجلس الأمن الدولي، حينذاك، صياغة اتفاق على مشروع قرار يطالب إسرائيل بوقف العمليات العسكرية. وبناء على ما صرح به بوش وغيتس، وفي ضوء إسراع الحكومة الأميركية بعقد اتفاق مع بولندا على نصب المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ، يمكن القول إن واشنطن لم تستخلص العبر من الأزمة الجورجية. وعلينا، تالياً، الاستعداد لارتكاب أخطاء وانفجار وأزمات جديدة.


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.