روسيا تفتح الباب أمام عالم متعدد الأقطاب

04 أيلول 2008 "الغارديان" البريطانية - "الغارديان" البريطانية



إذا كان هناك ادنى شك بأن قواعد اللعبة الدولية قد تغيرت نحو الأفضل، فإن احداث الأيام القليلة الماضية كانت يجب ان تبدد هذا الشك.
حيث طالب الرئيس الأميركي جورج بوش زعماء روسيا برفض طلب برلمانهم الاعتراف باستقلال اوسيتيا الجنوبية وابخازيا. وخلال 24 ساعة تلقى بوش الرد حيث اعلن الرئيس الروسي ميدفيديف اعتراف بلاده بالجبهتين المتنازع عليهما.. لقد كانت الرسالة الروسية واضحة: إن نتيجة الحرب التي ادت الى هجوم جورجيا على أوسيتيا الجنوبية في 7 آب غير قابلة للتفاوض، ولا شيء مما سيقوله الجبابرة الأميركان سيكون له ادنى تأثير، بينما يعكس وزير الخارجية البريطانية ديفيد مليباند موقف بلاده من الاحداث الجارية من كييف حول بناء تحالف ضد العدوان الروسي وهذا بدوره بدا مجرد حماقة. ‏
إن الاحداث التي دارت رحاها في القوقاز الشهر الماضي تشير الى نقطة تحول دولية لم تعد موضع تساؤل، والمقارنات مع احداث آب 1914 هي بالطبع مضحكة وحتى التخمين حول حرب باردة جديدة أمر مبالغ به، فكل المناورات في البحر الأسود والتهديدات بالدعم النووي إضافة الى أن المواجهة بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية ليست موضع مقارنة عن بعد بالنسبة للاحداث التي ادت للحرب العالمية الأولى ولا التوترات الحالية تملك مثل هذه الابعاد الايديولوجية والعالمية التي شكلت المواجهة لـ 40 عاما بين الغرب والاتحاد السوفييتي. لكن من الواضح ان لحظة أميركا الاحادية القطب قد ولت والنظام العالمي الجديد بشر به بوش الاب في الايام الأخيرة للاتحاد السوفييتي عام 1991.. إن الايام التي كانت فيها القوة الوحيدة القادرة على ركوب الكرة الأرضية كعملاق يفرض ارادته في كل قارة لاقى تحديات من قبل الحركات الشعبية للاستقلال الوطني، وعزلة « الدول المارقة» أمر قد انتهى، تقريبا لعقدين من الزمن بينما كانت روسيا تغرق في «كاتوسترويكا» والصين تبني مركز نفوذ اقتصادي، كانت الولايات المتحدة الأميركية تمارس قوة عالمية لم يسبق لها مثيل وغير قابلة للتفسير، تعطي الحق لها ولحلفائها لغزو واحتلال الدول الأخرى، غير مكترثة بالقانون والمؤسسات الدولية. ‏
والآن روسيا المتخمة بعائدات النفط تدعو الى ايقاف هذا التوسع المستمر وبالرغم من أن ما جرى في أوسيتيا الجنوبية وجورجيا هو أمر اقليمي وليس عالمياً فإن هذا الدرس يعد تحديا للحدود الجديدة للقوة الأميركيةوقد تم استيعابه من وسط آسيا وحتى أميركا اللاتينية. ‏
في جورجيا نفسها، نجد ان اعتراف ميدفيديف نفسه باستقلال ابخازيا وأوسيتيا الجنوبية وتدمير روسيا للقدرات العسكرية الجورجية لم يأت عن عبث، وإنما لعدم ترك مجال للشك بأن قضية اعادة توحيد البلاد المجاورة قد اغلقت.. هناك بالتأكيد اخطار بالنسبة لسلامة أراضي روسيا لكن التحرك سيحمل تأثيرا عمليا الى حد ما ويقصد من ورائه الافتراض الجزئي لخلق أوراق المساومة للمفاوضات المستقبلية، لذلك كله نجد أن محاولة ميليباند في أوكرانيا وانكاره للمتوازيات الواضحة عبر الاعتراف المنظم مع الولايات المتحدة الأميركية باستقلال كوسوفو في وقت مبكر من هذا العام هي محاولة جوفاء. ‏
إن القوات الروسية على الأرض بالتأكيد كانت الأقوى في اوسيتيا الجنوبية حيث جنود حفظ سلامها المعترف بهم دوليا هوجموا مباشرة من قبل الجيش الجورجي، كما جرى مع «ناتو» في كوسوفو عام 1999، حيث جرى التطهير العرقي بعدما بدأ الهجوم بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.. لقد كثر الكلام بين السياسيين الغربيين في الايام الأخيرة حول عزلة روسيا نفسها من قبل المجتمع الدولي، لكن إن كان المقصود عزلتها عن اميركا الشمالية وأوروبا فإن هذا الأمر أبعد عن الحقيقة، كذلك رجحت اجهزة الاعلام الأميركية والبريطانية بأن ما يدور حول أزمة جورجيا هو اشبه ما يكون بالحرب الباردة، بينما نجد أن بقية العالم كان يراها من منظور مختلف جدا كما قال كيشورما هباباني ممثل سنغافورة السابق في الأمم المتحدة للفايننشال تايمز قبل أيام قليلة: «أغلبية العالم مذهول من الوعظ الغربي لـ جورجيا، بينما وجهة النظر الغربية بأن العالم يجب ان يدعم جورجيا المستضعفة ضد روسيا.. والأغلبية تدعم روسيا ضد الغرب، إن الهوة بين الرواية الغربية وبقية العالم لا يمكن ان تكون أوضح». ‏
لماذا يجب ان يكون هذا عصياً على الفهم.. انها ليست فقط الولايات المتحدة الأمريكية ومعسكرها التابع مَنْ انتهك القانون الدولي والأمم المتحدة لجلب الموت والدمار الى الشرق الأوسط وافغانستان وباكستان في مطلع التسعينيات، لقد حذر البنتاغون من اعطاء ضمان لأي منافس عالمي يظهر، و الولايات المتحدة الأميركية تحتاج الى محاسبة الأمم الصناعية المتقدمة لاعاقتهم في تحدي قيادتها، لكن عندما كان الأمر بالنسبة لروسيا نسي كل ذلك الشيء في ضباب الكبرياء والعجرفة الامبراطورية ليترك الولايات المتحدة منهكة وغير قادرة على منع عودة عالم متعدد الاقطاب.. بالطبع تلك التعددية القطبية الجديدة يمكن ان تكون مبالغاً بها، وروسيا قوة اقليمية وما من فرصة وشيكة لأي تحد عالمي خطير على الولايات المتحدة الأميركية في ظل هذه الهيمنة الأميركية التي يؤيدها الغرب وعليه فإن من يصف الصين وروسيا بالقيادات الاستبدادية التي من شأنها تهديد ديمقراطية الغرب، عليه ان يتذكر عندما وقعت روسيا في فلك الولايات المتحدة الأميركية في عهد الرئيس يلتسين كيف عالج الغرب الأمر بالفهم الأعظم. ‏


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.