الأوروبيون يراهنون كثيراً على أوباما

04 أيلول 2008 جيفري ويتكروفت - "الفايننشال تايمز"



في يوم أحدٍ هذا الصيف، جرى سباق في ليوباردستون، مضمار السباق الجميل بالقرب من دبلن، شاهدته مصادفة على شاشة التلفزيون. وفي سباق للخيول ذات العامين، كان في المقدمة مهر عصبي المزاج بدرجة عالية بدا من المؤكد أنه سيفوز، إلى أن اتجه فجأة وبعنف إلى اليسار واصطدم بالحاجز. وربما بدا أن ذلك بالكاد يستحق الذكر في صحيفة "ريسنج بوست"، ناهيك عن "فاينانشيال تايمز"، لو أن المرء لم يلاحظ اسم الحصان؛ كان اسمه باراك.
على الأرجح أنه أُعطي ذلك الاسم في العام الماضي، كنوع من التقدير، لكنه مع ذلك مثال آخر على الحماس الشديد للمرشح الديمقراطي الذي اجتاح أوروبا. أحدثت الانتخابات الرئاسية لهذا العام إثارة في الخارج أكبر من أية إثارة سابقة منذ عام 1960. فجّر السيناتور باراك أوباما، الافتتان ذاته الذي فجّره في الماضي جون كنيدي. ومن سباقات الخيل، إلى ملصقات أوباما التي شاهدتها في قرى الريف الإنجليزي، وإلى الجماهير الضخمة في برلين (حيث حاول أوباما على الأرجح بشكل واضح إلى حد ما أن يرتدي عباءة جون كنيدي)، فإن أوروبا تعشق باراك. ولو أن الناخبين في تشرين الثاني كانوا مواطني الاتحاد الأوروبي، فإنه سيفوز بشكل ساحق.
لكن بطبيعة الحال، هم ليسوا الناخبين، وربما توجد صلة بين هذا الهوس الأوروبي بأوباما، والطريقة التي ترنحت بها حملة أوباما. وهبط تقدمه الأولي المذهل في الاستطلاعات إلى لا شيء قبل أن يحاول استعادة بعض من سحره السابق في مؤتمر الحزب الديمقراطي في دينفر الأسبوع الماضي.
وبعض من ذلك من صنع يديه. كانت حملة أوباما منظمة للغاية، دون أي خطأ تقريباً ـ خصوصا مقارنة بحملة هيلاري المتداعية ـ كما شاهدنا في طريقة اختياره مساعديه في الحملة، إذ احتفظ بأسمائهم سراً حتى اللحظة الأخيرة، حتى لو أن ذلك الاختيار ـ السيناتور جوزيف بايدن النظيف والواضح، كما يمكن للمرء أن يقول ـ لا يثير إعجاب الكثيرين.
مرة أخرى، مثل ذلك الانضباط يمكن أن يكون جائراً، والحسابات الهادئة يمكن أن تبدو ملاطفة ساخرة. "الانحراف فجأة وبعنف إلى اليسار" هو ما كان يأمل الجمهوريون أن يفعله أوباما، لكنه فعل العكس تماماً. وراقب الموالون له، البعيدون، فضلاً عن أولئك الذين احتشدوا بداية لصالحه في أميركا، بصدمة وذهول كيف تحول إلى جهة اليمين بشأن موقف تلو الآخر، دون أن يكسب الكثير من الدعم في المقابل.
كان في تلك الارتدادات، كما لو أنه يبعد نفسه عن الأوروبيين. وجاء أحد تلك العوائق الخطيرة مع كلماته سيئة السمعة، التي تم تسجيلها في لقاء خاص، حول الطبقة العاملة البيضاء "التي تشعر بالمرارة" التي وجدت ملاذاً لها في البنادق والدين. وهذه العبارة سيئة المصير كانت توضيحاً مثالياً "لباراك الأوروبي". ولو أنك أجريت اختباراً انعكاسياً بذكر اسم "أميركا"، فإن العديد من الأوروبيين سيقولون غريزياً "البنادق والدين".
ينظر العديد من الأوروبيين إلى الأميركيين على أنهم ريفيون سذج متعبدون، يقضون وقتهم إما في الصلاة، وإما في إطلاق النار على بعضهم بعضا. وحقيقة أن أوباما يبدو أنه يشارك وجهة النظر هذه، لم تفده بشيء لدى الناخبين البيض من الطبقة العاملة المعنيين، بينما أسهمت تحولاته اللاحقة بشأن السيطرة على السلاح، ومعاقبة رأس المال، في إرعاب معجبيه الأوروبيين دون مهادنة أولئك الناخبين.
سمعنا صدى صوت "باراك الأوروبي" القديم أثناء زيارته في الشهر الماضي. ومعارضته الأصلية للحرب العراقية شاركه معظم الأوروبيين فيها في ذلك الوقت (بغض النظر عن أن كثيرا من القادة السياسيين، مثل توني بلير في المملكة المتحدة، وسيلفيو بيرلوسكوني، رئيس الوزراء الإيطالي، اختاروا تجاهل مواطنيهم). لكن مرة أخرى، رغم أن معظم الأميركيين قرروا أن الحرب كانت خطأً ويريدون الخروج من العراق، إلا أنهم يكرهون فكرة الاستسلام والذل، وهم عرضة لقدر معين من قرقعة السيوف الحماسية من جانب السيناتور جون ماكين.
فوق كل شيء، كانت أوروبا مبتهجة إزاء أوباما ببساطة بصفته حالة وجودية. وكان هنا من ناحية، نوع الإنسان الذي يمكن للأوروبيين تحديده بالذكاء، والجاذبية، والبلاغة، والثقافة، والنقيض تماماً للشخص الريفي الأحمق، ذي العنق الأحمر. إن مناهضة الأوروبيين للأمريكيين لها تاريخ طويل، على اليمين، مثلما على اليسار، وتشمل التعبير الثقافي، فضلاً عن التعبير السياسي. إن القول إن أميركا هي أول بلد يجتاز البربرية إلى الانحطاط دون أن يدخل فترة من الحضارة الذي يُنسب إلى أشخاص مختلفين، منهم جورج كليمنصو رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، يلخص دون أدنى شك ما كان يعتقد العديد من مواطنيه، وما زالوا يعتقدونه. وكم سيكون لطيفاً أن يكون لدينا رئيس أمريكي ليس متوحشاً، أو منحطاً، وإنما متحضر!
من ناحية ثانية، كان الأوروبيون مفتونين بخلفية أوباما، واسمه ولون بشرته. وكم سيكون الأمر مدهشاً أن يكون لدينا رئيس أمريكي أسود! ولسوء الحظ، وجهة النظر هذه لا يشارك فيها بأي حال من الأحوال جميع الأميركيين، كما أشار جديون راتشمان في هذه الجريدة (فاينانشيال تايمز) يوم الثلاثاء. لذا، توجد الآن نغمة ابتزاز عالية، مدركة على الأغلب، عندما تقول أوروبا لأميركا: "من الأفضل لكم أن تنتخبوا باراك المحبوب لدينا ـ وإلا سنعود إلى التفكير في الأسوأ فيكم على أنكم متعصبون بدائيون".
بالنسبة للأمريكيين، ربما تبدو تلك وقاحة من الأوروبيين أن يقلقوا أنفسهم بالانتخابات الرئاسية من الأساس، لكن هل هي كذلك؟ فعندما ينتخب النرويجيون، أو الكوستاريكيون رئيساً للوزراء، فإن ذلك يؤثر في النرويج وكوستاريكا. وخيار المواطنين الأميركيين كل أربع سنوات يؤثر بشكل مباشر في العالم برمته.
لهذا السبب يراقب العالم الآن أميركا باهتمام شديد وقلق. ولا تملك أوروبا حق التصويت أول يوم ثلاثاء بعد أول يوم إثنين من تشرين الثاني، لكن لدينا ما نقوله بشأن العواقب.


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.