العودة المتجهمة لروسيا التي يشمئز منها الغرب
04 أيلول 2008
مارتن وولف - "الفايننشال تايمز"
"أنا مُهاب، إذن أنا موجود". إنها أكثر من مجرد ترديد لنصيحة مكيافيلي الشهيرة، لأي حاكم، التي تقول: "من الأسلم أن يهابك الناس من أن يحبك الناس". فلاديمير بوتين، آخر حاكم في صف طويل من الحكام الروس الاستبداديين، يتفق مع هذا الشخص الإيطالي على ذلك. لكن الحرب في جورجيا ليست فقط إعادة تأكيد لمبادئ ميكافيلي حول أساليب السياسة، وإنما تجديد للهوية الوطنية الروسية. فقد أصبحت مهابة مرة أخرى. وبالتالي هي في نظر حكامها موجودة.
أكثر ما يلفت النظر في تبريرات روسيا أنها لا تنسجم مع معتقداتها. وهناك وقائع تثبت ذلك، باستثناء أمر واحد مهم - الحاجة لأن تكون مهابة من الآخرين. فلا يوجد شيء في تاريخ الإمبراطوريات الروسية، أو السوفياتية يشير إلى أن مبدأ حق تقرير المصير له أهمية البتة. كما أن الدولة الروسية لم تهتم مطلقاً بأرواح مواطنيها. وروسيا بعد الاتحاد السوفياتي لا تختلف عن ذلك، كما أظهرت الحربان اللتان وقعتا في الشيشان، وما خلفتاه من عشرات الآلاف من الموتى. هؤلاء أيضاً كانوا مواطنين روس. ونستطيع باطمئنان استبعاد هذه المبررات لتصرفاتها التي تتسم بالنفاق. في واقع الأمر، تتملكني الحيرة كيف تبرر روسيا موقفها الجديد في التمسك بمبدأ حق تقرير المصير لحلفائها الصينيين.
لا، فروسيا وضعت مصيدة للجورجيين ومسانديهم الغربيين، كلاهما وقع فيها. لذا ما هي أهدافها الحقيقية؟ تأمين السيطرة على خط الأنابيب الذي ينقل النفط والغاز غرباً هو أحد تلك الأهداف. وإعادة بناء منطقة نفوذها هدف آخر. لكن الانتقام من حالات الإذلال المتراكمة هو الهدف الأسمى بالتأكيد.
لذا من المسؤول عن كل حالات الإذلال تلك؟ المدافعون عن روسيا - من الروس والأجانب على السواء - ربما يقولون إن ذلك هو الخطأ الذي ارتكبه الغرب: الغرب يسعى لتمديد الناتو حتى حدود روسيا، والغرب هو الذي رعى "الثورات الملونة" في الدول المتاخمة لروسيا، والغرب هو الذي سحق حلفاء الروس من الصربيين واعترف باستقلال كوسوفو.
هذه الحجج لا تأتي حتى إلى مكان قريب من لب الموضوع الذي يكمن في التقاء الشعور الوطني بالإذلال مع المصالح الحيوية للحكام الروس. لأن الحقيقة هي أن الغرب ليس هو الذي أذلَّ روسيا في عهد بوتين، وإنما الجيران الذين دعمهم الغرب وكان على حق في ذلك.
من الأمور المهينة أن الشعوب التي تمتعت بخيرات ونعم الإمبريالية الروسية عن قرب، على مدى زمني طويل، سارعت إلى الارتماء في أحضان الغرب، عموماً، والولايات المتحدة على وجه الخصوص. إنه أمر أكثر من مهين. إنه أمر خطير. فإذا نجحت بعض الدول، مثل أوكرانيا وجورجيا في إقامة ديمقراطية ليبرالية، فإن موقف النخبة الروسية نفسها سيتعرض للخطر، على الأقل في المدى البعيد.
كيف، بعد كل ذلك، يمكن للمرء تبرير معاملة الإنسان لشعبة مثل الأطفال البلهاء، بينما أقاربهم في الجوار يعاملون كأشخاص ناضجين؟ كيف يمكن للمرء أن يسوِّغ أفعال دولة قامت على المبادئ القديمة لجهاز كيه. جي. بي التي تعتمد على القوة والزيف؟ إن فتح السياسة في روسيا للمنافسة الحرة للأفكار ربما يأتي لاحقاً. وذلك لن يجدي أبداً.
لذا، فإن سحق جورجيا، وإذا أمكن، الإطاحة برئيسها، يخدم مصلحة حيوية ليس لروسيا، وإنما لحكامها. ومهما كان يأمل فيه المتفائلون قبل عقدين من الزمان، فإن روسيا لم تتحول إلى المبدأ الغربي الأساسي الذي استفادت منه دول ديمقراطية مجاورة لها تتمتع بالرخاء والازدهار. إن روسيا لا تزال تعيش في عالم افتراضي لعلاقات تقوم على مبدأ يقول إن مكاسب جهة ما تترتب عليها خسائر جهة أخرى، وبالتالي النتيجة دائماً صفر، ليس فقط بسبب أنها تنظر إلى العلاقات الدولية على أنها تقوم على هرم القوة، لكن لأن لديها الفكرة نفسها عن السياسات الداخلية. فالإمبريالية والاستبداد يسيران جنباً إلى جنب. وإذا أردنا استخدام مصطلح إسلامي، فإن روسيا، وياللحسرة، لا تزال تعيش في "دار الحرب".
ولسوء الطالع، هذه الحقيقة خدمت أيضاً مصالح أولئك الغربيين الذين يحبون أن يعيشوا بالطريقة نفسها. فالمحاربون القدامى في مرحلة الحرب الباردة والمحافظون الجدد يسيل لعابهم لفكرة الحرب الباردة مع روسيا. ولو كنت أكثر تهكماً مما أنا عليه، لخمَّنت أن هناك من نصح ميخائيل ساكاشفيلي، الرئيس الجورجي، بمهاجمة الجيوب التي يوجد فيها الانفصاليون لهذا السبب تحديداً. وكنت حتى تخيلت أن ذلك ينظر إليه على أنه طريقة لوضع جون ماكين في البيت الأبيض. لكن يجب ألا أتخيل مثل هذه الأمور، أليس كذلك؟
ومع ذلك، حرب باردة جديدة ستكون رد فعل مبالغ فيه لا طائل من ورائه. فروسيا دولة مهمة، موردة للطاقة وجارة. لكنها لا تمثل تهديداً استراتيجياً ضخماً للغرب: لا تمتلك أيديولوجية يمكن أن تصدرها، واقتصادها يمثل فقط نحو 7 في المائة من اقتصاد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مجتمعين، حتى إذا تم قياسه بالقوة الشرائية.
إن روسيا قوة إقليمية كبرى. ويمكن أن تتسبب في إزعاج ضخم، لكن ليس أكثر من ذلك. إضافة إلى ذلك، الشعب الروسي لم يقرر بعد أن الغرب هو المكان الملائم له. هل هم أقرب إلى الصينيين؟ أشك في ذلك.
إذن، ما الذي ينبغي عمله؟
أولاً، الاعتراف بأن الغرب ارتكب أخطاء في التعامل مع روسيا في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي، بينما هو ينكر أن ذلك يبرر نزعة روسيا لضم الأقاليم التي يقطنها سكان روس.
ثانياً، العروض المقدمة لدول لديها حدود مع روسيا للانضمام إلى حلف الناتو تمثل استفزازاً لروسيا. لذا لماذا لا يتم تقديم عرض لروسيا في الوقت نفسه للانضمام إلى الحلف، إذا أصبحت دولة ديمقراطية حقيقية؟
ثالثاً، أن يقتصر تقديم الضمانات الأمنية على الضمانات القابلة للتحقيق فقط.
رابعاً، أن يتم تنويع مصادر الطاقة.
خامساً، أن يتم دمج أوكرانيا وجورجيا في الاقتصاد الأوروبي بأسرع ما يمكن وتقديم المساعدة الاقتصادية اللازمة لجورجيا الآن.
سادساً، التأكد من أن النخبة الروسية تدفع ثمناً الآن لتصرفات روسيا.
سابعاً، والأهم، أن يكون هناك إحساس بالتناسب. فقبل نحو 40 عاماً على وجه التحديد، توغلت الدبابات الروسية في براغ. ومع ذلك فإن التشيك والسلوفاك الآن كليهما أحرار. فالغرب يجب أن يثق في القيم الخاصة به: على المدى البعيد ستكون الرغبة في السلام أقوى من الخوف.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.