طموحات الدب الروسي
04 أيلول 2008
شلومو بن عامي - "يديعوت أحرونوت" الاسرائيلية
ان الحرب في القوقاز اكثر من كونها تنذر بحرب باردة ثانية هي دعوة روسيا الأميركيين الى ان يصوغا من جديد الوضع الراهن العالمي القائم منذ انقضت الحرب الباردة الاولى. ليس جيش روسيا مستعداً لمواجهة عالمية للغرب. ففضلاً عن ان استخباراته لم تنجح في التحذير من هجوم جورجيا في جنوب اوسيتيا، فإن كل جهاز الحرب الالكترونية والمعدات القديمة لقواتها البرية تبدو مثل بقايا من العصر السوفييتي.
لكن الحرب لا تحتاج الى سلاح جديد ومذهل لكي تنجح في نقل رسالة سياسية قوية. فبعد كل شيء يحدث وهن التفوق الأميركي بالرغم من ان جيش أميركا هو اكثر آلات الحرب احكاما في التاريخ.
ان روسيا بتحطيمها الاحتكار الأميركي لاستعمال القوة وحدها وبغزوها دولة تعد صديقا للولايات المتحدة - وهو شيء لم يجرؤ حتى الاتحاد السوفييتي على فعله قط - تتحدى الهيمنة الأميركية التي نشأت بعد انكسار الولايات المتحدة في الحرب الباردة.
لم تكن الحرب في جورجيا يمكن ان تنشب لولا شكل علاج الولايات المتحدة لهيمنتها على العالم. فقد خرجت الى حرب كارثة في العراق، واضاعت اكثر من فرصة واحدة للعمل في مقاومة النظام في ايران، وحثت على توسع لا نهائي لقوات حلف شمالي الاطلسي وتجاهلت بصلف احتجاج روسيا على ادخال نظم دفاعية مضادة للصواريخ في شرقي اوروبا. ومعتلة بمحاربة الارهاب سببت ازدياد خوف روسيا من تطويق تام بعقب ادخال القوات الأميركية في دول مثل افغانستان وباكستان واوزباكستان وقرغزيا، وكازاخستان وطاجسكان.
تعمل موسكو محاولة ان تجد رداً على ما تراه استراتيجية أميركية معادية في عقد احلاف مع كوبا راؤول كاسترو وفنزويلا شافاز. وفي الشرق الاوسط تقوم بكل ما تستطيع كي لا تكون الولايات المتحدة اللاعب العالمي الوحيد في المنطقة. ان زيارة الرئيس الاسد اخيراً لموسكو اظهار شفاف من قبل الطرفين للطاقة الكامنة لتجديد التحالف بينهما.
ما زالت روسيا تقيم عوائق امام اقتراحات أميركية لعقوبات على طهران فقد وقعت مع ايران على عقود طاقة سخية بل انها تنوي ان تنبيعها نظم دفاعية مضادة للهجمات الجوية. الغت روسيا اخيراً جزءاً كبيراً من ديون بغداد ووقعت مع العراق على عقود كبيرة للتنقيب عن النفط. كان احد ضحايا سياسة أميركا الاحادية بعد الحرب الباردة هو حلف شمالي الاطلسي. فرغبة الولايات المتحدة في توسيع حلف شمالي الاطلسي ليست مشتركة بين جميع حليفاتها واوروبا - المتعلقة بتزويد روسيا اياها بالطاقة - غير مستعدة للوصول الى وضع حرب باردة مع روسيا. وفوق ذلك لن تحب الولايات المتحدة ايضا البديل: فإذا اضطرت اوروبا الى مضاءلة تعلقها بالوقود الروسي فستضطر الى التوجه الى ايران.
ان العودة الى استراتيجية الحرب البادرة لن تخدم مصالح الغرب. ان التهديدات بابعاد روسيا عن الدول الصناعية الكبرى الثمان او الغاء عضويتها في منظمة التجارة العالمية سيزيد فقط احساسها بالعزلة ويدفعها الى ان تلعب دور الدولة الثورية التي تعارض الوضع الراهن.
ان روسيا المصابة بالكثير من الادواء الداخلية وباحساس مزمن بعدم الامن على امتداد حدودها الهشة، غير معنية بحرب باردة ثانية. فقد ادتها الحرب في جورجيا الى اصعب ازمة مالية منذ افلاسها في 1998، عندما خرج 17 مليار دولار خارج حدود روسيا في غضون اسبوع واحد فقط. خسرت بورصة موسكو نحو من 15 بالمائة من قيمتها في آب وتنبؤ البنك المركزي الروسي هو انه سيحدث انخفاض بنسبة 25 بالمائة للاستثمارات الاجنبية في السنة الحالية.
لا يمكن ان تكون العودة الى عظمة العصر السوفييتي في جدول اعمال دولة تعاني تلك الادواء التي افضت الى انهيار الامبراطورية السوفييتية. ان روسيا تطمح اليوم الى حلف استراتيجي حقيقي مع الولايات المتحدة لا الى مواجهتها. ان ما يدفع روسيا - المذلة والمدفوعة الى الهامش منذ انقضاء الحرب الباردة - هو محاولة الانضمام الى نظام عالمي جديد يحترم مصالحها على انها قوة صاعدة في الساحة الدولية، وليست عقيدة مواجهة استراتيجية مع الغرب.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.