رقصة الموت الاخيرة للحكومة

08 أيلول 2008 زئيف سيغال - "هآرتس" الاسرائيلية



جلسة الحكومة اليوم هي جلسة آخر الطريق. الطريق الطويل الذي لم يكن مليئاً بالفخر والاعتزاز، سينتهي اليوم مع سلسلة مداولات موضوعية. في الجلسة القادمة سيكتفي الجميع بتوزيع الابتسامات والتربيت على الاكتاف حيث سيكون واضحاً ان الوزراء سيصبحون عما قريب اعضاء في "الحكومة المغادرة" المسماة حكومة انتقالية وليس حكومة عادية بعد ان يعلن رئيس الوزراء ايهود اولمرت عن استقالته.
وماذا يحدث هذا الصباح؟ للوهلة الاولى يبدو ان كل شيء مباح في الدولة التي تفتقد للمبادئ الاساسية الحكومية التي تستند الى القوانين الاساسية. الحكومة هي حكومة رسمية من الناحية الشكلية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وبامكانها شكليا ان تواصل اعمالها من دون قيود قانونية محددة. ولكن مجرى الامور ليس على هذا النحو.
قرار المحكمة العليا المتنوع قال في ظروف وملابسات مختلفة ان كل هيئة ادارية ملزمة بالتصرف بمنطقية وتناسب معقول. في عام الفين حاول المستشار القضائي للحكومة الياكم روبنشتاين ثني رئيس الوزراء ايهود باراك عن مواصلة دفع العجلة السياسية مع الفلسطينيين ولكن الميل للاستمرار تغلب والمحكمة العليا رفضت التدخل في ذلك.
في يوم الاربعاء الاخير صرح المستشار القضائي للحكومة ميني مازوز ان على الحكومة ان تتوخى الحذر المفرط في استخدام صلاحياتها بما في ذلك المجريات السياسية وتنفيذ التعينات السياسية والحكومية هذا في اطار التعامل مع طلبات اعضاء الكنيست لمنع رئيس الحكومة من القيام بخطوات سياسية. المستشار قرر ان الحكومة لا تعتبر بعد حكومة انتقالية ولكن استقالة اولمرت المتوقعة قريبا ستحولها الى حكومة انتقالية وبذلك نحن "في وضع استثنائي وغير عادي يستوجب في هذه المرحلة اتباع نهج حذر في استخدام صلاحيات الحكومة والوزراء".
المحكمة العليا قررت ضمن تركيبة موسعة في كانون الثاني 2001 في التماس ضد المفاوضات السياسية التي اقدمت عليها حكومة باراك بعد استقالته ان هناك مبادئ عامة تتعلق بالحكومة الانتقالية. يبدو ان هذه المبادئ تسري ايضا قبل الاستقالة الرسمية او في موعد مقارب منها.
رئيس المحكمة العليا آهارون باراك اوضح في قرار المحكمة انه لم ينشأ فراغ سلطوي مع استقالة الحكومة وان الحكومة يجب ان تبقى في موقعها لضمان الاستقرار والتواصل. على تلك الحكومة ان تتصرف بمنطق وبصورة تناسبية وان تضبط نفسها بما يتلاءم مع مكانتها الا ان كانت هناك حاجة شعبية للفعل مثل مجال حماية الدولة من الحرب.
التفسير الاكثر وقاحة لهذا القرار جاء من قبل رئيس الوزراء ووزير "العدل" دانيال فريدمان عندما حددا مداولات هذا الصباح حول اقتراح فريدمان بتعديل القانون الاساسي: القضاء، بصورة تقيد قوة المحكمة العليا المتمثلة في الغاء القوانين التي تتناقض مع القوانين الاساسية. الاقتراح تبلور قبل عام الا ان فريدمان احجم عن طرحه على الحكومة خشية قيام حزب العمل باحباطه. الاقتراح رمى الى الغاء الانقلاب الدستوري الذي حدد ما يحدث في اسرائيل خلال الستة عشره عاماً الاخيرة. اليوم من حق كل المحاكم ان تلغي شرعية اي قانون في الوقت الذي لا تفعل فيه ذلك نظرياً وفعلياً الا المحكمة العليا. وفقاً للاقتراح سيكون بإمكان المحكمة العليا فقط من خلال هيئة موسعة من 9 قضاه ان تفعل ذلك وفقط ان تعلق الامر بالمس بالحقوق الاساسية المحددة بالقوانين الاساسية مثل قانون كرامة الانسان وحريته وحرية العمل.
هكذا على سبيل المثال لا يمكن للمحكمة العليا ان تتخذ قراراً بصدد الالتماس الكبير الموضوع امامها في قضية خصخصت السجون النابعة من القانون الاساسي: الحكومة. وفقا لاقتراح فريدمان سيكون بامكان الحكومة ان تعيد احياء كل قانون ترفضه المحكمة العليا بأغلبية 61 عضو كنيست من دون الحاجة كما هو الوضع اليوم لتغير القانون الاساسي، الامر الذي يثير جدلاً شعبياً من دون صلة بالاغلبية الرسمية المطلوبة للتغير.
المحكمة العليا صوتت في كانون الاول 2005 عن انه في الفترة الانتقالية قد حدث امرٌ يتعلق باساس الحكم وان على هذا الحكم ان يضبط نفسه في ممارسة صلاحياته بصدد كل تلك الامور التي لا تعتبر ملحة بصورة خاصة. في آذار 2006 تقرر انه ليس من الملائم في هذه الفترة الخوض في تغيرات مبدئية وقرارات اساسية مثل انتزاع وزير من منصبه بعد تقديم لائحة اتهام ضده.
وزير "العدل" من ناحيته الذي يتجاهل قرار المحكمة العليا وكل تفكير مبدئي قانوني سمح لطرف من حاشيته بالتصريح عن انه لا يقوم بخطوة خاطفة عشية استقالة اولمرت ذلك لان احداً لا يتوقع من الوزراء حتى نهاية ولايتهم ان يكونوا ملتصقين بمقاعدهم من دون قدرة على اتخاذ قرارات في مسائل هامة من وجهة نظرهم.
كل من يحترم سلطة القانون يتوقع من فريدمان ان ينهض ويغادر. رئيس الوزراء الجديد كائن من كان مطالب بالاشارة نحو الباب لفريدمان حتى يعود الى احضان عمله العلمي الذي كان متفوقاً فيه. دولة اسرائيل ليست مختبر ابحاث للتجارب في المحكمة العليا التي هي المعقل الاقوى للفرد في خصامه مع الحكم.


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.