في كل مرة يصل فيها محمود عباس الى ديوان ايهود اولمرت في القدس تستطيل رقبتان حتى آخر نقطة فيهما وكأنما يريد صاحباهما ان يسمعا ان كانت هناك بشارة جديدة للرأسين اللذين تحملهما هاتان الرقبتان. الرقبة الاولى هي رقبة ملك الاردن عبد الله الثاني والثانية رقبة اللبنانيين الجماعية. ذلك لأنه عندما تتقدم عملية السلام بين اسرائيل والفلسطينيين الى اللامكان وعندما تطلق الاحاديث حول الاقتراحات الاسرائيلية للفلسطينيين اشارات حول التقدم في قضية اللاجئين وترسيم الحدود هناك ما يمكن القلق منه بالنسبة للاردن ولبنان خصوصا ما يتعلق في قضية اللاجئين.
'الخيار الاردني ليس قائماً' قال الملك عبدالله في هذا الاسبوع في مقابلة مع صحيفة 'اكسبرس الفرنسية' وكأنه يريد دس هذه الكلمات عميقا في الاذان الاسرائيلية. عبدالله قلق مما قاله محمود عباس قبل ثلاثة اسابيع لصحف عربية بعد زيارته لمبارك. في تلك المقابلة قال انه لا يستطيع مطالبة اسرائيل باعادة كل اللاجئين الفلسطينيين ولكنه لا يقول في نفس الوقت ان احداً منهم لن يعود. 'لا يعقل ان اقترح عودة 5 ملايين لاجئ الى اسرائيل لأنهم سيقولون لي انني اريد القضاء على دولتهم. ولكن لا يعقل ان اقول ان احداً منهم لن يعود. يجب ان يتم دفع التعويض لمن يعود ولمن لا يعود وللدول التي استضافتهم'. في آخر الاسبوع الماضي وعد عباس خلال زيارته الى لبنان بأنه يعارض توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وانه يؤيد تماماً الموقف اللبناني الذي يعارض توطينهم في لبنان. 'لاجئو لبنان سيكونون اللاجئين الذي سيعودون الى بلادهم' . قال عباس. اية بلاد يقصد بالضبط؟ فلسطين المستقلة؟ اسرائيل؟ هو لم يجب على ذلك وانما اعطى تلميحا فقط بوجود نقاش مع اسرائيل حول ذلك. هذا رد يصعب هضمه بالنسبة للاردنيين. ان كان عباس يعد اللبنانيين بعدم توطين الفلسطينيين في بلادهم وكأن الامر يتعلق به فلماذا لا يقطع وعداً مشابهاً بالنسبة للاردن؟
توطين اللاجئين في الدول الخارجية طرح منذ التوقيع على اتفاقيات اوسلو كوسيلة معقولة لحل ملائم للمشكلة. قبل الحرب في العراق انتشرت تقارير غير قليلة حول ان العراق سيستوعب اللاجئين مقابل رفع العقوبات عنه. اما بعد الحرب فلا احد يذكر ذلك والكراهية لهم عميقة جداً بسبب علاقاتهم القوية مع صدام في الماضي ولذلك سيكون من الخطورة ان فكروا باستيعاب اللاجئين في العراق.
لبنان الذي يوجد به 350 الف لاجئ حسب تقديرات الحكومة قلق من زعزعة التوازن الديمغرافي الحساس والهش ان اضيف الى التعداد السكاني 8 بالمائة من المسلمين السنة. لمن سيصوتون في الانتخابات؟ ضد المسيحيين ام ضد الشيعة؟ او مع الدروز؟ ذلك لأن التشكيلة الطائفية في لبنان تجد صعوبة في الحفاظ على التوازن من دون ذلك. يضاف الى ذلك تاريخ لبنان المأساوي في علاقاته مع الفلسطينيين وهناك موقف لبناني موحد يعارض فيه اللبنانيون توطين الفلسطينيين في الدولة وليس فقط حزب الله وفي نفس الوقت لا يعملون على التخفيف عن ظروفهم المعيشية. صوت نصرالله لا يسمع فيما يتعلق في رفع القيود المفروضة على تشغيل الفلسطينيين الامر الذي لا يتيح لهم مزاولة 70 مهنة او شراء العقارات في لبنان. الزعيم الشيعي الذي يحرص جداً على المشكلة الفلسطينية كما يقول لا يقلق لمصير المتضررين من هذه المشكلة في لبنان.
الاردن اصيب بالصدمة. من هنا طرح لبنان صيغة نظرية مفادها ان ثلث اللاجئين يمكن ان يستوعبوا في دول اوروبية من كندا وامريكا وثلث آخر سيعود الى فلسطين والثلث الاخير سيحصل على الجنسية في دول عربية يوجد لهم فيها اقارب. الاردن اصيب بالصدمة ذلك لانه يعرف انه المقصود في هذا الثلث ومن هنا يشعر الملك بالقلق تحديدا. لانه عندما لن يكون عباس رئيسا للسلطة وان حكم في اسرائيل حزب يميني ورئيس مثل شاؤول موفاز مثلا فقد يعاد طرح الخيار الاردني وقد يتبنى احدٌ ما حينئذ الاقتراح اللبناني.
'الاردن يعلم بتفاصيل الاتصالات الجارية بين عباس واسرائيل' قال عضو برلمان اردني لـ 'هآرتس' وعلى سؤال لماذا لا يتم اشراك الاردن فعليا في المباحثات رد البرلماني: 'الاردن قطع صلته بفلسطين كما نعلم وهو لا يريد عموماً المشاركة في مفاوضات ستفشل بصورة مؤكدة. فهل تشارك مصر في هذه المفاوضات ام السعودية؟'.
ولكن قطع الصلة الرسمي ليس سببا للاطمئنان. الاردن يرى حاجة لاعداد الارض على سبيل المثال الحرص على ان تكون حماس الى جانب المملكة وليس ضدها. يتبين ان الاردن لا يستطيع الاعتماد على اسرائيل وحدها ولا على قدرة فتح او السلطة الفلسطينية برئاسة عباس. من هنا شرع الملك في سلسلة مشاورات بدأت منذ آذار مع شخصيات فلسطينية من تيارات مختلفة بما فيها حماس حتى يصل معهم الى تفاهم بأن الخيار الاردني لن تقوم له قائمة وان توطين اللاجئين في الاردن لن يكون جزءاً من الاتفاق هذه المشاورات كانت مقبولة على عباس وبعلمه.
في الاردن الذي يوجد فيه اصلاً ما نسبته 60 بالمئة فلسطينيون تتمحور المشكلة حول طابع الدولة وهويتها. قبل الانتفاضة الثانية وخلالها عندما كانت هناك خشية من هجرة فلسطينية للاردن صرح رئيس الوزراء علي ابو الراغب ان حكومته لن تمنح اي فلسطيني آخر الجنسية الاردنية. اما الان فالوضع اصعب باضعاف المرات.
عندما يكون في المملكة الاردنية قرابة المليوني فلسطيني و700 الف لاجئ من العراق تنجح الدولة بصعوبة في بناء هويتها القومية وشعار نحن عائلة واحدة الذي اريد منه اظهار تماهي الاردن مع المشكلة الفلسطينية استبدل بشعار الاردن اولاً. الصحافيون كتبوا في الاردن ان من الافضل تغيير الشعار الى 'الاردنيون اولا' اي ان الفلسطينيين ايضا مواطني الاردن ليسوا اشقاء فعلا. هذا التمييز جاء خصوصا من قبل رؤساء العشائر البدوية الذين طالبوا الملك قبل سنوات سواء بصورة جدية او لا بعدم التنازل عن التعويضات التي يستحقها الاردن عن استضافة اللاجئين طوال 40 عاما. الحسابات البسيطة التي اجروها وصلت في حينه الى 40 مليون دولار اي 20 الف دولار للاجئ مضروبة بمليوني فلسطيني.
حيلة لتسوية المطلب
الفلسطينيون من ناحيتهم يهدئون روع الملك ويقولون انهم يعتمدون على التفسير القانوني من الايام التي كانت فيها علاقات اسرائيل مع السلطة معقولة. وفقا لهذا التفسير طالما لم تكن هناك دولة فلسطينية سيكون بامكان الفلسطينيين العودة الى اسرائيل وعندما تقوم الدولة الفلسطينية يمكن للاجئين العودة الى وطنهم الجديد. في هذه الصيغة تكمن خدعة تهدف الى تسوية المطلب التاريخي وملاءمته مع الواقع السياسي ذلك لأنه اصلا من دون الاتفاق حول الدولة الفلسطينية، ليس هناك اتفاق حول قانون العودة، وفقط عندما تقوم دولة فلسطينية متفق عليها هي التي ستتولى منح 'الحل اليهودي' للعائدين اليها اي العودة فقط للوطن الجديد.
في غضون ذلك سيبقى اللاجئون في لبنان والاردن وباقي الدول العربية متابعين للمفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية. بعد اقل من اسبوعين سيعرفون ان كان هناك شريك اسرائيلي جديد سيتحمل مسؤولية استمرار المفاوضات. مفاتيح البيوت التي يحتفظ بها اللاجئون عند قلوبهم ستتحمل طبقة اخرى من الصدأ على ما يبدو قبل ان يقوم احدٌ ما بصياغة تفسير عملي بحقهم في العودة او بحقهم في التعويض.