اختيار بالين يشعل حرب الثقافات من جديد
10 أيلول 2008
فيليب ستيفن - "الفايننشال تايمز"
لم أستطع حضور أي من المؤتمرين الرئاسيين هذه المرة. وبعيداً عن المصافحة بسرور، والليالي المتأخرة الحافلة بالفوضى، فإنني متأكد أن شيئاً لم يفتني. إن قضاء أسبوعين وأنت محاصر بفقاعة سياسية من شأنه أن يجعل حكمك على الأمور ضبابياً. تعلمت ذلك مقابل ثمن دفعته بعد مؤتمري بوسطن ونيويورك عام 2004. وذلك على أي حال، مبرري لتوقع متسرع بأن جون كيري سيُخرج جورج دبليو بوش من البيت الأبيض.
عن بعد، فإن تجمع الديمقراطيين هذا العام في دينفر بدا أقل قوة مما شعر به على نحو واضح أولئك الذين اصطفوا عدة ساعات للهتاف من أجل باراك أوباما في إينفسكو فيلد. وبدا أن جانباً كبيراً من الإجراءات كان حول مساعدة آل كلينتون على القبول بخسارتهما. وبطبيعة الحال، ما زال "الثنائي الأول" يعتقد أن الترشيح كان من حق هيلاري كلينتون.
أما بالنسبة لخطبة القبول، فإن براعة المرشح الديمقراطي في اللغة والإيقاع تنتج خطاباً سياسياً مبالغاً فيه إلى أقصى حد. إنه يجعل الأمر يبدو وكأنه بلا جهد على الإطلاق. وتتوافق رسالته من أجل التغيير مع جميع ما يقوله المستطَلَعون لنا حول مزاج أمريكا.
رغم ذلك، عندما شاهدت الحدث على تلفزيون الكابل، كان هناك شيء ما مفقود. ومع أن أوباما قام بكل ما طلب الاستراتيجيون والنقاد السياسيون أن يقوم به: ترك رؤية شامخة ذات التزامات راسخة لأولئك العمال المهمين، إلا أنه من وجهة نظري، بالكاد حقق ربطاً جزئياً بين الأمرين.
قال لي أحدهم في يوم ما - أعتقد أنه كان توني بلير - إن الخطب السياسة الأكثر فاعلية تتضمن حجة بسيطة: إليكم أين نحن اليوم، وأين يجب أن نكون غداً، وهذا هو الطريق لنصل إلى هناك. هذا الأمر الأخير هو ما يفتقر إليه أوباما، فهو لم يحدد مسار الطريق على نحو ملائم.
لجميع هذه الأسباب ألقى مؤتمرا هذا العام ظلالاً جديدة تماماً على المنصة، وثمة أصداء لعام 2004 تثير الأعصاب. وكان ما فشلت في إدراكه بشأن المنافسة عندئذ، هو كيف أن رئيساً تهرب من التجنيد لحرب فيتنام، استطاع أن يحول بطولة ميدان المعركة لخصمه إلى أمر سلبي. وينظم جون ماكين حملته من النص ذاته: إن خصائص أوباما تمثل أخطاءه.
في 2004 أمضى الديمقراطيون عدة أيام في بوسطن وهم يصرون على أن كيري كان مناسباً لمنصب القائد العام. وشعر بطل الحرب أنه كان ملزماً بالظهور على المنصة والتأكيد أنه جاء "ليقوم بالواجب". وبحلول الوقت الذي تجمع فيه الجمهوريون في نيويورك بعد أسابيع قليلة، كانت حملة الديمقراطيين قد طغت عليها تهم زائفة حول خدمة كيري في الزوارق السريعة في فيتنام. وتعين خوض الحرب الانتخابية على أرض بوش.
اعتقدت شخصياً أنني لمست شيئاً من التذلل المخيف ذاته في دينفر: حزب يدحض اتهامات الجانب الآخر بقدر ما يصنع حجته الخاصة، وحزب يائس بشكل واضح ليثبت أن مرشحه الاستثنائي بصدق، هو شخص عادي فعلاً.
في مستهل الأسبوع الماضي بدا تسلسل خطط مؤتمر الحزب الجمهوري وكأنه يتجه نحو الإخفاق. في البداية كان هناك إعصار جوستاف (لماذا أطلق عليه اسم جوستاف؟). هذا الفعل الرباني تبعه ما بدا، مرة أخرى عن بعد، وكأنه تصرف غبي في اختيار ماكين سارة بالين نائبة مفترضة للرئيس.
هل كان قراراً ذكياً قصير الأجل - تأمين دعم ماكين بين أفراد حزبه المحافظين، بينما يستهدف في الوقت ذاته العنصر النسائي خائب الأمل الذي دعم السيدة كلينتون - لكنه يمثل دون أدنى شك خطأً استراتيجياً؟ فرغم خطبته السياسية في مينيسوتا (مع أنها لم تكن بالجودة التي أوحى بها الطوفان)، فما زالت أعتقد شخصياً أن اختياره يضع علامة استفهام كبيرة.
وهذا، على الرغم من ذلك، بمثابة تفويت للهدف السياسي المباشر. فلم يكن ماكين مرتاحاً على الإطلاق من ثقافة المحافظين في حزبه. لكن الضرورة لها حكمها عندما تترشح للبيت الأبيض في سن 72 عاماً. فباختياره بالين وضع ماكين ادعاءه الشخصي للغاية بالوطنية جنبا إلى جنب مع الحروب الثقافية لليمين المسيحي. فهو يعرف تماماً أنه إذا اتضح أن الانتخابات تتمحور حول سجل بوش، أو حول الرؤى المتنافسة للسنين القليلة المقبلة، فمن المؤكد أنه سيخسر. لذا فإنه يحول الأضواء ليتم تسلطيها على أوباما.
من بعض النواحي، فإن الجمهوريين يندفعون نحو باب مفتوح. ففي شخص أوباما، تعتبر الأمور الشخصية، وتلك المنشورة والمعروفة، غير قابلة للتقسيم. وقصته - شبابه، وخلفيته، ولون بشرته، فضلاً عن مواهبه السياسية - تمثل التغيير المقدم إلى الناخبين في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر). أوباما ليس نتاج سلالة، أو سياسات معروفة، أو راعين أثرياء. تجربته الشخصية هي مصدر جاذبيته.
بالنسبة لداعميه - الملايين من الأوروبيين المحرومين من التصويت الذي يرغبون في التصويت لأوباما - فإن ذلك يمثل نموذجياً قصة أمريكية: نهضة أولئك الموهوبين والمصممين، حتى من أكثر البدايات تواضعاً. ويخدم إرث أوباما الإفريقي - الأمريكي في التأكيد فقط على قوة الفرصة.
بين يدي الجمهوريين القوة تصبح ضعفاً. كان كيري بطل حرب، لكن لم يكن من الممكن الوثوق به ليكون متشدداً في مواجهة الإرهاب. و"غرابة" أوباما غير أمريكية إلى حد ما، تماماً مثلما كانت معرفة كيري بالفرنسية دليلاً إيجابياً على افتقاره للوطنية.
في هذا، بطبيعة الحال، يستطيع ماكين المجادلة بالقول إنه يأخذ التلميحات من السيدة كلينتون. وكان مارك بين، رئيس حملتها، هو من كتب في مذكرة تم تسريبها لاحقاً: "لا يمكنني تخيل أمريكا تنتخب رئيساً خلال وقت الحرب، في صميمه ليس أمريكياً أصيلا في تفكيره وقيمه".
الملايين الذين احتشدوا ومولوا حملة أوباما يعتقدون العكس. غير أن الجمهوريين تعلموا منذ فترة طويلة قلب الحقائق رأساً على عقب. والوقائع المملة مثل خلفية أوباما الفقيرة عندما كان طفلاً لأم عزباء مكافحة، والثروة العائلية الكبيرة التي يملكها ماكين، تضيع أمام المنظور المشوه لحروب الثقافات.
على الأرجح أن يكون مرشح الحزب الجمهوري ثرياً للغاية بحيث لا يمكنه أن يتذكر العقارات التي يمتلكها. لكن يمكن أن يضيع ماكين في الزحام، في عرض ريفي - غربي. بينما يصبح أوباما العصامي الإفريقي - الأمريكي النخبوي المناسب.
إذن لديك هذا السباق: مرشح يوفر خروجاً حاسماً على السياسات وسياسات سنوات بوش، وآخر يصنع الجاذبية الجمهورية المجربة والمختبرة للمخاوف العميقة وانعدام الأمن للناخبين الأمريكيين.
سيفوز أوباما بالتأكيد في انتخابات من تدور حول الاقتصاد وحول موقف أمريكا في العالم، ووجهة نظر عريضة لأمن الأمة. لكن عليه أولاً أن يرد على الإهانات الموجهة إلى شخصه. وأجد شخصياً من الصعب تخيل أن مرشحاً استثنائياً يمكن الفوز بالتظاهر بأنه شخص عادي. لكن، لا، لن أطلق أية تنبؤات هذه المرة.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.