مخيّم عين الحلوة: التهديد بتدميره تمهيداً لتطهيره

07 تشرين الأول 2008 غسان سعود - "الأخبار"



يفترض أن يكون الكلام عن تفجير مخيم عين الحلوة مثل الكلام عن تفجير قضاء البترون أو المنية أو صيدا، إذا ما كان المعيار هو عدد الأرواح البشرية التي يضمّها المخيّم. لكن، ربّما كان ناس عين الحلوة هم غير أولئك الناس وفق المعايير الإنسانيّة اللبنانيّة، فيصح بهم ما صحّ بالناس الذين يشبهونهم، والذين «كانوا» يسكنون في مخيم نهر البارد

غسان سعود
قبل أن يصعد الرئيس السويسري باسكال كوشبان إلى طائرته عائداً من لبنان، كانت الرياح الفلسطينيّة تطرق باب الأحاديث السياسية مجدداً. لكن بدل أن يركّز النقاش على مداولات كوشبان مع المسؤولين اللبنانيين، وتقصّي تفاصيل عرضه لحل مسألة الفلسطينيين في لبنان، أطلّ فجأة عنوان أمن مخيم عين الحلوة عبر تبنّي بيان لمنظمة التحرير الفلسطينية، صحّح لاحقاً، النتيجة الحتميّة لسيناريوات تتنقّل بين الناس منذ قرابة شهر، وتتحدث مرّة عن ضربة عسكريّة «تنظّف المخيم من المسلّحين غير المنضبطين»، ومرّة أخرى تجعل المخيم قاعدة لـ«القاعدة» في لبنان.
فبسحر ساحر، سرّب الخبر عن حدث أمني كبير يتربّص بمخيم عين الحلوة. وسرعان ما تحولت الأنظار 180 درجة من الشمال إلى الجنوب، وتحديداً إلى ذلك المخيم الذي أنشئ عام 1948، وهو يشرع أبوابه، منذ 3 سنوات على الأقل، لصراعات فلسطينيّة ـــــ فلسطينيّة، ويغرق في رمال اتهامات الإسلاميين المتحركة، فتأتي السيناريوات لتزيد شدّ قبضات أهله على قلوبهم نتيجة القلق من مصير قدمت تجربة البارد نموذجاً مخيفاً عنه.
مخيم عين الحلوة، الأكبر في لبنان والأقل استقراراً، له أربعة مداخل (المستشفى الحكومي، التعمير، درب السيم، الحسبة)، يرابط الجيش عليها جميعاً، دون أي تشديد في الرقابة، إذ يكفي الزائر أن يبتسم بلطف للعسكري ويريه هويته اللبنانيّة حتى يسمح له بالدخول، ويتغاضى عن تفتيش سيارته.
وفي الداخل، سرعان ما تتضح الكثافة السكانية في مخيم لا يتوسع إلا عمودياً، إذ حافظت مساحته على حالها فيما تضاعف عدد سكانه خمس مرات على الأقل منذ عام 1948 حين كانوا يبلغون خمسة عشر ألفاً.
لا تتمتع القوى الأمنية اللبنانية بأي نفوذ داخل المخيم، ويقتصر حضور الدولة على بعض المخبرين الذين باتوا، وفق مصادر في المخيم، معروفين. وثمة إجماع بين القوى الفلسطينيّة على منع تسليم أي شخص إلى القوى الأمنيّة اللبنانيّة بسبب انتمائه السياسي أو العقائدي. وعموماً، تعد علاقة قوى المخيم بالجيش جيدة، وثمة تنسيق شبه يومي بين ضباط من الاستخبارات والمسؤولين في تنظيمات عين الحلوة السياسيّة ـــــ العسكريّة.

■ الخريطة السياسيّة والمربّعات الأمنيّة

أما الأهم، فهو تقسيم هذا المخيم إلى ثلاثة مربعات أمنيّة على الأقل: مربع حي الطوارئ، ويسيطر عليه تنظيما عصبة الأنصار وجند الشام. حي الباركسات وجبل الحليب، وتحكم حركة فتح سيطرتها الأمنيّة والسياسيّة عليهما. ووسط المخيم ومحيط جامع النور حيث ينتشر مؤيّدو الناطق الرسمي باسم القوى الإسلامية في المخيم ورئيس «الحركة الإسلامية المجاهدة» الشيخ جمال خطاب. وفي كل مربع ثمة أكثر من جامع تسيطر سلطة الأمر الواقع عليهم لتكرّس سيطرتها بقوة رجال الدين، مع العلم بأن نفوذ حركة فتح مادي، فيما نفوذ العصبة والجند ديني بامتياز. والجدير ذكره في رسم خريطة المخيم، أن ثمة أربع قوى أساسية في المخيم هي حركة فتح، تحالف القوى الإسلاميّة (حماس، عصبة الأنصار، جند الشام)، اليسار الفلسطيني، وأنصار الله (المقرّبون من حزب الله)، إضافة إلى بعض المجموعات الصغيرة.
وتدفع حركة فتح أجور قرابة ألف عسكري شهرياً، بينهم قرابة 500 متفرغين بالكامل للعمل العسكري، ويملك هؤلاء السلاح الفردي والمتوسط (B7، ورشاشات). وقد دخل في السنتين الأخيرتين الكثير من السلاح الجديد، بوسائل يقول أهل المخيم إنها شبه علنية. أما المموّلون أو رعاة التسليح فمعروفون لبنانياً بحكم قرب فتح السياسي من بعض المجموعات اللبنانيّة أكثر من غيرها. ويعد العميد منير المقدح رجل فتح الأول في عين الحلوة، بعد نقل خالد عارف إلى بيروت. ومن أبرز الأسماء الأمنيّة في فتح ـــــ عين الحلوة: خالد الشايب، أبو عرب، ومدير الكفاح المسلح أبو علي طانيوس. وقد انعكس التجاذب بين قيادات فتح على حركتهم داخل المخيم، وخصوصاً أنّ المقدح يؤيّد ممثّل السلطة الفلسطينيّة في لبنان عباس زكي ومساعد منظمة التحرير في لبنان كمال مدحت. أما الشيوخ المؤيّدون لفتح، فنفوذهم متواضع مقارنة مع الشيوخ الآخرين، الأقرب إلى القوى الإسلاميّة الفلسطينيّة.
بدورها، تعد حركة حماس القوة الثانية شعبياً في عين الحلوة بعد فتح. وكما في كل مخيمات لبنان، لم تنشئ حماس تنظيماً عسكرياً، محافظة على كونها حركة جماهيريّة، سياسيّة، وإعلاميّة. ويتركز جهد الحمساويين على العمل الاجتماعي والتنموي والديني، مع اهتمام كبير بمحاولة ضبط الوضع الأمني، والحفاظ على أمن المخيم واستقراره عبر التوسط بين الأفرقاء، علماً بأن مسؤولي حماس يؤكدون امتلاك مؤيّديهم سلاحاً فردياً، حالهم حال اللبنانيين قبل الفلسطينيين. وتملك حماس مجمعاً كبيراً في وسط المخيم يضم جامعاً وقاعة ومستوصفاً ومكتبة. كما تملك، أسوة بفتح، أندية وفرقاً كشفية ورياضية.

■ عصبة الأنصار والقوى الإسلاميّة الأخرى

أما عصبة الأنصار، فلا يمكن إحصاء عدد أفرادها الذي ينخفض أو يرتفع بحسب المناخ الإسلامي العام. وقد أثبتت التجارب أن «استهداف» العصبة يزيد من التفاف الناس حولها. والجدير ذكره أن هناك عشرة لبنانيين على الأقل يجتمعون من مناطق مختلفة تحت مظلة العصبة التي تتبنّى الفكر السلفي، وشكلها التنظيمي شبه السري يشبه إلى حد كبير تنظيم فتح الإسلام، وأميرها يدعى أبو عبيدة، يعاونه مسؤول العلاقات العامة أبو طارق السعدي والناطق الإعلامي أبو شريف عقل. وقد سبق أن «استشهد» خمسة وعشرون شاباً مؤيّداً للعصبة على الأقل في العراق، بعدما درّبتهم وأرسلتهم إلى هناك لقتال الأميركيين، وهي احتضنت الكثير من العائدين من العراق الذين وجدوا أن مرسليهم من التنظيمات الأخرى قد «ارتدّوا». من هنا، فهي تضم نخبة المقاتلين في مخيم عين الحلوة. ويتدرب هؤلاء في مركز زين العابدين الذي يضم جامعاً أيضاً. أما السلاح، فهو الأحدث في عين الحلوة، ويقال إن للعصبة بعض التجار الذين يعرفون أسرار السوق السوداء. ويقول أحد المصادر إن العصبة خزّنت خلال السنوات القليلة الماضية عتاداً مؤثراً في أماكن متفرقة، وقد بات لديها ناشطون على امتداد الأراضي اللبنانيّة.
ورغم تبنّي أنصار العصبة بداية مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول أهل المخيم إن هؤلاء تغيروا اجتماعياً، وباتوا سياسياً جزءاً من الحالة الفلسطينيّة.
وضمن القوى الإسلاميّة في عين الحلوة، هناك أيضاً جند الشام الذين أعلنت عصبة الأنصار أثناء أحداث مخيم البارد حلّ تنظيمهم. ويعد مؤيّدو جند الشام الذين، بحسب أكثر من مصدر مؤثر في المخيم، يتفرقون ليعودوا ويجتمعوا عند نداء الواجب، الأقرب إلى تنظيم فتح الإسلام عقائدياً. وليس هناك اليوم أمير علني يوجه أهل جند الشام. وعن قصة هذا التنظيم الإسلامي والنائبة بهيّة الحريري، يقول أحد مراجع حماس في مخيم عين الحلوة إنهم قصدوا قبل قرابة سنتين الرئيس نبيه بري ومفتي الجمهورية محمد قباني والنائبين أسامة سعد وبهية الحريري لمراجعتهم بشأن قرار الجيش الدخول إلى منطقة التعمير، ومحاولة حل المعضلة دون عقبات، وخصوصاً أن عائلات مقاتلي جند الشام تعيش في تلك المنطقة. فتبرعت الحريري بمبلغ مئة ألف دولار كبدل منازل لخمس عشرة عائلة. وهنا انتهت العلاقة بين الجند والست، لكن الخبرية ظلت تتفاعل آخذة مرة عنوان «جند الست» ومرة «ست الشام»، وخصوصاً أن تيار المستقبل حاول اختراق منطقة التعمير التي يؤيد غالبية سكانها الصيداويين النائب أسامة سعد، وكان جند الشام الوسيلة الحريرية الأفضل لإحداث خرق في هذه المنطقة.
وفي عين الحلوة، هناك بعض النفوذ وسط الإسلاميين للحركة الإسلامية المجاهدة التي يرأسها الشيخ جمال خطاب (الذي ألقيت قنبلة قرب جامعه قبل عشرة أيام). ويركز خطاب اهتمامه، بحسب أهل المخيم، على بناء المساجد والمعاهد الشرعيّة والروضات وتعزيز دور لجنة الزكاة. ويملك خطاب قدرات ماديّة كبيرة، تدّعي القوى السياسية في المخيم أنها تجهل مصدرها. ويذكر أيضاً أن للسلفيين الجهاديين المستقلين عن القوة الإسلاميّة الرئيسيّة في المخيم وجوداً صغيراً، ومعظمهم فلسطينيون يشكّل المبدأ الأول في لقاءاتهم ألا يجتمع أكثر من اثنين.
ويؤكد متابعون داخل المخيم يتمتعون ببعض الحيادية أن حركة فتح تواجه تراجعاً مخيفاً منذ سنوات في عين الحلوة نتيجة صعود الإسلاميين غير المسبوق، حيث ينسّق هؤلاء في ما بينهم، ويترفعون فوق تمايزاتهم، على حساب فتح التي تتآكل شيئاً فشيئاً نتيجة مواقفها السياسيّة ومشاكلها التنظيميّة. ويستفيد الإسلاميون خصوصاً من المساجد، حيث يوصلون أفكارهم إلى الآلاف في خطبة واحدة. من هنا، يمكن فهم التوترات والاغتيالات والتفجيرات التي يسمع اللبنانيون بها كل بضعة أيام. فهي فلا تتعدى بحسب أكثر من مصدر محاولة من فتح لإبقاء كرامتها في صراع على النفوذ بينها وبين العصبة. والطرفان يتمركزان على حدود مربعيهما، وكلما اقترب مسلح من المربعين باتجاه الآخر، أطلق القناصة النار عليه. هكذا اغتيل شحادة جوهر ورفاقه، إذ سقطوا على خط التماس بين مربعي الطوارئ والباركسات.

■ لجنة أمنيّة جديدة تضمن سلامة المخيّم

لكن، في ظل هذه الصورة لتوزُّع القوى السياسية في عين الحلوة وعرض قدراتها الأمنيّة، كيف يمكن للأحداث العسكريّة أن تتطور، ولماذا هذا الضجيج بشأن الخطر من عين الحلوة وعليه.
في المخيم، ثمة من يقول إن الرئيس الفلسطيني محمود عباس تعهد في زيارته الأخيرة للبنان إنشاء لواء فلسطيني، وادعاء تنظيم السلاح، تمهيداً لسحبه من القوى التي يصفها البعض بالإرهابيّة. ومن هنا، يرى هؤلاء أن هدف الصدمات الأمنيّة والأخبار عن مجموعات تفد من كل المناطق إلى عين الحلوة يخدم هذا التوجه، مذكرين بتدرج الخطاب السياسي والإعلامي عن خطر فتح الإسلام في مخيم نهر البارد. وبرأي هؤلاء فإن القوى الأساسيّة في عين الحلوة، وضمنها الشريحة الأكبر من مؤيدي فتح، يعرفون رمزية المخيم، ويثقون بأن مخيم البارد لن يُسترد أبداً. من هنا، شكلوا لجنة أمنيّة من كل القوى لحل الإشكالات المتفرقة. ويفترض، بحسب المسؤول في حركة فتح منير المقدح، أن تعلن اليوم لجنة أمنية جديدة تضم 17 ضابطاً من كل القوى السياسية في عين الحلوة، تضمن أمن المخيم، ولا تبقي أرضاً في المخيم يحظر الدخول إليها.
وبرأي المقدح، فإن أدوات تهجير الفلسطينيين من عين الحلوة لم تنضج بعد، مؤكداً أن تجربة البارد لن تتكرر أبداً إذ «بترنا يداً حتى لا نصل إلى الرأس، وعين الحلوة هي الرأس، والمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين»، معوّلاً على اتفاق سياسي بين الفلسطينيين والحكومة اللبنانيّة يضع حداً لكل «قيل وقال».

■ ثلاثة أسباب تمنع التفجير

أما في صيدا، جارة عين الحلوة، فيُشغل الحريريون بتوضيح ما نقل «زوراً» عن النائبة بهية الحريري، مؤكدين عدم معرفتهم بأي خطط بشأن المخيم، فيما يرى رئيس بلدية صيدا عبد الرحمن البزري أن حركة المجتمع السياسي في عين الحلوة لا تترك مجالاً للفراغ بل لمجرد ثقب سياسي تمر عبره تنظيمات مماثلة لفتح الإسلام التي استفادت شمالاً من الفراغ السياسي. وعملياً، الكل يستفيد داخل عين الحلوة وخارجها من التوازنات القائمة التي لا تغير شيئاً في المعادلة السياسيّة العامة إن هي تغيّرت.
ويرى البزري أن ثلاثة أسباب أساسيّة تمنع تفجير عين الحلوة:
1ـــــ عدم استعداد الإسلاميين، حتى أكثرهم تشدداً، لمغامرة مقفلة الآفاق في ظل تماسك الجنوب شيعياً، والزهراني مسيحياً، وصيدا قومياً، وعدم وجود تمدد اجتماعي وثقافي سنّي يخدم نيّات هؤلاء كما هي الحال في طرابلس.
2ـــــ وجود جديّة لبنانيّة ودوليّة في حسم أي خلل أمني على اعتبار صيدا ممراً أساسياً للقوات الدوليّة.
3ـــــ أخذ الجيش العبرة من معركة نهر البارد، واعتماده في حل أي مشكلة على العلاقات الوطيدة بين مختلف تنظيمات عين الحلوة السياسية والعسكرية وفعاليات صيدا.
أضف إلى ذلك اعتراف الجميع بأن ضرب المخيم يلغي الوجود الفلسطيني في لبنان، ويقضي بنسبة كبيرة على حركة فتح، الأمر الذي ستكون له ارتدادات كارثية، نتيجة توزع أنصار فتح على المجموعات الجهاديّة، وهو الأمر الذي يترقبه البعض ربما.
كل ذلك، يدفع إلى العودة من صيدا بصورتين:
1ـــــ انفتاح ذلك المخيم، الذي يستنسخ الواقع اللبناني بتعدديته وتشنجاته وتفجيراته، على عدة احتمالات أبعدها، وفق كل قواه السياسيّة، المواجهة العسكرية مع الجيش.
2ـــــ اعتبار الفلسطينيين، الناس قبل السياسيين، من تجربة نهر البارد. ووعيهم لمواجهة أي خطط تهجيريّة جديدة، وجديتهم في معالجة مشاكلهم بأنفسهم.




Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.