الحشود السوريّة: مخاوف بالَغَ الموالون في وصفها ولم تقلق المسؤولين
07 تشرين الأول 2008
نقولا ناصيف - "الأخبار"
حُمّلت الحشود العسكرية السورية في الجانب الآخر من الحدود أكثر ممّا ينبغي، وانطوت مقاربتها على أبعاد سياسية أكثر منها تقنية على غرار الدور الذي اضطلع به الفريق المستقلّ لتقويم الحدود مع لبنان في تقريريه عامي 2007 و2008. كان هذا الموضوع مثار اهتمام سفارات دول كبرى في بيروت بتقويم ما رمت إليه دمشق من هذه الحشود، مستطلعة الموقف الرسمي اللبناني، سرعان ما عكست تصريحات أدلت بها خارجيات تلك السفارات لاحقاً هذا الاهتمام. قال وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير، الذي غالباً ما يقف إلى يمين قوى 14 آذار في كل موقف يتخذه ضد سوريا، إنه غير قلق من الحشود العسكرية. بدوره عبّر نائب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى دافيد هيل عن رأي احتمل الإيجابية أكثر منه السلبية بقوله إنه لا تفسير لديه للحشود السورية، لم يقل إنه يشكك بأهدافها، ولا طبعت ردّ فعله نبرة حادة درج عليها هو ونظراؤه في الخارجية الأميركية، ولم يظهر في المقابل موقفاً يُستشم منه تبرير للتصرّف السوري في وقت تحذو فيه واشنطن حذو دمشق، متأخرة، في فك العزلة عن نظام الرئيس بشار الأسد.
بذلك، في ضوء مراجعة المسؤولين اللبنانيين مع دبلوماسيين غربيين تتبعوا موضوع الحشود السورية، انتهت خلاصتهم بمعطيات منها:
1 ـ يتعامل لبنان مع حدوده الطويلة مع سوريا انطلاقاً من واقع لا تنكره سوريا هو القرار 1701 الذي طرح هذا الملف للمرة الأولى على الصعيد الدولي، ثم أتى الفريق المستقل لتقويم الحدود في مهمتي ليبات 1 وليبات 2 لتكريس اهتمام المجتمع الدولي بمراقبة حدود البلدين. ورغم أن تقريري الفريق المستقل لم يكونا إيجابيين تماماً، وهما يشيران إلى شوائب لا تزال تمنع السيطرة على جانبي الحدود واستمرار أعمال تهريب السلاح، فإن ذلك دفع في اتجاه فعلي لتدويل حدود البلدين باتا يسلّم به لبنان وسوريا معاً، الأمر الذي حمل المسؤولين السوريين، وفق مصادر دبلوماسية رفيعة، على مفاتحة ألمانيا في مساعدتها لمراقبة الحدود من الجانب الآخر منها أسوة بالنتائج الإيجابية التي أفضت إليها مهمة القوة الدولية العاملة في نطاق القرار 1701، والألمان خصوصاً، للحصول على خبرة هذه القوة والتقنية المتقدمة المتوافرة لديها. وقد تضمّن هذا الموقف، بحسب المصادر الدبلوماسية الرفيعة، إقرار دمشق بعدم كفاية التقنيات والخبرات والإجراءات التي لديها للسيطرة على حدود مسيّبة منذ الأربعينات ويفلت منها ما يزيد على 60 معبراً غير شرعي.
2 ـ طرح البيان الختامي للقمة اللبنانية ـــ السورية (14 آب) ضبط الحدود ومراقبة التهريب وتكليف اللجان المختصة متابعة هذا الملف، سرعان ما أفضى إلى اجتماعين متلاحقين، أولهما عقده رئيس الجمهورية ميشال سليمان مع وزيري الدفاع والداخلية الياس المرّ وزياد بارود وُضعت فيه الخطوط العريضة لضبط الحدود من الجانب اللبناني، وثانيهما جمع المرّ وبارود مع قادة الأجهزة الأمنية والجمارك في اليرزة في السياق نفسه. ثم جاء اتصال الرئيس اللبناني بنظيره السوري قبل يومين كي يؤكدا ما اتفقا عليه. حمل ذلك المسؤولين اللبنانيين على إدراج الحشود السورية في إطار «التنسيق» المتبادل بين الطرفين في محاولة للسيطرة على الحدود. بدورها، قيادة الجيش كانت قد بدّدت المخاوف من التحرّكات العسكرية السورية، في ضوء تصاعد السجال السياسي حولها، بأن أعلنت معرفتها بها قبل حصولها من القيادة العسكرية السورية.
رمى ذلك، في ضوء ما تناولته قمة دمشق إلى مناقشة الانفلات الحدودي تبعاً لمنطق تفاوض دولة ودولة والأخذ بالإجراءات التقنية في مرحلة أولى، تزامناً مع التقدّم الذي أحرزته مهمة الفريق المستقل للحدود منذ مهمتها الأولى في 27 أيار 2007، والذي لا يسعه في كل حال تغطية كل حدود البلدين الممتدة على أكثر من 380 كيلومتراً، مع أن التقرير الثاني للفريق الدولي صدر بعد أكثر من 10 أيام على قمة الرئيسين. ذلك أن المعسكرات الفلسطينية ومخيمات تدريب حزب الله وبعض القواعد العسكرية لا تزال خارج نطاق مهمة ليبات، وستكون مثار مناقشة بين المسؤولين الأمنيين في البلدين قريباً توصّلاً إلى حلّ سياسي لها.
3 ـ أن الحشود العسكرية كانت داخل الأراضي السورية، ولم تلامس حدود البلدين، كما لم تتخذ وضعية عدائية حيال الجانب الآخر، ولا بدت في موقع هجومي، على الأقل على نحو ما يُقدم عليه الجيش الإسرائيلي من وراء الحدود الجنوبية عندما يحشد قواه لمهاجمة لبنان. وفي واقع الأمر، لم يرَ المسؤولون اللبنانيون في الحشود إلا جزءاً من تعاون اتفق الرئيسان حوله في قمة دمشق، سواء جاء تنفيذاً للقرار 1701 أو بدا تدبيراً موازياً له في نتائجه. وهي المعطيات نفسها التي حصل عليها سفراء دول كبرى من المسؤولين اللبنانيين للتأكد من مغزى تلك الحشود. بيد أن لبنان الرسمي ينظر إلى ملف الحدود مع سوريا تبعاً لقاعدتين: أولاهما، الإجراءات الميدانية لضبطها، وثانيتهما، الخيارات السياسية التي تتصل بموقفه من مجمل ملف العلاقات مع سوريا بما في ذلك ضبط الحدود وترسيمها وتأكيد سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها من الجانب الآخر، الأمر الذي لم تخض قمة دمشق فيه بإسهاب في الوقت الحاضر، مكتفية بإجراءات تقنية سريعة.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.