وقائع من "الوساطة المتقدمة" بين صفير وفرنجية

07 تشرين الأول 2008 عماد مرمل - "السفير"



أصبح للمصالحة المسيحية نوع من »البورصة السياسية« التي ترتفع أسهمها تارة وتنخفض طورا، تبعا للمعطيات التي تستجد يوما بعد يوم، كما ان الاخبار المتعلقة بمساعي المصالحة باتت لها »نشرة يومية« كنشرة الطقس.. وتقلباته.
وبقدر ما تبدو هذه المصالحة حتمية في نظر البعض، انسجاما مع المسار العام للوضع في لبنان، يؤكد البعض الآخر ان شروط »نضوجها« لم تكتمل بعد، أقله حتى يوم أمس، خلافا لـ»الضخ الاعلامي الموجه« الذي يمارسه طرف معين، للإيحاء بإيجابيات غير واقعية او غير دقيقة، سعيا الى حشر الطرف الآخر وإحراجه.
وبموازاة هذا التجاذب، تستمر الجهود من أجل ردم الهوة بين الطروحات المتباينة حيال كيفية إنجاز المصالحة. وفي هذا الاطار، تواصل الرابطة المارونية مساعيها الحثيثة، معتمدة سياسة »النفس الطويل«، و»مترسملة« بإجماع الاطراف المعنية على قبول مبدأ المصالحة.
وعُلم ان اجتماعات واتصالات تجريها الرابطة مع تيار المردة و»القوات اللبنانية« والتيار الوطني الحر، بعيدا عن الاضواء، لتقريب وجهات النظر حول مسائل تتصل بتفاصيل المصالحة من حيث الزمان والمكان والبيان، وقبل كل شيء بطبيعة اللقاء المنتظر الذي يريده جعجع ثنائيا، بينما يصر فرنجية على جعله ثلاثيا بوجود عون او رباعيا إذا رغب الرئيس الاسبق أمين الجميل في الانضمام اليه، وحجة فرنجية في التمسك بحضور عون انه لا بد للجنرال من ان يكون شاهدا على المصالحة او راعيا لها، إذا كان لا يعتبر نفسه طرفا فيها، وذلك حتى تأتي هذه المبادرة بحجم طموحات المسيحيين.. وأحجامهم.
وفي حين يُتوقع ان تستمر خلال اليومين المقبلين الحركة المكوكية التي تقودها الرابطة المارونية، لمحاولة التوافق على آلية التلاقي، تعرب مصادر الرابطة عن تفاؤلها بالنتائج المرتقبة لهذا التحرك ولكنها تتفادى الجزم منذ الآن بالوصول اليها حتما، مستشهدة بالمثل الشائع: »ما تقول فول حتى يصير بالمكيول«. وتشير المصادر الى ان تطلعات الرابطة واقعية وتتمحور حول ضرورة تجنيب الشارع المسيحي مخاطر الصراع بين أقطابه، عن طريق إيجاد صمامات أمان له، مع تركه يأخذ مداه السياسي والديموقراطي.
وفي الانتظار، يبدو واضحا، ان تكتيكات سياسية متنوعة تُستخدم من هنا وهناك لتسجيل أهداف وكسب نقاط، حيث كان ذلك متاحا، تحت مظلة البحث عن المصالحة المفقودة. ولعله يمكن القول، مع قليل من المجازفة، بأن الاطراف المتخاصمة المعنية بالتصالح، ليست متحمسة كثيرا في أعماقها لتجرع هذه الكأس التي وبرغم حلاوة ما يطفو على سطحها، إلا ان جوفها يفيض بالمرارة، وخصوصا بالنسبة الى رئيس تيار المردة سليمان فرنجية الذي يشعر بأنه يستعد لتناول دواء مر، ولذلك يسعى الى مزجه بـ»جرعة عونية« تسهل ابتلاعه.
قد يكون رئيس الهيئة التنفيذية في »القوات اللبنانية« سمير جعجع هو الاقل تضررا من المصالحة في هذا التوقيت بالذات، ولهذا السبب يضغط في اتجاه حصولها، ولكنه يريدها »موضعية« بحيث تأتي على قياسه حصرا، بما يتيح له قطف حسناتها وتجنب سيئاتها، وهذا لا يتحقق من وجهة نظره إلا بلقاء ثنائي يجمعه مع فرنجية، دون عون، فيحتوي الاول ويحيّد الثاني، والاهم ان مثل هذا اللقاء سيمنحه ما يشبه »براءة ذمة« على مسافة أشهر قليلة من الانتخابات النيابية، الامر الذي من شأنه ان يريحه في معركته الانتخابية، لا سيما ان خصومه سيجدون أنفسهم مكبلين بقيود المصالحة التي ستلزمهم بتخفيف لهجة الخطاب السياسي، على قاعدة تنظيم الخلاف وتشذيبه.
أما بالنسبة الى سليمان فرنجية، فإن مشروع المصالحة مع جعجع ليس مغريا كثيرا بحسابات الربح والخسارة، وأغلب الظن انه يقارب هذه المصالحة على أساس انها شر لا بد منه. وما يجعلها تفقد آخر عناصر جاذبيتها المظهرية أنها تجيء في مرحلة التحضير للاستحقاق الانتخابي، علما ان فرنجية هو القائل بأن الخصومة مع جعجع هي أفضل حليف له وللعماد عون في معركتهما للحصول على الاكثرية المسيحية في المجلس النيابي المقبل.
وعليه، يوحي المقربون من فرنجية بأن المصالحة مع جعجع هي بمثابة »تضحية« يقوم بها رئيس تيار المردة، بعيدا عن الاعتبارات المصلحية، وذلك لتحصين الوضع المسيحي وطي صفحات الماضي السود، من أجل الارتقاء بالصراع السياسي على الساحة المسيحية الى مستوى حضاري وديموقراطي لا يلطخه الدم المجاني.
وللتدليل على مصداقية هذا الطرح، يلفت هؤلاء الانتباه الى ان فرنجية كان اول من بادر الى مد اليد الى سمير جعجع بعد خروجه من السجن، ولكنها بقيت طيلة الفترة الماضية معلقة في الهواء لانها لم تجد يدا أخرى تلاقيها، معتبرين ان رئيس تيار المردة كان متواضعا منذ البدء وحتى اليوم في السقف الذي حدده للمصالحة، إذ اقتصرت شروطه على جوانب إجرائية تتعلق بضرورة مشاركة العماد عون في أي لقاء مع جعجع، ووجوب عقد هذا اللقاء في قصر بعبدا بحضور ممثل عن البطريرك الماروني، بينما كان بمقدور فرنجية لو أراد تعقيد المسألة ان يشترط إقرار جعجع مسبقا بخطيئة الهجوم على إهدن وقتل عائلته وصولا الى مطالبته باعتذار شخصي، كمدخل الى أي مصالحة.
وإذا كانت الجهود الهادفة الى إتمام المصالحة بين القادة السياسيين على الساحة المسيحية هي التي استقطبت الانظار خلال الايام الماضية، فإن مصالحة موازية يجري العمل على إنجازها بعيدا عن الاضواء والضوضاء بين البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية.
وعلمت »السفير« من مصادر مطلعة ان المساعي لترتيب مصالحة صفير ـ فرنجية هي جدية وقد قطعت شوطا كبيرا، على ان تُستكمل بعد عودة البطريرك الماروني الى لبنان، علما ان اللقاء بين الرجلين كاد يتم قبل سفر سيد بكركي، ولكن مقتضيات وضع اللمسات الاخيرة على الوساطة استوجبت تأجيله.
وفي المعلومات ان المطران بولس مطر زار الاسبوع الماضي فرنجية في بنشعي وعقد اجتماعا معه بحضور القياديين في تيار المردة يوسف سعادة وشادي سعد، جرى خلاله البحث في كيفية ترميم العلاقة بين صفير وفرنجية الذي أكد مرة أخرى ضرورة ان تكون بكركي فوق جميع الأطراف المسيحية وعلى مسافة واحدة منها، فلا تنحاز الى جانب فريق على حساب آخر، بل تقارب القضايا الوطنية الكبرى وتهتم بتفعيل الدور المسيحي ضمن السلطة


Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.