لبنان أمام فرصة استثمار الاستقرار في مواجهة الأزمة المالية العالمية
07 تشرين الأول 2008
روزانا بومنصف - "النهار"
سلطت زيارة وفد من قوى الرابع عشر من آذار للعاصمة الفرنسية الضوء على نشاط يرمي الى ابقاء لبنان في دائرة الاهتمام في حمأة الانشغالات الاقليمية والدولية باولويات اخرى تبعده عن الواجهة، في حين يشكل هذا النشاط بالنسبة الى كثيرين اعادة تحديد وتركيز للاولويات السياسية للافرقاء في لبنان في موازاة التحضير للانتخابات النيابية المقبلة.
وتفيد معطيات ان زيارات لوفود من قوى 14 اذار يتم التحضير لها لدول غربية اخرى من اجل تفسير المواقف التي رسا عليها الوضع في الداخل في مقابل التأكد من ثبات المجتمع الدولي عند اولويات استقلال لبنان والمحكمة الدولية ومتابعة تركيز العلاقات اللبنانية - السورية على اسس ندية سليمة. وهي التأكيدات التي اعادت فرنسا اعلان التمسك بها من بين ثوابتها حيال لبنان على نحو خاص، والقائمة على دعم البلد ومؤسساته الشرعية في رئاسة الجمهورية والحكومة ومجلس النواب والجيش، مما يعزز المواقع والاوراق الداخلية لهذه القوى في مقابل محاولات مماثلة من افرقاء آخرين تمثلت في الاستقبالات اللبنانية التي اعادها الرئيس السوري بشار الاسد الى الواجهة العلنية بقوة وكثافة بعد انقطاع لثلاث سنوات عقب الانسحاب السوري من لبنان في نيسان 2006. وذلك على رغم ان المرحلة يجب ان تحكمها علاقات مختلفة وفق ما يرى كثيرون نتيجة مقاربة جديدة ينبغي ان تعتمدها سوريا حيال لبنان.
هذه التطورات السياسية في مقابل التهدئة الداخلية الحاصلة تحت عناوين المصالحات بين الافرقاء تبقى معقولة ويمكن فهمها، وحتى انها تلقى تشجيعا باعتبار ان التوقعات للانتخابات المقبلة تفيد باستعدادات سياسية قوية من اجل حسم ديموقراطي اقله ظاهريا على مستوى المرحلة والانتخابات معا. لكن ما يهم في المقابل هو المحافظة على اكبر قدر ممكن من الاستقرار الامني والسياسي. فلا يجوز ان تطيح حمى الانتخابات الهدوء السياسي في ظل الحاجة الى بذل كل جهد ممكن لمنع الخروق الامنية الخطيرة على ما يحصل عادة من متضررين اياً كانوا يتربصون بالوضع اللبناني ويقومون بعمليات ارهاب تذكيرية لابقاء لبنان مهتزاً امنيا وسياسيا على حد سواء. وثمة اسباب جوهرية لذلك تتعدى حتمية المحافظة على الاستقرار، الى امور اخرى على رغم ان للاستقرار الاولوية المطلقة. اذ ندر ان كان لبنان في منأى عن اي اهتزاز او ازمة عالمية او اقليمية من اي نوع، على غرار ما هو حاليا في غمار الازمة المالية التي تشهدها الاسواق العالمية والخليجية. والامر في لبنان ليس تعتيما في الواقع على ما يعتقد ان بعض دول المنطقة مارسته لاسباب خاصة بها، خصوصا ان اللبنانيين يخشون دوما المفاجآت في مسائل من هذا النوع وكل انواع الانعكاسات التي تصيبهم. بل ان الوضع المالي في لبنان بقي في مأمن لاعتبارات تتصل بوجود انفصال تام بين المصارف التجارية اللبنانية والمصارف الاستثمارية في الولايات المتحدة التي كانت اول من تعرض للازمة، الى جانب اسباب اخرى شرحها الخبراء الاقتصاديون ولا يزالون خلال الايام الماضية، علما ان ذلك لا يعني ان بعض شركات التأمين من اصحاب الامتدادات العالمية مثلا قد يكون في منأى عن التأثر ببعض الخسائر.
لكن المهم في الازمة الراهنة هو ان لبنان ربما يكون امام فرصة جديدة تمكنه من تعويض اهدار فرصة الافادة من الفورة النفطية خلال العامين الماضيين على ما يقول خبراء اقتصاديون متابعون. وشرط الاستفادة من هذه الفرصة يكمن في تحصين الوضعين الامني والسياسي على نحو يسمح للبنان بتجنب عدم الاستقرار الذي يمكن ان يمنع عليه هذه الفرصة. فهناك من جهة الخطة الاميركية لمعالجة الازمة المالية، وهي خطة لاحتواء الازمة وليست للانقاذ، بينما ينصب الاهتمام على معالجة النمو الاقتصادي لئلا تمتد الازمة الى القطاع الاقتصادي وتغدو الازمة شبيهة بما جرى عام 1929، ثم تنتقل الى القطاع الاجتماعي. وهناك من جهة اخرى نظام مالي جديد وتشريعات ستقدم عليها الدول الغربية يمكن ان تحد من حرية التعاملات المصرفية والتداولات في الاسواق المالية العالمية الى حد يمكن معه القول ان النظام المالي الجديد يتحول من الليبرالية المطلقة الى الليبرالية المقيدة. ويحدد الخبير غازي وزني مثلا ثلاثة مجالات على الاقل لامكان "قطف" لبنان الاستثمارات التي توظف بمليارات الدولارات في المصارف الاستثمارية العالمية او تلك التي وظفت في العقارات في اميركا واوروبا وتكبد اصحابها خسائر فادحة، هي الاستثمارات العقارية التي ارتفعت بنسبة تزيد على اربعين في المئة والمرشحة للارتفاع اكثر في المرحلة المقبلة، والاستثمارات في القطاع المالي اللبناني الذي اظهر جدية إن في القطاع المصرفي او في البورصة، او حتى في الاستثمار في القطاع الصناعي الذي اظهر بدوره تحسنا ملموسا.
من هذه الزاوية يبدو الاستثمار في المصالحات السياسية باباً مهما جدا لتعزيز الاقتصاد ومعه القطاع المصرفي، فضلا عن جذب المستثمرين الذين يمكن ان يجدوا في لبنان ملاذا آمنا لهم، وخصوصا ان الازمة لا يتوقع انتهاؤها غدا بل قد تمتد سنة ونصفاً او سنتين على الاقل.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.