بداية عصر جديد من الرأسمالية العالمية
07 تشرين الأول 2008
رنا فروهار - "نيوزويك"
ان أسبوعا حافلا بالكلام المؤثر والأفعال الأكثر تأثيرا. فيما كان الكونغرس الأميركي يناقش ثم يعارض ثم يعدل وفي النهاية يقر خطة إنقاذ بنوك البلد المتداعية التي ستبلغ كلفتها 700 مليار دولار، ارتفعت مؤشرات البورصات العالمية وانخفضت بشكل يمكن وصفه بأنه يشبه حركة الأفعوانية. سجل مؤشر داو جونز أكبر خسارة له منذ عقدين قبل أن يعوض معظم تلك الخسارة، منخفضا ومرتفعا من جديد بمئات النقاط كل يوم من أيام الأسبوع فيما كانت خطة وزير الخزانة هنري بولسون تشق طريقها عبر الكونغرس. وســـاد الارتياب في أوساط المقرضين، وارتفاع نسب فائدة الإقراض بين البنوك إلى مســتوى قياسي كان دليلا على أنه لا أحد يعرف
أيا من البنوك سيعاني الخسارة الكبيرة التالية بعد أسابيع من بدء الأزمة المالية. وشعر صغار المستثمرين بالضغط الشديد. هذه المرة، كانت طوابير الزبائن الذين يسعون لشراء الذهب داخل البنوك أطول من طوابير سيارات الليموزين التي كانت تصطف عادة أمام ساحة سافوي الراقية في لندن. وكان معظمهم يدفعون 100 دولار للأونصة أكثر من السعر المعلن في السوق ليخرجوا حاملين النقود والسبائك. كثافة الطلب على النقود الذهبية كادت تفوق المخزون. وقد قال أحد المشترين: "إنه استثمار آمن على الأقل. أعني، ماذا تفعل كل هذه البنوك بأموالنا في كل الأحوال"؟
إنه السؤال الذي يدور في أذهان الجميع. ولم يعد يتم التشكيك فقط في مسألة امتلاك البنوك السيولة اللازمة، بل أيضا في النظام الرأسمالي الأنغلوساكسوني برمته. التفكير الاقتصادي الذي ساد خلال ثلاثة عقود كان أن الأسواق قادرة على ضبط نفسها، لكن فيما كان السياسيون الأميركيون يذعنون للسخط الشعبي إزاء فكرة إنفاق نحو تريليون دولار من أموالهم التي جنوها بعرق جبينهم لإنقاذ أسياد التبذير في العالم الذين بدوا وكأنهم لم يقوموا بإرساء شيء ذي قيمة حقيقية (بل العكس هو الصحيح في الواقع)، كان واضحا أن الفكرة القائلة "ما هو لمصلحة وول ستريت هو أيضا لمصلحة الشعب" لم تعد تنطبق على ذلك الوضع.
الآن، فيما يزول تأثير إيديولوجية ريغان وتاتشر أمام أعيننا، ثمة حس ملموس بأننا نتخطى عصرا ذهبيا سادت فيه الأسواق الحرة وسهولة الحصول على قروض، والصفقات عالية الخطورة، والمكافآت الكبيرة، وندخل عصرا جديدا يصعب فيه الحصول على قروض وتكثر فيه القوانين الصارمة وتقل فيه المضاربة ويزداد التدخل الحكومي في الأسواق. السياسيون في كل مكان، والتواقون لإعادة فرض نفوذهم، يدعون إلى اعتماد قوانين جديدة و"إصلاح" النظام المالي. في غضون ذلك، فإن الدول الاستبدادية الرأسمالية مثل الصين، فضلا عن الدول الديموقراطية الاشتراكية مثل ألمانيا وفرنسا، رحبت بالأزمة بموقف يتراوح بين الارتياح ومقولة "حذرتكم من ذلك". كلتاهما كانتا تخشيان النموذج الأنغلوساكسوني، ولكن لأسباب مختلفة. أزمة وول ستريت تعني الآن أن نموذجيهما ليسا قادرين على الاستمرار فحسب بل على الازدهار أيضا. في فرنسا، يخطط الرئيس ساركوزي لإقامة منتدى عالمي "لإعادة النظر في الرأسمالية"، معلنا أن "شرعية تدخل القوى العامة في عمل النظام المالي لم تعد موضع نقاش". وقد قالت أنغيلا ميركل الألمانية الأسبوع الماضي: "قبل بضع سنوات، كان من الشائع القول إن الحكومات ستزداد ضعفا مع انتشار العولمة. لكن رأيي كان مخالفا". وأضافت إن الأميركيين والبريطانيين هم الذين رفضوا دعواتها إلى إقرار المزيد من القوانين المالية خلال قمة الدول الصناعية الكبرى الثماني. وزير ماليتها، بير شتاينبروك، ذهب أبعد من ذلك قائلا إن الأزمة ستؤدي إلى "نهاية أميركا كقوة مالية عظمى".
إنه شعور سيلقى الترحيب بلا شك في روسيا، حيث بوتين منشغل في لوم "العدوى الأميركية" على الاضطرابات في سوقه المالية، كما سيتم الترحيب به أيضا في أميركا اللاتينية حيث يعلن القادة بدءا من هوغو تشافيز وصولا إلى كريستينا فرنانديز دي كيرشنر وإيفو موراليس أن الليبرالية الجديدة انتهت. وقد تبجح رافاييل كوريا الإكوادوري الأسبوع الماضي قائلا إن "النموذج الاقتصادي الأميركي يحتضر".
من المؤكد أن مشاعر الشماتة إزاء انهيار وول ستريت سائدة الآن. لكن فضلا عن ذلك، يسود حس حتى بين الكثير من اللاعبين المهمين في المجتمع المالي بأن الأمور تخطت الحدود بالفعل. يقول المستثمر والمحسن جورج سوروس، وهو أحد أوائل الذين حذروا من مخاطر عرض كل شيء للبيع بشكل أسهم معقدة التركيب، بدءا من القروض السكنية وصولا إلى فواتير بطاقات الائتمان: "انهار نموذج العولمة وإزالة القيود، وهذا ما سبب الأزمة الحالية في الأساس. نحن نشهد الآن نهاية هذه الإيديولوجية". ويضيف سوروس إن المستقبل سيكون "أكثر تساهلا، وأقل تركيزا على المضاربة وستنخفض الديون وتفرض المزيد من القيود على القروض. نحن في خضم عملية ضخمة لتخفيض الديون".
في الواقع، السنوات الـ20 الماضية التي سادت فيها إزالة القيود وتحرير النظام المالي مهدت لحقبة وصلت فيها ديون البنوك إلى نسب قياسية بلغت 33 إلى 1 في بنك "مورغان" و28 إلى 1 في "غولدمان ساكس" و"ميريل لينش" عندما ازدادت أعداد الأسهم المعقدة مثل المشتقات المالية المدعومة بالقروض السكنية لرفع أرباحها إلى مستويات قياسية. الآن، وبعدما أصبحت القيود أكثر صرامة على هذه البنوك، ستتقلص ديونها، وكذلك أرباحها. هذه أخبار سيئة، ليس فقط للبنوك، بل للاقتصاد عموما، فخلال السنوات القليلة الماضية، كانت أرباح المؤسسات المالية تشكل ربع أرباح كل المؤسسات التجارية في الولايات المتحدة. وتقلص أرباحها سيخفض إلى حد كبير الدخل الوطني للبلد.
غير أن هذا الثراء تحقق بواسطة نظام أصبح معقدا وغير شفاف لدرجة أن الكثير من الناس الذين كانوا يشترون هذه المشتقات المالية لم تكن لديهم أي فكرة عن القيمة الحقيقية للأصول التي يشترونها. يقول ستيفن روش، رئيس مورغان ستانلي في آسيا: "ما يجب أن يتأتى في النهاية من هذه الأزمة هو إدارة أكثر حكمة لرؤوس الأموال ومشتقات مالية ومؤسسات أكثر شفافية، وبالتالي نظام يتماشى بشكل أفضل مع الاقتصاد الحقيقي الذي كان يفترض أن يخدمه أولا. النظام المالي ابتعد كثيرا عن روابطه بالاقتصاد الحقيقي".
لم يحدث ذلك بين ليلة وضحاها. منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، إثر سلسلة من التغييرات القانونية والتكنولوجية، رفعت القيود على النمو وعلى إمكانية جني الأرباح التي كانت مفروضة على المؤسسات المالية، فقد سمح لصناديق التقاعد بالاستثمار في أسواق الأوراق المالية، وأصبح بإمكان السماسرة عرض بيع أسهم في الصناديق الاستثمارية المشتركة، وسمح لأنواع مختلفة من البنوك بالاندماج ودخول مجالات تجارية جديدة، وأدى استعمال آلات الصرف الآلية وبرمجيات الاتجار بالأسهم إلى خلق شبكة مالية إلكترونية تعمل على مدار الساعة. من سبعينات القرن الماضي وحتى عام 2005، ارتفعت نسبة الأميركيين الذين يملكون أسهما من 16 بالمائة إلى أكثر من 50 بالمائة. وكما يشير روبرت رايخ، وزير العمل السابق في إدارة كلنتون، في كتابه Supercapitalism (الرأسمالية المفرطة)، حصل تغيير جذري في نظرة الأميركيين إلى المسائل الاقتصادية "وتحول المدخرون إلى مستثمرين، وأصبح المستثمرون ناشطين".
الوكلاء الاستثماريون الذين كانوا يبحثون، في أعقاب حقبة فولكر التي تميزت بمعدلات تضخم متدنية، عن طرق جديدة لجني أرباح تفوق الـ10 بالمائة، كانوا المحرك وراء كل ذلك. وانتشرت الابتكارات المالية بمساعدة السياسيين المشجعين للسوق، لاسيما رونالد ريغان ومارغريت تاتشر. وقد تخللت ذلك فترات من الازدهار المفرط والانهيارات» هل تتذكرون أزمة بنوك الادخار والإقراض في ثمانينات القرن الماضي؟ لكن سرعان ما تم نسيانها بفضل استمرار تنامي الازدهار الذي أدى إلى انتشار الفلسفة القائلة إن "السوق تدير نفسها بنفسها". وخلال تسعينات القرن الماضي، استمر رفع القيود، وكانت إحدى أهم النقاط التي تعكس هذا التغيير إبطال قانون غلاس ستيغل الذي يفرض الفصل بين البنوك التجارية والبنوك الاستثمارية.
استغلت البنوك اقتصاد العرض والطلب المتأتي من ذلك (ويقول البعض إنها استغلت تضارب المصالح) لتنمو أكثر، وتبرم صفقات دمج ضخمة متنامية الأرباح وتعرض أسهمها في الأسواق بشكل مربح جدا. إبطال ذلك القانون أتاح للبنوك التي تقدم خدمات مصرفية للأفراد مثل "سيتي غروب" وغيره دخول سوق المشتقات الائتمانية المربحة (التي تضمنت إمكانية الاستثمار في أسهم مدعومة بقروض سكنية والقروض المدعومة بأصول، التي تشكل خليطا من قروض مختلفة، وهي من المسببات الأساسية للأزمة الحالية). وأصبح الوكلاء الاستثماريون أنفسهم من مدخني السيجار، ويلبسون أفخر الملابس وباتوا نماذج تجسد الثراء يتم تخليدها في الكثير من الكتب والأفلام في تلك الحقبة. انتشار التداول بالسندات طوال ذلك العقد زاد من ثرائهم (وثراء مديري الشركات الذين كانوا يعملون لمصلحتهم) مما صعب في الوقت نفسه تحديد القيمة الحقيقية للصفقات. معظم الناس يجمعون الآن على أن النزعتين مجتمعتين شكلتا خليطا مؤذيا. يقول جوزف ستيغليتز الحائز جائزة نوبل: "من خلال السماح للبنوك التجارية بدخول هذا المضمار الأكثر خطورة، وتشجيع توزيع السندات المالية كبدل أتعاب، أصبح هناك تركيز قصير الأمد على جني الأرباح بسرعة، مما خلق ثقافة قائمة على المقامرة".
طبعا، كان الاقتصاد قد تغير عام 2001، مما صعب جني الأرباح، لكن بفضل تدني معدلات الفائدة (بنك الاحتياطي الفيدرالي خفض معدل الفائدة إلى 1 بالمائة عام 2003 في حقبة آلان غرينسبان)، بقيت القروض سهلة المنال. تدني معدلات الفائدة أدى أيضا إلى ازدهار سوق المشتقات المالية القائمة على القروض ، أي الأوراق المالية التي تشكل مزيجا من القروض والتي تسببت بالأزمة الحالية، فيما كان يبحث المصرفيون عن وسائل لزيادة أرباحهم في حقبة الفوائد المتدنية. بين عام 2000 وفترة الذروة الصيف الماضي، ارتفعت قيمة سوق المشتقات المالية القائمة على القروض المتخلفة، وهو نوع المشتقات المالية الأساسي، من 100 مليار دولار إلى 62 تريليون دولار. وفي حين عبر العقلاء أمثال وارن بافيت (الذي وصف هذه المشتقات بأنها "أسلحة دمار شامل مالية") والمؤسسات مثل "بانك فور إنترناشونال سيتلمانتت" عن قلقهم، أصر آخرون مثل غرينسبان على أنها تلعب دورا مهما في الحد من المخاطر من خلال توزيعها.
المخاطر التي تم توزيعها كانت كثيرة، لاسيما بعد عام 2004، عندما أدى تغيير قانوني جديد إلى رفع مخاطر اللعبة. فلجنة مراقبة عمليات البورصة في الولايات المتحدة، بهدف فرض سيطرتها على الشركات التي تملك البنوك الاستثمارية (التي كانت تنظمها)، تخلت عن الحد الأقصى المفروض على الديون الذي كانت نسبته 12 إلى 1 في صفقة جهنمية، متيحة للبنوك قبول رهانات المستثمرين مهما كانت كبيرة. من ناحية، بدت هذه الخطوة منطقية، لأن الشركات الأم كانت عادة هي التي تغطي رهانات المشتقات المالية المدعومة بالقروض الغريبة التي كانت تقلق الناس بشكل متزايد. نتيجة لذلك، لم يعد لمنظمي لجنة مراقبة عمليات البورصة معلومات مالية واضحة ينظرون إليها عند تقييم قدرة البنوك على الوفاء بجميع الديون» بدلا من ذلك، توجبت عليهم دراسة نماذج شديدة التعقيد للمقارنة بين قيمة مجموعة من الأصول ومجموعة أخرى في أوقات مختلفة (ربما كان من الملائم وصف هذه النماذج بأنها "محاكاة لكازينو مونتي كارلو"). ليس من الصعب جدا تصور أن موظفي لجنة مراقبة عمليات البورصة الذين يتقاضون أجورا زهيدة نسبيا، عانوا مشاكل في فهم مسائل مالية معقدة كهذه. يقول الأستاذ جون كوفي، وهو خبير في قانون الأوراق المالية في جامعة كولومبيا: "لجنة مراقبة عمليات البورصة تجيد الكثير من الأمور، لكنها لم تكن تجيد التعامل مع هذه المسائل. كانت سوق الأوراق المالية المعقدة التركيب تنمو بسرعة تفوق قدرة اللجنة على مجاراتها". (يعتقد كوفي أنه يستحسن ترك تنظيم هذه النماذج المعقدة للمصرفيين في بنك الاحتياطي الفيدرالي، الذي سيكون مسؤولا عن تنظيم بنوك مثل غولدمان ساكس ومورغان ستانلي من الآن فصاعدا).
انهارت أسعار المنازل، التي كانت قد ارتفعت بشكل حاد بين عامي 2001 و2005، كاشفة سوء المعايير الائتمانية (لم يجد نفعا أن وكالات تقييم الجدارة الائتمانية كانت تحصل على أموال من الشركات التي كان يفترض بها تقييمها). انفجرت الفقاعة وبات الأميركيون قلقين بشأن كلفة خطة الإنقاذ التي يبدو أنها تكافئ الجشع الذي تسبب بالأزمة أصلا. يقول روبرت رايش: "معظم الغضب في الأسبوع الماضي لم يكن بسبب قرار الحكومة إنقاذ الموقف بهذه الطريقة المكلفة جدا، بل لأن الناس الذين سيستفيدون من ذلك هم العاملون في وول ستريت أنفسهم الذين جنوا أرباحا طائلة خلال السنوات القليلة الماضية". في غضون ذلك، فإن المواطنين العاديين خائفون (وهي نقطة استغلها كلا المرشحين الرئاسيين الأميركيين بنجاح)، ويبدو أن الأحلام الأساسية مثل ملكية المنازل لم تعد في متناول الكثيرين. الخبراء أمثال كوفي يتنبأون بأنه مع تداعي سوق القروض المضمونة، فإن سوق القروض السكنية في الولايات المتحدة ستنكمش إلى عشر حجمها الحالي. السيناريو القائم على وجود مقرض واحد فقط في كل بلدة كما حصل في حقبة الركود والذي تم تجسيده في أفلام مثل It''s a Wonderful Life لم يعد مستبعدا.
مع أن مدى المساعدة التي سيحصل عليها عامة الشعب الأميركي من خطة الإنقاذ الحكومية هذه حالما تصبح التفاصيل نهائية لايزال غير واضح، فالأمر المؤكد هو أن الرأسمالية المنطلقة بحرية متهورة التي كانت سائدة خلال العقدين الماضيين بدأت تتغير، وإن لم تكن تتحول إلى إيديولوجية جديدة بالكامل، فهي تصبح أكثر اعتدالا. أولا، البنوك الاستثمارية التقليدية كما نعرفها ولت إلى غير رجعة. بفضل مراقبة بنك الاحتياطي الفيدرالي، فإن قدرتها على تغطية استثمارات كثيرة ستتضاءل إلى حد كبير. يقول روتش من مورغان ستانلي: "أظن أن علينا العودة إلى الأسس. توفير المزيد من النصائح وتقليل الاتجار بالأسهم الشديد الخطورة. ستكون الصفقات ناتجة عن الحاجات الاستراتيجية للزبائن ــ وليس الوسطاء ــ وسنرى صفقات استراتيجية أكثر منها مالية".
وربما سيتم وضع حد أقصى لأجور المصرفيين (في الولايات المتحدة، يطالب رايش والكثيرون غيره بحد أقصى مرتبط بأهداف أدائية تمتد على مدى خمس سنوات للمساعدة على الحد من اتخاذ مخاطر غير ضرورية على المدى القصير، وفي أوروبا يتم التخطيط لإقرار قوانين تؤخر استحقاق السندات المالية المؤجلة). ففي غضون ذلك، فإن أسواق المشتقات المالية المعقدة التي أغنت المصرفيين معرضة لأن يتم تقييدها أيضا. ففي الولايات المتحدة، ثمة دعوات لإنشاء دار مقاصة تجعل عمليات الاتجار بالأسهم أكثر شفافية. وفي أوروبا، بدأت المخططات لتنظيم الاتجار بالمشتقات المالية تأخذ مجراها: الأسبوع الماضي، صاغ الاتحاد الأوروبي مشروع قانون يحظر أو يضع قيودا على الأسهم المدعومة بقروض وغيرها من الحيل المصرفية التي حولت القروض الخطرة إلى أوراق مالية يتم تداولها بكثافة.
وقد أطلق وزير المالية الألماني شتاينبروك حتى حملة رسمية لـ"تمدين" الأسواق المالية. وأعلن، مقتبسا خطابا لماركس في مقابلة مع مجلة أسبوعية ألمانية: "الرأسمالية غير المقيدة والجشعة مثل تلك التي نشهدها الآن ستلتهم نفسها في النهاية". يسعى شتاينبروك لإجبار البنوك على زيادة مخزونها الاحتياطي من السيولة وحظر المضاربة بالأسهم بغية خفض أسعارها، ووضع حد أقصى للعلاوات، وحظر العمليات المالية التي لا تظهر في الميزانيات العمومية، وغيرها من الخطوات. وقد قال لصحيفة بونديستاغ الأسبوع الماضي: "يجب أن يكون واضحا أن كسب أرباح بنسبة 25 بالمائة غير ممكن من دون مخاطر غير معقولة أو من دون إيذاء المشاركين الآخرين في الأسواق بشكل متعمد".
طبعا، يجدر التذكر أن بعض الصفقات الأكثر خطورة في الذاكرة الحديثة قامت بها بنوك ألمانية تخضع لرقابة الدولة وليس بنوك وول ستريت العملاقة. زيادة الرقابة الحكومية بحد ذاتها لا تعني أن الأمور ستكون على ما يرام، يجب أن تصاغ القوانين بشكل جيد وأن يتم تطبيقها بشكل جيد وأن تكون مرنة نوعا ما. جورج سوروس، مثلا، وهو من أشد منتقدي إسرافات وول ستريت، لا يدعو إلى تخفيض نسبة الإقراض إلى مستوى محدد بل إلى جعل بنك الاحتياطي الفيدرالي يتمتع بالمرونة اللازمة لرفع معدلات الفائدة وتخفيضها حسب ما تمليه ظروف السوق.
يجدر التساؤل أيضا إن كانت الخطابات السياسية كافية لردع الناس عن محاولة تحقيق عوائد بنسبة 25 بالمائة. هل يمكن تقويض الرأسمالية بحد ذاتها حقا؟ أو هل سيعود جانبها الأكثر تهورا إلى الظهور مجددا بعد فترات من كبحه؟ ربما تسعى صناديق التحوط، التي تضررت بسبب الخسائر الأخيرة، لحماية نفسها (لقد استثمرت نحو 100 مليار دولار في صناديق مالية آمنة في الأسابيع الأخيرة). لكن حاليا ما من اقتراحات مهمة لتنظيمها، وفي مرحلة ما، سيعود مديروها الطموحون، مستعدين لاتخاذ المخاطر والاستثمار في الأسهم التي أصبح المصرفيون يتجنبونها. وكذلك فإن صناديق الاستثمار السيادية والقوى الصاعدة اقتصاديا لديها فائض من السيولة» البنوك المركزية الآسيوية وحدها لديها مخزون احتياطي يفوق أربعة تريليونات دولار، ما يكفي لتمويل عدة خطط إنقاذ. هذا الثراء المتنامي كان محفزا أساسيا للابتكارات المالية خلال السنوات الماضية. الآن، ستؤدي كل هذه الأموال إلى نوع جديد من الابتكارات التي تهدف إلى الالتفاف على أي قوانين جديدة. وسيبحث المستثمرون والأشخاص الذين يعملون لمصلحتهم عن طرق أكثر إبداعا لتفادي القوانين.
سينتهي المطاف بجزء كبير من الأموال الجديدة في الأسواق الغربية بلا شك. وفي حين أن ذلك سيزيد من النفوذ السياسي للقوى النامية، ويحفز بشكل متزايد الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب، فإن هذا لا يعني انهيارا كاملا لنظام السوق الحرة. مع أن الصين استغلت أزمة وول ستريت للتباهي بنموذجها الخاص من الرأسمالية الاستبدادية، فإن "النموذج الصيني أدى إلى خسائر في الأسواق بنسبة 66 بالمائة هذا العام، وخسارة هائلة لمدخرات عامة الشعب، بالكاد يمكن تصنيف ذلك كنجاح مقارنة بالنموذج الغربي. فالأوروبيون، وبالرغم من شماتتهم، لا يملكون نموذجا أفضل من الرأسمالية الأنغلوساكسونية. وأنظمتهم ستميل بكل بساطة إلى الاقتداء بالنموذج الأنغلوساكسوني، ولو على مضض بعد بضع سنوات، بالرغم من القيود التي تفرضها الدولة.
هذا يعني أن العالم، عند دخوله هذه الحقبة الاقتصادية الجديدة، قد يبدو في الحقيقة شبيها بأوروبا. يقول بوب ماكي، كبير الخبراء الاقتصاديين في شركة "إنديبندنت استراتيجي" في لندن: "سنتخبط ونتذمر كثيرا ولن نشهد فترات نمو سريع مهمة لكننا لن نشهد كوارث أيضا". سنصبح من جديد منقذين بدلا من مستثمرين، وستسود ذهنية التقشف، مع استمرار صعوبة الحصول على قروض على المدى القصير. ثم في مرحلة ما، ستتدفق الأموال من جديد. وستتشكل فقاعات جديدة. في أي قطاعات ستكون؟ ــ الطاقة أو التكنولوجيا البيئية أو الفضاء ــ لا أحد يعرف. لكن بصرف النظر عن خطط الإنقاذ والقوانين الجديدة، فإن الأموال ستتدفق من جديد. وحينذاك، سيكون الجميع قد نسوا أن نهاية العالم كادت تحل عام 2008.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.