الوحش الذي التهم وول ستريت
07 تشرين الأول 2008
ماثيو فيليبس - "نيوزويك"
كبار المتعاملين في عالم المال يمارسون طقوسا يطلق عليها اسم "عطلات نهاية الأسبوع خارج مكان العمل". وفي هذه الطقوس يتجمع عدد من أصحاب البنوك في مكان مشمس للتنفيس عن أنفسهم والاحتفال بنجاحاتهم بصفتهم سادة الكون. وتتضمن تلك المناسبات حفلات على اليخوت وفتيات يرتدين البكيني وزجاجات شامبانيا كريستال التي يبلغ سعر الواحدة منها 1000 دولار. وكانت رحلة قامت بها مجموعة من كبار المصرفيين في بنك "جيه بيه مورغان" إلى منتجع ونادي بوكا راتون في فلوريدا
قد أصبحت موضوع أسطورة في وول ستريت في نيويورك، رغم أن ذلك لم يكن بسبب صخب الحفلات (وكان هناك الكثير منه أيضا). أمضى أولئك المصرفيون معظم عطلة نهاية الأسبوع محشورين في قاعة للمؤتمرات في المنتجع وردي اللون والمبني على الطراز اسباني لشحذ عقولهم بحثا عن إجابة لسؤال قديم قدم العمل المصرفي نفسه: وهو كيف يمكن تخفيف خطر الخسارة المحتملة عند إقراض أموال لأية جهة؟ بحلول منتصف التسعينات من القرن الماضي كانت صفحات دفاتر بنك جيه بيه مورغان مليئة بعشرات المليارات من الدولارات على شكل قروض تم توفيرها لمؤسسات وحكومات أجنبية، وكان القانون الفدرالي يفرض على البنك الاحتفاظ بكميات هائلة من الأموال الاحتياطية تحسبا لإفلاس أحد المدينين. ولكن ماذا يحدث لو أن بنك جيه بيه مورغان تمكن من إيجاد أداة توفر له الحماية في حالة عجز أولئك المقترضين عن السداد، وبالتالي يصبح باستطاعته الاستفادة من المبالغ الاحتياطية المحتجزة؟
تمثلت الفكرة التي تفتقت عنها أذهان المصرفيين في اللجوء إلى نوع من التأمين يتحمل فيه طرف ثالث المسؤولية عن احتمال عجز المقترض عن السداد، ومقابل ذلك يتلقى ذلك الطرف دفعات منتظمة من البنك، على غرار أقساط التأمين. وبهذه الطريقة يصبح باستطاعة جيه بيه مورغان حذف احتمال الخطر من دفاتره، وتحرير أمواله الاحتياطية المحتجزة. أطلق على هذا الأسلوب في التعامل اسم "مقايضة الديون التي تخلف أصحابها عن سدادها"، وهو يمثل تحريفا لأساليب ظل المصرفيون يمارسونها منذ مدة لوقاية أنفسهم من التقلبات التي تطرأ على أسعار الفائدة وأسعار السلع. ورغم أن هذا المفهوم ظل معروفا في الأسواق منذ بضع سنوات، إلا أن جيه بيه مورغان كان أول بنك يراهن بمبالغ كبيرة في عمليات مقايضة الديون التي تخلف أصحابها عن سدادها. ولهذا الغرض أقام البنك شعبة للمقايضة في منتصف التسعينات من القرن الماضي، وعيّن فيها خريجين شباب من كليات الرياضيات والعلوم من مؤسسات مرموقة مثل معهد مساشوسيتس للتكنولوجيا وجامعة كيمبردج من أجل إيجاد سوق لهذه الأدوات المالية المعقدة. وفي غضون سنوات قليلة أصبحت هذه العمليات أكثر الأدوات المالية رواجا، وأكثر السبل المضمونة لتحليل الأخطار والحصول على عائد مستمر في الوقت نفسه. يقول مارك بريكويل البالغ 40 عاما والذي كان يعمل آنذاك مديرا إداريا في بنك جيه بيه مورغان: "عرفت أشخاصا عملوا في مشروع مانهاتن [الذي تمخض عن إنتاج أول قنبلة نووية في العالم]، وبالنسبة لنا نحن الذين شاركنا في رحلة فلوريدا، كان لدينا إحساس مماثل بأننا نشارك في صنع شيء مهم إلى حد لا يمكن تصديقه".
لم يدرك بريكويل، شأنه في ذلك شأن روبرت أوبنهايمر وفريق الفيزيائيين النوويين في الأربعينيات من القرن الماضي، أنهم كانوا يعكفون على خلق وحش. فاليوم أصبح الاقتصاد يترنح، وتحول وول ستريت إلى ركام، ويعزى ذلك كله إلى حد بعيد إلى المارد الذي أخرجه أولئك المصرفيون من قمقمه قبل 14 عاما. واضطر دافعو الضرائب الأميركيون إلى التدخل لإنقاذ شركة "أيه آي جي"، وهي أكبر شركة تأمين في البلاد، بعد أن عجزت عن سداد 14 مليار دولار على شكل قروض ضمنتها للبنوك الاستثمارية وشركات التأمين وعشرات المؤسسات الأخرى، ولكن المقترضين عجزوا عن السداد. ونستطيع أن نرد الكثير من الأخطاء التي حدثت في النظام المالي خلال العام الماضي إلى عمليات ضمان الديون المتعثرة التي تضخمت حتى وصلت إلى 62 تريليون دولار قبل أن تنخفض تدريجيا إلى 55 تريليون دولار الأسبوع الماضي، ويكاد ذلك أن يصل إلى أربعة أضعاف قيمة جميع الأسهم التي تجري المتاجرة فيها في بورصة نيويورك. وقد كان الملياردير وارن بافيت محقا عندما أطلق على هذه الأدوات المالية اسم "أسلحة الدمار الشامل المالية". وبما أن عمليات مقايضة الديون التي تخلف أصحابها عن سدادها عبارة عن عقود يجري التفاوض بشأنها بصورة غير علنية بين طرفين، ولا تخضع لأنظمة حكومية، فليس ثمة آلية مركزية للإعلان عنها لتحديد قيمتها. وقد أدى هذا إلى تعكير الأسواق بما وصفه بعض الاقتصاديين بـ"مادة معتمة" تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات. وانتشرت هذه الممارسات في جميع أنحاء العالم، شأنها في ذلك شأن الأسلحة النووية الفالتة، وهي الآن تكمن مختبئة في انتظار اللحظة التي تنسف فيها الميزانيات العمومية لعدد لا حصر له من المؤسسات المالية الأخرى.
لم تكن عمليات مقايضة الديون التي تخلف أصحابها عن سدادها تتم بهذا الشكل في بداية الأمر. فقد قام بنك جيه بيه مورغان بواحدة من أوائل تلك العمليات عام 1997، وتم فيها تنفيذ الفكرة التي تفتقت عنها أذهان كبار المصرفيين في البنك خلال اجتماعهم في منتجع بوكا راتون. وفي تلك العملية، قام البنك بحصر 300 قرض مختلف تبلغ قيمتها الإجمالية 9.7 مليار دولار تم منحها لشركات كبيرة مختلفة من بينها فورد و وول مارت وآي بي أم، ثم قام البنك بعد ذلك بتقسيمها إلى أجزاء صغيرة أطلق عليها اسم "ترانشيز" (وهي كلمة فرنسية تعني "شرائح"). ومن ثم حدد البنك 10 بالمائة من أكثر الشرائح عرضة للخطر وباعها إلى مستثمرين فيما أصبح يعرف باسم الإصدارات الائتمانية المضمونة حسب دليل المجلس والتي تختصر في كلمة بيسترو. وقد تم إعداد بيسترو بواسطة تيري دوهون التي كان عمرها آنذاك 25 عاما، وهي من خريجي معهد مساشوسيتس للتكنولوجيا وتعمل في شعبة مقايضة الديون في نيويورك، وهي قسم أصبح يعرف فيما بعد باسم مافيا بنك مورغان، وذلك لأن عددا من موظفيه السابقين تولوا مناصب رفيعة في بنوك عالمية وصناديق وقائية. وتقول دوهون، التي تتولى الآن رئاسة مؤسستها الاستشارية الخاصة العاملة في مجال الأوراق المالية المشتقة في لندن: "مكنا البنوك من إزالة أخطار ديونها من دفاترها وتحويل تلك الديون إلى مؤسسات غير مالية مثل شركات التأمين وصناديق معاشات التقاعد".
ولم يمض وقت طويل حتى أصبحت عمليات مقايضة الديون التي عجز أصحابها عن سدادها تستخدم لتشجيع المستثمرين على دخول أسواق ناشئة محفوفة بالمخاطر في مناطق مثل أميركا اللاتينية وروسيا، وذلك بتوفير التغطية التأمينية لديون الدول النامية. وفي وقت لاحق بعد انهيار شركات كبرى مثل "إنرون" و"ويرلدكوم"، تبين بجلاء أن هناك حاجة ماسة للحماية ضد انهيار الشركات من الداخل، وكانت عمليات مقايضة الديون هي الأداة المناسبة لتلك المهمة. وبحلول ذلك الوقت أصبح سوق تلك العمليات يتضاعف أكثر من مرة كل عام، متجاوزا بذلك 100 مليار دولار عام 2000 حتى وصل إلى 6.4 تريليون بحلول عام 2004.
وبعد ذلك جاء الانتعاش المذهل في سوق العقارات. فنتيجة لقيام بنك الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة، بدأت أعداد قياسية من الأميركيين في شراء المساكن، وأصبحت الأوراق المالية المدعومة بالرهونات العقارية الوسيلة الاستثمارية الأكثر رواجا. وتم تجميع الرهونات وتقسيمها بعد ذلك إلى سندات أقبلت على شرائها جميع المؤسسات المالية التي يمكن أن تخطر على ذهن أحد، ومن بينها البنوك الاستثمارية والبنوك التجارية وصناديق معاشات التقاعد. وبالنسبة للعديد من هذه الأوراق المالية المدعومة بالرهون العقارية، لجأ المستثمرون إلى عمليات مقايضة الديون للوقاية من عجز المقترضين عن السداد. ويقول روهان دوغلاس الذي ترأس قسم بحوث عمليات المقايضة الخاصة بمؤسسة "سلومون براذرز" و"سيتي غروب" خلال التسعينات من القرن الماضي: "حظيت هذه العمليات برواج جعل كل من هب ودب يسعى لنيل حظه منها، الأمر الذي أدى إلى حدوث نمو هائل في هذا السوق".
ولم يمض وقت طويل حتى أصبحت بعض الشركات، ومنها أيه آي جي، لا تكتفي فقط بتوفير التغطية التأمينية للمنازل، وبدأت أيضا في تأمين الرهونات العقارية الخاصة بالمنازل وذلك بالدخول في مجال عمليات مقايضة الديون. وعندما تدخلت الدولة لإنقاذ تلك الشركة، كانت قيمة عمليات مقايضة الديون التي تراكمت عليها قد وصلت إلى 440 مليار دولار. ويبدو أن الخطأ القاتل الذي ارتكبته شركة أيه آي جي هو أنها كانت تطبق طرق التأمين التقليدية في تعاملاتها في سوق عمليات مقايضة الديون. ليس هناك ارتباط بين أحداث التأمين التقليدي، فلو تعرض جارك إلى حادث سير أسفر عن تدمير سيارته فإن ذلك لا يعني بالضرورة زيادة احتمالات تعرضك لحادث مماثل. غير أن الأمر يختلف بالنسبة للسندات، وذلك لأن تعرض واحد منها للخسارة يؤدي إلى حدوث ردود فعل متسلسلة تزيد احتمال تعرض السندات الأخرى لخسارة مماثلة. وعندئذ يدب الذعر في نفوس المستثمرين الذين يخشون انتقال المصاعب التي عصفت بأحد كبار المتعاملين في السوق إلى المتعاملين الآخرين. وعليه فإنهم يبدأون في البحث عن الضمانات، وتزداد التقلبات في السوق، ويحجم المقرضون عن توفير القروض.
وازدادت المشكلة تفاقما نتيجة لأن العديد من المؤسسات كانت مرتبطة ببعضها من خلال صفقات مقايضة الديون. فعلى سبيل المثال كان بنك "ليمان براذرز" نفسه قد دخل في صفقات من هذا النوع بلغت قيمتها 700 مليار، وكانت شركة أيه آي جي هي الضامنة لمعظم تلك الصفقات. وعندما بدأت الأوراق المالية المدعومة بالرهونات العقارية تنهار، تعين على أيه آي جي الوفاء بالتزامات تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات بموجب عمليات مقايضة الديون. وسرعان ما تبين أنها لن تكون قادرة على تغطية خسائرها. وبما أن أسهم شركة أيه آي جي تشكل جزءا من مؤشر داو جونز الصناعي، فقد تسبب انهيار قيمة أسهمها في انخفاض المؤشر كله، الأمر الذي ساهم في تفاقم الذعر.
كان السبب في تدخل الحكومة الأميركية لإنقاذ أيه آي جي هو أن تلك الشركة كانت بمنزلة جدار الأمان الأخير في سوق عمليات مقايضة الديون. فبينما كانت تعاملات البنوك والصناديق الوقائية تشمل جانبي السوق ــ أي أنها كانت تشتري تلك الديون وتبيعها في آن واحد، الأمر الذي يمكنها من تعويض أية خسارة قد تلحق بها ــ نجد أن تعاملات أيه آي جي كانت تقتصر ببساطة على الحصول على المقايضات والاحتفاظ بها. ولو أنها تركت لتواجه الانهيار فإن كل مؤسسة اشترت منها عقد مقايضة كانت ستتعرض لخسائر هائلة في قيمة عقود التأمين التي اشترتها، الأمر الذي يخلق لتلك المؤسسات مشاكلها الخاصة بها.
وبالنظر إلى الدور الذي لعبته عمليات مقايضة الديون المتعثرة في الأزمة الحالية، فمن المرجح أن تبدأ الحكومة الفيدرالية في وضع ضوابط لها، بل إن ولاية نيويورك أعلنت بالفعل أنها ستبدأ في تلك الإجراءات اعتبارا من يناير المقبل. وتقول دوهون التي ساهمت في إطلاق هذا المارد في صفقة بيسترو التي جرت قبل عقد من الزمان:"مما يؤسف له أن سمعة هذه العمليات تمرغت في الوحل. وكأننا الآن نقول إن الخطأ يقع على البندقية لو أن أحدا استخدمها في قتل شخص ما". ولكن كما أننا نحبذ وضع قواعد لبيع رشاشات الكلاشينكوف في الشوارع، فمن المنطقي أن نقول إن عمليات مقايضة الديون قد تكون خطرة عندما يتعامل بها أشخاص يفتقرون إلى المسؤولية. ويقول داريل دفي الخبير الاقتصادي في ستانفورد: "أتاحت هذه العمليات لبعض الناس الوقوع في المشاكل بسهولة شديدة. ورغم أن دفي يرى أن تلك العمليات تعرضت لإساءة الاستخدام بصورة كبيرة فإنه مازال يعتقد أنها أداة فعالة جدا وينبغي عدم التخلي عنها بصورة تامة". وفضلا عن ذلك فإنه يقول: "إذا تم حظرها قانونيا فإن عقول مهندسي أسواق المال ستتفتق عن شيء آخر يتيح التحايل على الأنظمة". وبينما يعصر المسؤولون في وول ستريت وفي واشنطن أذهانهم حول الكيفية التي يستطيعون بها الحيلولة دون وقوع أزمات مماثلة في المستقبل، فليس أمامنا سوى أن نأمل في أنهم سيقرأون رواية ماري شيلي فرانكنشتاين مرة أخرى.
Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.