عندما تظلم المعارضة نفسها معتبرةً الإنتخابات النقابية لغير صالحها بينما يثبت الواقع ‏العكس!‏

22 تشرين الثاني 2008 محمد باقر شري - الديار



عندما تظلم المعارضة نفسها معتبرةً الإنتخابات النقابية لغير صالحها بينما يثبت الواقع ‏العكس!‏ كان من المفروض أن تُبذل الجهود لإقناع الرأي العام وخاصةً الرأي العام في قوى 14 آذار ، ‏بأن المعارضة لم تفشل بل ربحت في الإنتخابات النقابية وفي الجامعات والكليات والمؤسسات ‏الأخرى، فإذا بالمعارضة تتولى هي نفسها توفير الجهد على الموالاة بإعلانها على لسان أحد ممثلي ‏واحد من أهم تنظيماتها، أنه، ليس المهم النجاح أو عدم النجاح ، في هذه الإنتخابات ‏النقابية، وهي لا تشكل مؤشرا على النجاح أو عدم النجاح في الإنتخابات النيابية المقبلة!‏ ما هي الحاجة لهذا الكلام من جانب المعارضة ، والتي كادت تُصدَم بعض القواعد الشعبية فيها، ‏لأن هؤلاء كانوا معتزين بنتائج إنتخابات نقابات أساسية نجحوا فيها نجاحا باهرا، بحيث كان ‏يمكن إعتبار ذلك النجاح مؤشرا على إحتمال إحراز نجاح باهر في الإنتخابات العامة المقبلة ‏وإحراز المعارضة الحالية أكثرية ظاهرةً وبفارق كبير، كما كان يَفترِض الموالون أنفسهم، وهم ‏مصابون بالذعر من إحتمال «سقوط مريع» لهم في الإنتخابات النيابية العامة، لدرجة إضطرار ‏الأستاذ وليد جنبلاط إلى الخروج عن حالة التهدئة التي ظل ينادي بها منذ 7 ايار حتى اسابيع ‏قليلة خلت.

‏ ولكن يبدو أن ضغوط باقي قوى 14 آذار وعلى وجه التحديد ضغط تيار المستقبل، وخاصة أن ‏‏«نصحاء» محسوبين على المعارضة أقنعوا الجهات التي كانت مترددة بالإنفتاح على جنبلاط، بأنها ‏ليست بحاجة لأن تنفتح عليه، بحجة أن الإنفتاح العالمي عليه في الوقت الذي بدأ يتجلى ويؤتي ‏أُكُله في نظرهم ، من شأنه أن يُغني الجهات المتحفظة على الإنفتاح على جنبلاط، من طي «صفحات ‏الماضي السوداء» من علاقاته معها، والتي تحتاج إلى وقت كافٍ حتى يُمحى، عِلماً أن المثل الشعبي ‏يقول: « الأسى ما بينتسى»! ولهذا فإن «الملك الضِلّيل» أمرؤ القيس « اللبناني» الذي ‏يطلب «تحالفاً رباعياً» لضمان فوزٍ قويّ في الإنتخابات لم يجد الطريق سالكا إليه، ووجد أن ‏‏«إسترداد» الرصيد الذي كان قد «حصّله» في زياراته «الأميركية» يكاد يضيع ، وكذلك كان ‏إهتزاز العلاقة مع بعض حلفائه في 14 آذار والذي كاد يؤدي إلى الجفاء مع « قريطم»، لم يتم ‏تعويضه بعلاقات وطيدة مع الطرف الإقليمي الشقيق المجاور، ثم جاءت ثالثة الاثافي ، أن الخطة ‏الدفاعية التي عرضها الجنرال عون بتكليف من رئيس الجمهورية قد «زعزعت مفاصل 14 آذار» ‏رغم الثناء العطر الذي كاله رئيس الجمهورية لقوى 14 آذار نظير مواقفها الواضحة المؤيدة ‏لأداء الجيش في «محنة معارك نهر البارد» رغم أن جنبلاط كان قد إستخدم تعبير « الشعب ‏المقاوم» وضرورة عدم إقتصار المقاومة على حزب واحد بل يجب أن يتحول لبنان كله إلى شعب ‏قادر على المقاومة فيما لو وقع أي عدوان: وهذا لا يعني بالضرورة أن تعميم المقاومة يعني ‏الذهاب إلى الحرب فوراً ومباشرة: فهذه سويسرا على سبيل المثال، إستطاعت تجنب الحرب ‏العالمية بينما عمت الويلات أوروبا كلها، هي نفسها تعمم تدريب كل فئات شعبها نساء ‏ورجالا وشبابا وشابات على المقاومة وحمل السلاح وتسعى إلى التسلح دائما بأحدث الأسلحة ‏وإنشاء الملاجئ للوقاية من الحرب النووية والمزودة بكل الوسائل التي تساعد على الصمود ‏وحفظ حياة المواطنين من مخاطر أي حرب قد تفرضها الإرادات الأجنبية أو الظروف الدولية!‏ وبالعودة إلى «الحرب النفسية» التي تشنها المعارضة على نفسها، بناء لنصائح مستشارين ‏يوصون بضرورة «تحصين» القواعد الشعبية والرأي العام من إحتمال خسارة الإنتخابات ‏النقابية في بعض مؤسسات المجتمع المدني، وعدم الربط بين اية خسارة محتملة في اي موقع نقابي ‏بالنجاح الذي يكاد يبدو أكيدا بالنسبة للمعارضة في الإنتخابات النيابية المقبلة .

ولكن ‏ما يجب التحذير منه ، هو أن يؤدي هذا « التحصين» وخلق روح الصمود والمناعة ضد أية ‏خسارة نقابية تحصل قبل الإنتخابات العامة والخشية من عواقب هذه «المكاشفة» بين قيادات ‏المعارضة الواعية والقواعد الشعبية الخاصة بها والرأي العام اللبناني كله، أن يسئ ‏البعض فهم هذا التوجه، وهذا التصليب للرأي العام تجاه أي ثغرة محتملة في « مسيرة ‏المعارضة الظافرة» لإنقاذ البلاد عبر هذه الإنتخابات المفصلية والتي تتم فيها « المنازلة « ‏بين القوى الوطنية والشعبية الداخلية التي تحظى بتعاطف شامل من الراي العام العربي ‏داخل مجتمعات الدول التي تعتقد قوى 14 آذار أن حكوماتها متعاطفة معهم .

‏ ولدرجة أن رئيس اللقاء الديموقراطي الذي رفع شعار « نحاول فوزا بأي وسيلة ولو عبر ‏إستصراخ الدول الأجنبية» وفي قلب « قلعة الراسمالية العالمية» أميركا، التي تسير نحو الإنحدار ‏والتداعي، أقلاً على الصعيدين المالي والإقتصادي، بحيث يكاد ينطبق على إستقواء قوى 14 ‏آذار بها ما يقوله المثل الشعبي المصري : « إتلمّ المتعوس على خايب الرجا»! أو بيت الشعر ‏القائل : ‏ أعمى يقود بصيراً لا أبا لكمُ ‏ قد ضلّ من كانت العميان تهديِه!‏ وحفظ الله عيون كل أطياف قوى 14 آذار «من الرمد أو العمى» ، لكي لا تحتاج إلى طبيب عيون ‏اصبح رئيساً لأقرب بلد جغرافياً وديموغرافياً إلى لبنان ليداويها ولكن ليس على طريقة ‏الشاعر المقاتل عنترة إبن شداد القائل:‏ وسيفي كان دلاّل المنايا ‏ يداوي رأس من يشكو الصداعا! ‏ ولقد آلت دمشق على نفسها أن لا تداوي بالسيف ، بل تداوي عبر «بلسمة» كل الجراحات مع ‏أشقائها الذين يشكون « الرمد السياسي» في أبصارهم آملةً أن تتفتح بصائرهم .

.

لأن رمد ‏البصر يظل أقل ضرراً من «رمد أو عمى البصيرة»! ‏ وبإنتظار ما ينجلي من غبار المعركة الإنتخابية المقبلة بعد الإقتحام الإنتخابي المظفّر ‏للمعارضة « لمعاقل وخصوم» كانت تعتبرها 14 آذار مقفلة لحسابها، وقد أحاطها من أجل ‏حمايتها باسلاك شائكة مغطاة بأرديةٍ سلفية ذات « صلة رحمية « « بخبرات تكفيرية» .

ولقد فاز ‏مرشحو المقاعد النقابية الشاغرة في نقابة المحامين في بيروت بأغلبية الأصوات حيث أصبح ‏المنافس الأول لمرشح المعارضة في المرتبة الرابعة من حيث نيل الاصوات.

وحتى الذين إحتلوا ‏مراتب متأخرة في نيل الأصوات من المرشحين المحسوبين على قوى 14 آذار، في نقابة محامي بيروت، لم ‏ينالوا الذي نالوه من أصوات إلا لأن نقيب المحامين السابق وضع ثقله بناء ً « لعلاقات ‏سابقة» « لجبر خاطر» المحسوبين على مرشحي الموالاة ، ومع ذلك فقد كان الفارق حتى بين مرشح ‏عائلة روحية معينة مع المعارضة في وجه مرشح آخر من العائلة الروحية نفسها، في اللائحة ‏الأخرى، المنافسة، ما يزيد على 400 صوت لصالح الفائز في لائحة المعارضة.

‏ وإذا كانت المعارضة التي إستطاعت أن تصارع الهجمة الأجنبية السياسية « المغولية» على ‏القوى الشعبية اللبنانية الحية، من ممانعين ومعارضين ومؤيدين للمقاومة، وتفوز عليها في ‏المنازلات السياسية الكبرى الحاسمة، فضلا عن دحر المخططات العدوانية للهجمات الدولية التي ‏تستقوي بها « الموالاة «، فإنها يجب أن تحصّن إنتصاراتها النقابية خاصةُ، والسياسية عموما، ‏لإعطاء الأولوية لرد عاديات « الحرب النفسية» التي تشنها عليها قوى 14 آذار بتشجيع ‏ومباركة من لا يستحي من أن يعتبرهم ظهيرين لها في الخارج ، بحيث اصبح التوجه الوطني في نظر ‏هؤلاء الضاربين بهذه الثوابت عرض الحائط ، توجهاً « مهجورا»! وأن الإنحراف مستقبله أمامه، ‏بينما الإعتصام بالثوابت الوطنية والقومية «عادة قديمة « ليس لها مستقبل في نظرهم! وهو ‏كلام صحيح في الواقع لأنه ليس للثوابت الوطنية والقومية « مستقبل» من النوع الذي « ‏يتميز « به تيار المستقبل.

وكم من عناوين يكون محتواها عكس تسمياتها، بحيث يصبح إسم ‏فاقد البصر بصيرا ، والملدوغ سليماً ، والذي أصبح مستقبله وراءه يظن بأن مستقبله لا ‏يزال أمامه، في حين أنه « كسرِاب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شئاً «! ‏ وأمر آخر خطير يكاد يصل درجة « الإغتيال السياسي» لكل المنجزات التي تمت منذ الدوحة حتى ‏الآن .

وهو وصف « لزائر واشنطن « المكلف من أطياف 14 آذار، بأن ‏ ‏» يقوطب» على « العهد الجديد» في واشنطن والذي يريد أن يتزود « بالوصايا العشر» من ‏تشيني وكوندوليزا رايس وربما من « رئيس الحرب دبليو» وهو اللقب الذي منحه لنفسه أو ‏منحته إياه القوى التي قادت أميركا خلال السنوات الثماني العجاف الماضية ، بحيث يستخدم ‏جنبلاط تعبير « جنرالات الصدفة» الذين « لا يستحق الواحد منهم بأن يكون برتبة رقيب» ‏وكأنه هو ماريشال الحرب العالمية العظمى والذي أجرى لهم فحوصات حول مدى كفاءتهم ‏العسكرية!.

‏ والأخطر من ذلك أن العماد ميشال عون هو من الجنرالات.

فإذا كان جنبلاط سوف يقول بأن ‏وصفه للجنرالات لا يشمل الجنرال رئيس الجمهورية ، فإن السبب المعلن من جانبه لنقمته على ‏عون هو « الخطة الدفاعية « التي قدمها في جلسة الحوار الماضية في القصر برئاسة الرئيس ‏سليمان.

والجميع يعرف أن العماد عون كان مكلفاً نظرا لخبرته التي يعرفها ويقدّرها الجنرال ‏سليمان، بوضع هذه الخطة الدفاعية للمناقشة .

ثم عندما يتحدث « أبو تيمور» عن « ‏جنرالات « وليس عن جنرال واحد، فإنه يريد أن يعمم ولتُصِب « وصفته « الجنرالات الثلاثة : ‏الرئيس سليمان والرئيس السابق لحود فضلاً عن الجنرال عون، وتصل بعد ذلك بشكل مركز إلى ‏رئيس التيار الوطني الحر وهو يعرف أن إستخدام مثل هذه الأوصاف التي يتعمد أن يجعلها « ‏طريفة « سوف تترك جراحات في الكرامة الشخصية وهي خطأ نفسي يصل درجة « الخطيئة « ‏،مصداقا لقول أحد الحكماء- العارفين بمدى الدمار النفسي الذي تلحقه مثل هذه التعابير ‏بمستقبل العلاقات بين الأفراد- فكيف بين الدول ورؤساء الدول، قال : رُب مزاح ( أو طرفة) ‏جرّ أو جرّت إلى سلاح ).

أو قول أحد الشعراء الحكماء : ‏ جراحات السنان لها إلتئام ‏ ولا يلتام ما جرح اللسانُ!‏ ‏( السنان : السيف يلتام : يلتئم )‏ ولعل بعض خطباء المعارضة عندما قال : بأن الإنتخابات النقابية لن تكون بالضرورة مؤشرا ‏على ما ستكون عليه الإنتخابات النيابية، قد إقتبس رأيه وكلامه من كبير أقطاب السياسيين ‏المعارضين: رئيس التيار الوطني الحر العماد عون ، عندما خاطب الطلاب قائلا ما معناه : « لا ‏تبتئسوا من خسارة أحاقت بكم في إنتخابات» إحدى الكليات، المهم أن تربحوا أو نربح ‏الإنتخابات النيابية .

والعماد عون على ما يبدو، ينطلق في كلامه من منطلق الثقة ‏الشعبية والمعنويات العالية التي يعيشها من خلال فوز تياره في التغلب على منطق وتهجمات ‏أطياف 14 آذار من خلال تشويه مواقف وزير الإتصالات جبران باسيل ، ومن خلال الهجوم الأعمى ‏والعشوائي على الخطة الدفاعية التي رفعته إلى مستوى الساعين لبناء وطن حقيقي، والتي خرج ‏منها الجنرال عون مع تياره مرفوع الراس عالي الجبين .

‏ وما أروع «هؤلاء الجنرالات الثلاثة» الذين عناهم جنبلاط حتى لو تعرضوا لشتائمه على ‏إعتبار أنهم يتمتعون ثلاثتهم بمناقب خلقية عالية : فقد حاول الذين يريدون الوقيعة ‏بينهم دق اسافين لتصوير كلام الجنرال عون وتأويله في فترة من الفترات وتفسيره وكأنه إساءة ‏لرئيس الجمهورية ، فاذا بالجنرال سليمان الذي بدأ يرتقي أداؤه إلى مستوى « القادة ‏التاريخيين» على خطى جنرالات عظام ليس برتبهم العسكرية- فما أكثر الجنرالات الذين لم ‏يدخلوا التاريخ - وما أروع اسماء الجنرالات العظام من أمثال الجنرال بوليفار والجنرال ‏جورج واشنطن والجنرال دوايت أيزنهاور والجنرال شارل ديغول ، فهؤلاء اثبتوا أنهم قادة ‏لشعوبهم وليسوا مجرد عسكريين صغار أو كبار ، فإذا كان جنبلاط يعتبر أن الجنرالات الثلاثة ‏الذين كان من حظ لبنان أن يفاخر بوطنيتهم فإن سلوكهم الوطني شرف جنديتهم وإنتماءهم ‏العسكري : فهم اشخاص مميزون وطنيا قبل أن يكونوا مدنيين أو عسكريين ، وقد آن لوليد ‏جنبلاط أن يتذكر بأن كرامات الناس ليست مستباحة لفاحش القول، وأن كلامه لا يجرح هؤلاء « ‏الأبطال « الثلاثة، بقدر ما يجرح مشاعر اللبنانيين بقطع النظر عن أخطاء لا بد أن ‏يرتكبها أو يرتكب مثلها كل من وًلِيّ الأحكام هذا إن عدل ! ‏ محمد باقر شري ‏

 




Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.