"دولة لبنان"... اللادولة!

22 تشرين الثاني 2008 سركيس ابو زيد - "النهار"



"لبنان دولة فاشلة" في المرتبة 18 من اصل 60 دولة، اي ضمن الدول ذات "الوضع الحرج" بحسب تصنيف قدمته دراسة عن "الدول الفاشلة"، نشرتها دورية "فورين بوليسي". ببساطة، هذا هو الوصف الدقيق لوضع لبنان اليوم. طبعا، نحن "اهل البيت اللبناني"، نعرف جذور مصائبنا، ونعرف لماذا دولتنا ليست دولة بالمعايير العالمية.
عبر امتداد التاريخ اللبناني، قبل اعلان "دولة لبنان الكبير" وبعده، وإعلان الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، حفل هذا التاريخ بالاحداث التي اثبتت ان لبنان غير قابل لان يحكم نفسه بنفسه او ان يطبق "الحكم الذاتي" على اراضيه كاملة. فكل فكل فترة تولد أزمة جديدة بين اللبنانيين (في اغلب الاحيان بسبب الارتباطات الخارجية التي يرهنون بها انفسهم)، وتسلك احد المسارين: اما مناوشات سياسية وازمة سياسية مفتوحة تنتهي باتفاق و"تبويس شوارب"، واما مناوشات سياسية تعقبها حرب اهلية طاحنة، تنتهي باتفاق و"تبويس شوارب"! هذه هي الحال اللبنانية.
لكن المشكلة ان هذه الاتفاقات لم تكن يوما "لبنانية صرف"، بل كانت دائما نتائج خلطة دولية ببهارات كلامية معسولة حول "الوحدة الوطنية" و"العيش المشترك" و"إلغاء الطائفية السياسية". ولان هذه الاتفاقات لم تعالج اصول المشكلة ولم تبتر جذورها، ظلت اشجار الفتنة تنمو كلما قطعت جذوعها. فكل هذه الاتفاقات، من مؤتمر لوزان مرورا بجنيف والطائف وسان كلو، واخيرا الدوحة، معطوفة على لقاءات دمشق والقاهرة ومكة ومؤتمرات الحوار الداخلي، إما أنها لم تلقَ إجماعاً على جميع بنودها، وإما ان هذه البنود لم تطبق، وإن طبقت كانت دائما تحتاج الى شد حبال عربية ودولية وزيارات لوزراء الخارجية واتصالات رئاسية وقمم ثنائية وثلاثية و... و... وآخر مثال اتفاق الدوحة.
اما الطائف فله قصة اخرى، اذ انه يعد "الدستور الجديد" للبنان. فعدد من بنوده تحفظ عنها بعض الاطراف، والبعض الآخر لم ينفذ، والبعض الآخر طبق جزئيا، لبنان دائما في حاجة الى من يدير شؤونه الداخلية، بسبب عدم اتفاق جميع اللبنانيين على النظام، وغياب المؤسسات التي يحتكم اليها في الازمات. فمجلس الوزراء في ازمات مستمرة، من التشكيلة الحكومية الى البيان الوزاري الى مسألة شرعيته ام عدم شرعيته. والمجلس النيابي "معطل" في نظر البعض. والكرسي الرئاسي ظل فارغا لأشهر عدة وبدأت "الفرقة" تظهر بين الرئيس ميشال سليمان وقوى 14 آذار. كذلك قانون الانتخاب وموضوع صلاحيات رئيس الجمهورية ونائب رئيس الوزراء ونائب رئيس مجلس النواب ما زالت مدار بحث ونقاش واختلاف.
ان هذه الحال من عدم الاستقرار والثبات والاتفاق على المؤسسات ومرجعيتها وصلاحياتها، يضع لبنان دائما امام ازمة هوية. والدليل انه عند كل مفترق طرق، الازمة التي تبرز لا تكون ازمة سياسية عابرة، بل ازمة وجودية كيانية وازمة هوية لبنان ككل: عربي ام غربي ام فينيقي! وينقسم المجتمع اللبناني مرة واحدة بين معسكرات عدة، إما على اسس طائفية او مناطقية او غيرها، ولحسن الحظ، كان هذا الانقسام في المرة الاخيرة "سياسيا بنكهة طائفية"، فصار الشعب اللبناني شعبين: شعب 8 آذار وشعب 14 آذار!
الواقع ان هذه الازمة السياسية ما هي الا نتاج الواقع الطائفي البغيض الذي يحكم لبنان منذ قرون. فعلى رغم ان عنوان الخلاف اليوم سياسي، الا انه عند اول احتكاك تكشر الطائفية عن انيابها وتصبح قوى 14 آذار مقسمة بين:
مسيحيي 14 آذار وسنتها ودروزها، وتصبح المعارضة عدة معارضات بحسب الطائفة: فهناك مسيحيو المعارضة (اللقاء الوطني المسيحي) وسنة المعارضة! والمشكلة الاكبر ان هذه الشروخ الطائفية لا تعالج باتفاق او بتوزيع حصص او غيره، لان معادلة ديناميكية التزايد تحكم الطوائف، فهي في نمو ديموغرافي وتمدد مستمر، وكل طائفة لا تقبل مكاسب لا تليق بحجمها و"قوتها" سواء المالية او العسكرية او "الثقافية"! فكلما تمت المحاصصة بين زعماء الطوائف، تبرز الحاجة الى "اعادة الاقتسام" من جديد بعد مدة من الزمن بسبب تقلب احوال الطائفة وتغير تحالفاتها الاقليمية والداخلية!

ثنائية الدولة - المقاومة
ان هذه الثنائية تجد اسبابها في ضعف الدولة المركزية، او بمعنى ادق، في عدم وجودها اساسا. فلولا عجز الجيش اللبناني غير المسلح جيدا عن الدفاع عن الاراضي اللبنانية والشعب اللبناني في وجه الاعتداءات الاسرائيلية، لما نشأت المقاومة ولما تسلحت. فمشكلة سلاح المقاومة ليست بنت يومها كما يحاول البعض تصويرها.
فمنذ نيل لبنان استقلاله، تخلى لبنان الرسمي عن واجبه في الدفاع عن ارضه المحتلة في الجنوب، كما تخلى عن دوره في الصراع العربي - الاسرائيلي، فلم يشارك جيشه في الحروب التي خاضتها الجيوش العربية ضد اسرائيل، تحت مقولة "قوة لبنان في ضعفه".
هذه "العقيدة" التي اعتمدتها الطبقة السياسية آنذاك، أخلت الساح الجنوبية امام المقاومة الفلسطينية ثم المقاومة الوطنية واخيرا المقاومة الاسلامية. والواقع ان نجاح فعل المقاومة اثبت فشل الدولة التي تعيش بشعار "قوة لبنان في ضعفه". اليوم، هناك نقاش حاد في لبنان حول ثنائية المقاومة - الدولة. لكن الحقيقة ان هناك مقاومة قوية ذات قوة فائضة، مقابل دولة لادولة! فالدولة بمفهومها الحديث غير موجودة، وكل فريق يتحدث عن الدولة انطلاقا من مفهومه الخاص. ففي لبنان هناك دولة الطوائف وامراء الحرب واثرياء الحرب وغيره، لكن ليس هناك دولة حديثة. من هنا، كيف يمكن لدولة غير موجودة اصلا ان تقوم بواجب الدفاع عن ارضها وشعبها، في وقت تعجز عن اخماد حرائق تشب في جبالها؟!
سلاح المقاومة هو نتاج غياب الدولة التاريخي وتجاهلها واجباتها، إما بسبب الاهمال او بسبب افتقاد القدرة العسكرية، بالاضافة الى الاهمال الاعماري والاجتماعي والاقتصادي لعدد من المناطق، ما اضطر ابناء هذه المناطق المحرومة الى انشاء احزاب وحركات تسد حاجاتهم وتؤمن ما تتناسى الدولة تأمينه. ومع مرور الوقت، صارت المقاومة أقوى من الدولة واخذت تتفرد بولاء ابناء هذه المناطق كنتيجة طبيعية تراكمت عبر السنوات الماضية: فالمقاومة هي التي حررت، وبنت، وعوّضت وامنت الخدمات الاجتماعية الطبية والمعيشية وحفظت الامن في المناطق.

... وازمات اقتصادية
ان هذا الواقع السياسي - الطائفي التعيس، ولد ازمات اقتصادية ومعيشية كبيرة. فاسعار المواد الغذائية والاساسية في ارتفاع، واسعار المحروقات كذلك، والضرائب في صعود، فيما الدخل الفردي في انخفاض وتراجع. معدلات البطالة والفقر والهجرة في تزايد، وكذلك معدلات المديونية العامة. والمؤسف ان لبنان الذي كان يعوض الانهيار الاقتصادي برسالته الثقافية، فقد جزءا كبيرا من هذه الرسالة لاسباب عدة منها الحروب الاهلية والازمات السياسية والامنية وفقدان الهوية والمشروع وغيرها.
ان ازمة لبنان ليست ازمة سياسية آنية او ازمة اقتصادية او اجتماعية عابرة. انها ازمة كيان ومصير وهوية. والأزمات السياسية والاقتصادية ما هي الا تجليات لهذه الازمة الاصيلة. فما دام اللبنانيون لم يتفقوا على هوية بلدهم، ولم يتخطوا الحواجز الطائفية، ولم يفكوا ارتهاناتهم الخارجية، سيبقى لبنان يدور في حلقة مفرغة. الحل لا تأتي به حكومة ما، ولا برنامج اصلاحي اقتصادي ما، ولا اتفاق ترعاه دول خارجية يتقلب مزاجها السياسي بين يوم وآخر، وينعكس على الداخل اللبناني انقساما وأزمات اكبر واعمق. الحل هو في بناء جيل جديد وانسان لبناني جديد يكون ولاؤه للبنان لا للطائفة. بجملة واحدة، لبنان ليس "دولة فاشلة"، انه اصلا ليس دولة!
اللبنانيون مدعوون اليوم الى التأمل والتفكير، والاجابة عن سؤال واحد: هل نبقى دائما قطيعا في حاجة الى راع يسير بنا؟




Copyright © 2008 Elnashra.com. All rights reserved.