"ديموقراطية الـ99.99 في المئة": الانتخابات اللبنانية نموذجاً!

19 حزيران 2009 محمد مشموشي "الحياة"



بين أهم، وربما أخطر، ما كشفته الانتخابات النيابية الأخيرة في لبنان تلك المفارقة في نتائج الدوائر : «شيء أو لا شيء على الاطلاق»، أو بلغة الأرقام «كذا نائب... في مقابل صفر» في كل مكان، في ما عدا دائرة واحدة فقط هي المتن الشمالي التي اذا ما وضعت في سياق النتيجة العامة للانتخابات، تؤكد المفارقة ولا تنفيها.

والمفارقة تكمن في أنه، كما في الدوائر التي فازت فيها الأكثرية بـ «كذا نائب... في مقابل صفر»، كانت النتيجة في الدوائر التي فازت فيها الأقلية «كذا نائب... في مقابل صفر» أيضا، تأكيداً في الواقع لحالة استقطاب حادة على مستوى لبنان كله، كما لو أنها «قاعدة» لا يجوز الخروج عليها!

أهمية ذلك، وخطورته، تكمنان في أن الانتخابات هنا تصبح، في الممارسة الشعبية، أقرب ما تكون الى «ديموقراطية الـ99.99 في المئة» لدى الأنظمة الشمولية، بقدر ما تصبح أوراق الاقتراع نوعا من «المانيفستو» - أو التكليف الشرعي - يجري تعميمه على الناس من دون أن يكون هناك من يسأل، أو حتى يجرؤ على المخالفة. غير أن الخطورة في حالة لبنان تفوق ذلك بأشواط، على خلفية أنه لا أحزاب هنا ذات برامج أو أفكار وايديولوجيات عابرة للطوائف بل مجرد طوائف ومذاهب في جانب، وقبائل وعشائر وعصبيات في جانب ثان، وامارات واقطاعيات سياسية في جانب ثالث.

ومحصلة ذلك في النهاية المزيد من انتاج الشيء ذاته: استقطاب أكثر، وتقوقع أكثر، وبالتالي ابتعاد أكثر عن مفهوم الانتخابات، بل وعن الديموقراطية ذاتها بما هي تعبير عن هموم الناس وآمالهم وتطلعاتهم.

ولم يكن لبنان يوما، بالرغم من كل مساوئ نظامه وعيوبه، على هذه الحال من الابتعاد حتى عن الشكل الديموقراطي للعملية الانتخابية. ذلك أنه في ذروة الانقسامات السياسية، البالغة الضيق منها والمفتوحة على آفاق أوسع، كانت الانتخابات في لبنان تسفر عن تعادل ما، أقله في اللائحة الواحدة، بما يشير الى موقف معين للناخب من اللائحة ككل ومن أعضائها كلاً على حدة في الوقت ذاته. وقد غابت هذه «الظاهرة»، على شكليتها وبدائيتها، في الانتخابات الأخيرة، بدليل الفارق الضئيل جداً في عدد الأصوات بين الفائزين في اللائحة الواحدة كما في عدد الأصوات بين الخاسرين في اللائحة المقابلة. واذا أضيف الى ذلك واقع أن قرى وبلدات وأحياء مدن صافية طائفياً ومذهبياً اقترعت بكاملها لمصلحة هذه اللائحة أو تلك، تكون الصورة اللبنانية لـ «ديموقراطية الـ99.99 في المئة» قد أخذت شكلها المخيف.

كيف وصل اللبنانيون الى هذه الحال؟!

غني عن القول أن الانتخابات النيابية، وحتى البلدية والنقابية والمهنية، قد صبغت بهذه الصبغة من الاستقطاب الحاد طيلة أعوام الحقبة السورية في لبنان، خصوصاً بعد اتفاق الطائف العام 1989 وهيمنة سورية شبه الكاملة عليه. إلا أن ما دفع ذلك الى ذروة غير مسبوقة كان ما شهده لبنان يوم 8 آذار العام 2005، وشكل في واقعه «انقلاباً» مجتمعياً (طائفيا ومذهبيا في المقام الأول) بكل ما لهذه الكلمة من معنى بالمقارنة مع ما كان عليه الوضع سابقا.

في ذلك اليوم، ورداً على موقف شعبي طاغ ندد باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وحمل المسؤولية عنه للجهاز الأمني السوري - اللبناني داعيا للاقتصاص من القتلة والمخططين، لم تتورع قوى سياسية لبنانية بعينها عن المبادرة لتنظيم حشد جماهيري في ساحة رياض الصلح ردد بصوت عال كل ما يناقض ذلك الموقف الشعبي. وفي الواقع، فلا يختلف اثنان في أن جزءاً من الحشد الجماهيري الآخر يوم 14 آذار، في ذكرى مرور ثلاثين يوما على الاغتيال، كان بدوره رداً على القوى السياسية التي نظمت الحشد، وربما - في أذهان البعض؟! - على الجماهير التي لبت الدعوة اليه وهتفت بما يناقض الدعوة للاقتصاص.

وعملياً، فليس من المبالغة في شيء اعتبار أن كل ما اعترى لبنان من انقسامات وفتن ونكبات وحروب، ساخنة أو باردة أو مضمرة، على امتداد السنوات الأربع التالية كان من نتائج ما شهدته البلاد في ذلك اليوم المشؤوم.

وحتى «التحالف الرباعي» الذي أمكن الوصول اليه في انتخابات العام 2005 كان بدوره احد نتائج ذلك اليوم، وان يكن من زاوية مختلفة تماماً: محاولة قيادات قوى 14 آذار و 8 آذار، بالرغم من كل شيء، تجاوز ما حدث في ذلك اليوم والبحث عما يساهم في إعادة اللحمة مجددا. وما انتهى اليه هذا التحالف، وطبع بطابعه تطورات الأعوام الأربعة التالية كلها، لم يكن سوى تجسيد لذهنية الإمعان في السير عكس الاتجاه الشعبي العام في جانب منها وفي الإبقاء على معاني 8 آذار الأصلية في جانب آخر.

ليس ما سبق قضية هذه السطور في أي حال. قضيتها هي أن الانقسام الطائفي والمذهبي والسياسي في لبنان وصل فعلا الى نقطة بالغة الخطر، بل والتي يخشى أن تشكل نقطة لاعودة في بلد يقوم أصلا على التنوع والتعدد، ليس طائفياً ومذهبياً وانتماءً عقيدياً فحسب، وانما فكر ورأي سياسي في الأحوال الداخلية والاقليمية والدولية أيضا وعلى حد سواء.

فما أشارت اليه نتائج الانتخابات الأخيرة، على مستوى الدوائر كلها ثم على مستوى كل دائرة على حدة، لا يقدم لبنان واللبنانيين إلا في صورة قبائل بدائية تفعل في دواخل مضاربها، وفي مواجهة غيرها من القبائل والمضارب، كل ما يأمرها به شيوخها... وشيوخها فقط لا غير .

والأفدح من ذلك، أن يطلق الشيوخ على تعليماتهم (في حالة لبنان، بياناتهم الانتخابية) صفة الفعل الديموقراطي، ثم أن يردد أفراد القبائل من بعدهم هذه الصفة كالببغاوات من دون سؤال أو حتى تفكير في معاني ما يرددون... ثم، في نهاية كل عملية انتخابية، اعلان ان ما جرى هو تعبير حقيقي عن ارادة الشعب وطموحاته في من يمثله في عمل السلطة التشريعية، وتالياً في عمل السلطة التنفيذية، بحسب أبسط أصول الديموقراطية والانتخابات الشعبية.

الصفة الأقرب الى الصحة أنها «ديموقراطية الـ99.99 في المئة» في نظام ينحو، ما لم يتم تجاوزه بسرعة، الى أن يصبح شمولياً بكل ما في الكلمة من معنى وان تحت ثوب زاهٍ تغطيه كلمات مثل الديموقراطية والانتخابات والتمثيل الشعبي.




Copyright © 2009 Elnashra.com. All rights reserved.