جولة «عونية» ثالثة على «الحلبة» الحكومية: لا تكرار لتجربة 2005
20 حزيران 2009
كارين سالم "السفير"
بعد عشرة أيام من المفاوضات الشاقة لتأليف أول حكومة في مرحلة ما بعد خروج سوريا من لبنان، خرج العماد ميشال عون من قصر قريطم، بعد اجتماع غداء مع رئيس الحكومة المكلّف «بشبه إجماع» فؤاد السنيورة بحضور النائب سعد الحريري، «مطمئناً» الى أن حجمه التمثيلي في الحكومة «لن يُمسّ»، وهو الداخل الى البرلمان راكباً «موجة» التمثيل المسيحي الكاسح في مواجهة «التحالف الرباعي».
يومها أجرى عون اتصالاً سريعاً بالقيادي في «التيار الوطني الحر» سيمون ابي رميا (النائب المنتخب حالياً) في باريس، ودعاه الى العودة الى لبنان لتحضير نفسه لتسلّم حقيبة وزارة البيئة. في ذلك الاجتماع طرح «الجنرال» على الطاولة «سلّته» الوزارية، مقفلاً باب النقاش على إمكان التعديل أو المساومة: عصام أبو جمرة لوزارة العدل، الياس سكاف للزراعة، سيمون ابي رميا للبيئة، والآن طابوريان وزيراً من دون تحديد الحقيبة.
جاء الرد مختصراً ومرضياً لرئيس الغالبية المسيحية «هناك ضرورة لتمثيل «التيار» في الحكومة، ولا مشاكل على الأسماء أو الحقائب... وسنبلّغك بالجواب النهائي لاحقاً». كانت الزيارة الأولى لعون الى قريطم، لا بل اليتيمة، بمثابة «ردّة رجل» لزيارة سابقة قام بها سعد الحريري الى الرابية، وكانت نتيجتها إعلان السنيورة اعتذار «التيار الوطني الحر» عن عدم المشاركة في الحكومة. نصيحة «عاجلة» دفعت السنيورة والحريري الى إعادة وصل «خط التفاوض» مع الرابية، وحملت بالمقابل «الجنرال» الى «القصر» ليعيد خلط الأوراق الوزارية، مبشّراً بأن تذليل العقبات لن يحتاج الى الكثير من الوقت، وذهب الى أبعد من ذلك بالتأكيد على «أن قرار مشاركتنا في الحكومة لا عودة عنه».
ولدت حكومة الـ24 وزيراً بعد 19 يوماً من جولات «الكباش» المضنية. استُبعد عون عنها، بعدما تراجعت الأكثرية عن الوفاء بالتزاماتها. وبشهادة «رسمية» من السنيورة، انتقل «البرتقاليون» الى مقاعد المعارضة في البرلمان.
يقول أبي رميا «يومها اكتشفنا مقدار الخبث والتذاكي في التعاطي معنا. يعدوننا بشيء، ويتصرفون بعكسه... كان المطلوب أن نبقى خارج الحكم، وهذا ما حدث». تقاسم حصة «الجنرال» الرئيس أميل لحود و«تيار المستقبل». الضغط الجنبلاطي و«الفيتوات» على حقيبة العدل وتوزير الياس سكاف ووزير أرمني، أفشلت مساعي عون لخوض أول تجربة حكومية. حلّ محلّهم الياس المر، شارل رزق، يعقوب الصراف وطارق متري. بالنسبة لأبي رميا «ثلاثة وزراء من هؤلاء كانوا «مضمونين في جيبة» من سعى لتعيينهم، ورأينا أين التحقوا بالنهاية».
في حسابات الرابية يومذاك، أن «الحريرية السياسية» لم تكن لتقبل بدخول «التيار» الى الحكومة، بحيث قد ينضم الى «الكتلة الشيعية» الخارجة عن السيطرة أصلاً... وهكذا يصبح أكثر من ثلث الحكومة، متمرداً على قرار قريطم».
«العود» العوني «الطري» عام 2005، اكتسب شيئاً من القساوة عام 2008. اتفاق الدوحة الذي انتج «حكومة انتخابات» قصيرة العمر، لم يمنع عون من فرض شروطه من موقع «القوي» هذه المرة، متسلّحاً بورقة «التسونامي» السارية المفعول وبحلفه الحديدي مع «حزب الله». تَمسّك بالوزارات السيادية، وبحصة «الأسد» في الحكومة الثلاثينية. و«موغابي» المعارضة، كما وصفه جنبلاط، رسم خطاً أحمر للمعادلة الوزارية: كتلتنا 22 نائباً، وسدس هذا العدد هو خمسة وزراء... ونقطة على السطر. تراجُع التمثيل الوزاري لكتلتي «حزب الله» و«تيار المستقبل» ساهم في تثبيت الحصة «الخماسية» لـ«تكتل التغيير والاصلاح»: عصام أبو جمرة نائباً لرئيس الحكومة، جبران باسيل وزيراً للاتصالات، الياس سكاف وزيراً للزراعة، والآن طابوريان وزيراً للطاقة، ماريو عون وزيراً للشؤون الاجتماعية. التشكيلة الحكومية ولدت بعد 45 يوماً من تكليف السنيورة، بمكاسب مسيحية نوعية «لجنرال الرابية»، انسحبت مفاعيلها حتى على مسيحيي الموالاة الذين تعززت حصتهم عن عام 2005، وخصوصاً «القوات» التي تمكّنت من انتزاع حقيبة «العدل» من «تيار المستقبل».
كسب «الجنرال» معركة، ولم يربح الحرب. كانت عينه على الانتخابات النيابية عام 2009. تحصّن خلف «المتراس» الوزاري، «المدجّج» بالنوعية المسيحية التمثيلية، منتظراً ساعة الصفر... لحظة فتح صناديق الاقتراع. لم تهبّ رياح «النيابة» وفق ما تشتهي سفن «الجنرال». تراجع التمثيل المسيحي لعون، من دون أن يفقد عنصر التفوق على مسيحيي 14 آذار. الأكثرية بقيت في موقعها، كذلك المعارضة. معادلات سيحاول قادة الفريقين إيجاد ترجمة الحد الأدنى لها، في الحكومة الثانية في عهد الرئيس ميشال سليمان. الرابية متمسكة «بالتمثيل النسبي» في الحكومة الجديدة. ليس في هذا الموقف ما هو جديد في «الأسلوب العوني» بالتعاطي مع الاستحقاقات الحكومية. هكذا كانت «الرغبة» عام 2005، و«الترجمة» الفعلية والأولى بعد اتفاق الدوحة... و«الإصرار» على المبدأ نفسه عقب الانتخابات الأخيرة. أكثر من ذلك، يسعى عون لحصر التمثيل المسيحي المعارض به، تماماً كما في تجربته الحكومية الأولى، حين أعطي هذا التفويض من قبل حليفيه الشيعيين، على طبق من فضة، وهو المدرك أن هذا «الامتياز» لن يمنحه وليد جنبلاط والحريري لحليفيهما المسيحيين.
يحمل أحد النواب المنتخبين الجدد في «تكتل التغيير والإصلاح» الآلة الحاسبة، يجري عملية حسابية بسيطة، ويقول «حصلنا على 5 وزراء بعد الدوحة في حكومة من 30 وزيراً، وكان التكتل مؤلفاً من 19 نائباً. اليوم نحن 27 نائباً، وهذا يفترض في حكومة الثلاثين أن يكون لنا سبع حقائب، مع العلم أن المعارضة تشكل 45% من مجلس النواب، وبالتالي يجب على حلفائنا أيضاً أن يكونوا في الحكومة وفق النسبة التمثيلية لحجمهم». ويضيف «نحن أكبر كتلة نيابية بعد «تيار المستقبل»، والتمثيل النسبي يعطينا حق التمثل بـسبعة وزراء مسيحيين، فيما يتقاسم مسيحيو الموالاة و«تيار المستقبل» الوزارات الثماني الباقية». تتلقف الدائرة المحيطة بعون بكل ايجابية «الجو الانفتاحي» من جانب النائب الحريري «والذي لا نلمسه لدى مسيحيي 14 آذار، الأمر الذي قد يؤدي الى الغرق في أزمة حكومية».
وينطلق «تكتل التغيير والإصلاح» من جملة «مسلّمات» في تعاطيه مع مفاوضات التأليف: لا تنازل عن الثلث الضامن في الحكومة إذا كان عنوانها فعلاً «الوحدة الوطنية»، وأي ضمانات شفهية أو مكتوبة لن تغني عن هذا المطلب. لا تراجع عن التمثيل النسبي، وهي ورقة يفرضها على الحلفاء والخصوم معاً. عدم القفز فوق «عِبر» السابع من أيار، القائمة على ضرورة احترام الديموقراطية التوافقية ومبدأ الشراكة في الحكم وعدم التفرد والاستئثار. لا مجال لتكرار تجربة «الاستبعاد» عام 2005، ولا حكومة من دون «عونيين» ولو كلّف الأمر إطالة عمر حكومة تصريف الأعمال، وزعزعة الاستقرار السياسي في البلد.
يتدرّج «التكتل» في فرض شروطه. النسب أولاً، أي انتزاع الموافقة على مبدأ التمثيل النسبي، مهما كان «شكل» الحكومة. مبدئياً، يقول نائب منتخب من «التيار»، حلفاؤنا خارج «التكتل» لم يعترضوا على «حجم» تمثيلنا، والكرة ستكون في ملعب الأكثرية. ثم الحقائب الوزارية، حيث يشترط عون الاستحصال أقله على «حقه الطبيعي» من الحقائب السيادية. أما اختيار الأسماء فيفترض مشاورات في العمق مع الحلفاء. حتى الساعة، تتكتم الرابية على «سلّتها» الوزارية لناحية الحقائب والشخصيات المقترحة للتوزير، مع أنها تشهد «عجقة» متجددة من الطامحين هذه المرة لاستكشاف «الجنة» الحكومية، خصوصاً أولئك الذين وعدوا بدخول السرايا الكبيرة، تعويضاً عن عدم شملهم بـ«نعمة» الترشح على لوائح «التغيير والإصلاح».
لكن سيكون على العماد عون من ضمن «معركته» التفاوضية على الأسماء والحقائب، الالتزام بما سبق ونادى به مدخلاً للإصلاح. هنا، يتحدث «عونيون» عن ضرورة تكريس مبدأ فصل النيابة عن الوزارة. ففي «حكومة الدوحة»، شذّ النائب سكاف عن القاعدة ليتسلّم حقيبة الزراعة. أما اليوم، يقول هؤلاء، على كل القوى السياسية أن تقرّ هذا القانون في مجلس النواب وتعمل بموجبه. وفي حال عدم السير به، فأقله نحن كنواب «التيار الوطني الحر» لن نسجّل على أنفسنا أننا خالفنا أحد الإصلاحات الأساسية التي نطالب بها، وهذا يعني أنه لن يكون هناك نواب من «التيار» في الحكومة المقبلة». وماذا عن توزير المرشحين الخاسرين؟ يدرك «التيار» أن إعادة جبران باسيل الى وزارة الاتصالات، أو عصام أبو جمرة الى نيابة رئاسة الحكومة، سيفتح عليه باب المساءلة من جانب حلفائه أولاً. وهكذا قد يجد سليمان فرنجية نفسه، «زميل» ميشال معوض في الحكومة الجديدة، وعندها لن يجد مبررات كافية لرفض هذا التوزير، طالما أن الفارق بين معوض وسليم كرم كان أقل من 800 صوت في الانتخابات. لكن وفق المنطوق العوني، لا شيء في الدستور يمنع المرشح الخاسر من تعيينه وزيراً، وهذا ما حصل مع جبران باسيل ونسيب لحود في الحكومة السابقة، وبالتالي ما المغزى من قطع الطريق على أي وزير أثبت جدارته في الحكومة، من أن يستكمل «جدول انجازاته»...؟
Copyright © 2009 Elnashra.com. All rights reserved.