التوازنات بين المسيحيين بعد الانتخابات تطور إيجابي لمصلحتهم
22 حزيران 2009
روزانا بو منصف "النهار"
شكّلت نتائج الانتخابات النيابية في المناطق المسيحية من حيث توزعها بين مختلف الافرقاء ارتياحا كبيرا على اكثر من مستوى. إذ باسثناء الثغرة الكبيرة التي تمثلت في منع وصول مستقلين كثر الى مجلس النواب، خصوصا ان من بينهم من عرف بموقعه النخبوي ويشكّل الوجه الحضاري للموارنة في لبنان، فإن الخلاصة التي انتهت اليها الانتخابات تفيد أن هذه المناطق وازنت نفسها بنفسها اذا صحّ التعبير. فقد حافظت هذه الانتخابات على التعددية في المناطق المسيحية التي جعلتها وحدها تشهد انتخابات حقيقية افتقدتها مناطق لبنانية اخرى ذات غالبية طائفية معينة. وهذه التعددية، وإن على مستوى المسيحيين، لا تزال نقطة تقدير من الخارج لم يفت كثير من المراقبين الديبلوماسيين الاشارة اليها قبل الانتخابات وبعدها في معرض مفاضلتهم بين تأييد زعيم واحد او وجود زعماء عدة من ضمن الطائفة الواحدة ولوضع حد لبعض الشكوى المسيحية في بعض الاوساط من التشرذم المسيحي والخلافات القائمة بين مختلف القيادات لدى هذه الطائفة، مما يجعلها تفتقد وزنها الحقيقي الفاعل وفق ما ينبغي ان تكون.
فالانتخابات أظهرت قيادات عدة باحجام مختلفة، لكن لا الغاء لاحد منهم لمصلحة الآخر، بل على العكس من ذلك، ان هناك مساحة لكل منهم على مساحة النفوذ المسيحي يفترض ان يحترمها الآخر، خصوصا ان أياً من هذه القيادات ليس طارئاً، بل هو حصيلة كل اعوام الصراعات المسيحية المسيحية منذ اكثر من عشرين سنة. ولا غالبية مسيحية لدى اي منهم كما في عام 2005 او ما قبلها في زمن الحرب تسمح لاي زعيم او تمنحه الوكالة افتراضيا لاخذ المسيحيين حيث يريد او وفق ما يرتئي من خيارات. فهذا الزمن قد ولى بعدما لاحت فرص تاريخية بكل معنى الكلمة اهدرت هباء. وليس خافيا في هذا الاطار ان ثمة رصداً لتراجع التيار الوطني الحر محلياً وخارجياً لاسباب كثيرة لا مجال للدخول فيها لكونها تستحق اكثر من اسطر قليلة لتحديدها وشرحها، لكن البعض منها يرتبط بالخيار السياسي الذي اعتمده "التيار" مع كل مترتباته اقليميا ودوليا واميركيا تحديداً، ويتصل البعض الآخر منها بدور المسيحيين التاريخي الذي يعتبر المراقبون ان البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير أعاد بلورته بقوة في الكلمات القليلة التي اطلقها قبل ساعات من الانتخابات النيابية حول هوية لبنان وموقع المسيحيين فيه وازاء العالم الخارجي. وهذه المسألة لا يستهان بها من حيث عدم التساهل اطلاقا ازاء التحول المسيحي واستمراره علامة استفهام كبيرة في انتظار الانتخابات النيابية من اجل التثبت من حقيقته واقعا. وقد اثار ذلك ارتياحاً ولو لم يتم التعبير عنه علنا.
فنتائج الانتخابات بلورت الدور التاريخي المستمر للبطريركية المارونية من حيث ان كلمة واحدة من سيد بكركي رسمت خريطة مختلفة لهذه النتائج، أقلّه وفقا للمسؤولية التي حمّله اياها اركان 8 آذار والمعارضة، والمسيحيون منهم تحديداً، وصولا الى الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الذي تبنى موقف حلفائه الذين ظنوا ان الانتقادات والحملات السابقة تجعل سيد بكركي يبتعد عن الشأن السياسي. وقد فاتهم ان رجل دين بمقامه ووقاره لن يترك لبنان يذهب الى أخطار يراها هو وكثيرون معه، علماً ان قوى 8 اذار حاولت جاهدة قبل الانتخابات دحض المخاوف من احتمال فوزها بالاكثرية من دون ان تنجح. كما فاتهم ان رجل دين بموقعه وعمره لن يتوج حياته بالاستسلام الى الخوف من الانتقادات والحملات عليه، بل على العكس من ذلك خصوصا ان هذه الاخيرة ساهمت ربما في تعزيز موقعه اكثر، باعتبار ان فكرة تنحيه او مغادرته لموقعه او منصبه، على ما هدفت هذه الحملات، لن يحصل في اي شكل من الاشكال تحت وطأتها. وقد اظهرت نتائج هذه الانتخابات ان لا صوت يعلو فوق صوت الكنيسة المارونية عمليا ولا قدرة لأحد على تجاوزها.
وهناك زعيم "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون الذي فاز في الانتخابات بنسبة كبيرة، لكن ليس وفق ما كان يطمح اليه، بل ان شعبيته المسيحية تراجعت، اقلّه وفق ما اقر به هو شخصيا اثر الانتخابات، وهو ما يقيد هامش حركته من حيث اضطراره الى مشاركة كل المواقع المسيحية الاخرى المسؤولية والنفوذ لدى المسيحيين. وهناك "القوات اللبنانية" وحزب الكتائب اللبنانية و"تيار المردة" وحزب الاحرار، وقد فاز كل منها بمقاعد تحفظ مواقعها العائلية والسياسية في المعادلة المسيحية وتتقاسم جميعها الوجود والنفوذ السياسي من ضمن هذه المعادلة.
وفي المقلب الآخر، يتقدّم موقع رئاسة الجمهورية المسيحي الذي لم تنل من موقعه الاتهامات التي ساقها البعض ضده قبل الانتخابات. وهو كان آنذاك وما بعد الانتخابات نقطة الاستقطاب الخارجي من حيث تأكيد مرجعيته الاولى ليس كرئيس من الطائفة المارونية، ولو انه كان سيكون ايضا كذلك لو فازت قوى 8 آذار بالغالبية النيابية. وهو يحظى بدعم لانطلاقة جديدة مختلفة لعهده لم تتوافر له في العام الاول من ولايته. لكنه يبقى في خريطة القوى المسيحية التي افرزتها الانتخابات الموقع الذي يحتاج الى حصانة اكبر من الداخل ومن اهل بيته، بحيث يتعيّن على المسيحيين لو شاؤوا استعادة الوزن السياسي وفرض احترام الاخرين له في الداخل والخارج، دعمه بقوة خصوصا في غياب الاستحقاقات لبضع سنوات من الآن.
Copyright © 2009 Elnashra.com. All rights reserved.