جعجع: نتائج الانتخابات تُخرج القوّات من السجن

24 حزيران 2009 غسان سعود "الأخبار"



لم تكن الأمور سهلة على سمير جعجع قبل 4 سنوات، يوم خرج من السجن: حلفاء جدد بعضهم خاض في مواجهته حروباً دموية، وبعضهم لم يكن قبل شهور قليلة من إطلاق سراح جعجع يعرف بوجوده، وحزب مشتّت مجموعات متناحرة تختلف على كل شيء وتسلّم بقيادته، إضافة إلى «مجتمع مسيحي تعب» و«بلد على فوهة بركان لا يهدأ». يومها، كثّف جعجع حركة سياسية توصف بالتراكمية، وواكب اهتمامه السياسي واهتمامه الحزبي الداخلي، معتمداً مبدأ الهدوء في مقاربة القضايا الداخلية خصوصاً. هكذا، بدأ يجري الاتصالات بكل الذين يثق بهم ممن ابتعدوا عن القوات، مصالحاً الكادرات ومتعرّفاً إلى وجوه جديدة يمكن الاتكال عليها تنظيمياً. وراح الجسد القواتي يستعيد بعضاً من مكوّناته. وهنا، يقول أحد المسؤولين في القوات إن استعادة الحضور الشعبي كان يمكن أن يكون أسرع لو توافرت بضعة عوامل مادية. لكن جعجع كان يرفض الاستعانة بحلفائه على هذا الصعيد، مفترضاً أن من يدفع الأموال سيسعى في أحد الأيام ليشتري الموقف السياسي، وهو دين لا حاجة إليه في ظل علاقات القوات ببعض المغتربين وكبار المتموّلين محلياً، إضافة إلى امتلاك القوات أصلاً ثروة مهمة. وفي هذا الموضوع، كان جعجع دائم الترداد: يفترض أن نتبنّى خطوات ثابتة تؤسس لحالة تشبهنا وتكون راسخة، فيكتب لها الاستمرار حتى لو تأخّرنا سنة أو سنتين.
لاحقاً، في غمرة الاستحقاقات وقبل اتفاق الدوحة، بدأت القوات بقيادة جعجع التحضير للانتخابات، ويروي المصدر المطّلع كيف أشرف جعجع على انطلاق الماكينة التي نشطت في المناطق والنقابات والجامعات والمدارس ودول الانتشار، ونجحت بربط المعلومات التي تصلها من مختلف هذه القطاعات. وقد كان فريق العمل القواتي سبّاقاً بين قوى 14 آذار في إنهاء لوائح المغتربين قبل نحو سنة ونصف عبر جداول تتضمن معلومات كاملة عن المغتربين الذين يمكن القوات أن تستعين بهم في الانتخابات، واضعين القدرات الحقيقية لكل مغترب سواء على مستوى علاقاته الاجتماعية والسياسية، أو على المستوى المادي. ثم كلف فريق العمل الانتخابي عدداً كبيراً من شركات الإحصاء المتنوعة الانتماء السياسي إعداد دراسات مفصّلة، قارنت القوات لاحقاً بين نتائجها لتستخلص بعض العبر. وفي موازاة هذه الدراسات، كان مسؤولو القوات في البلدات يقدمون كل بضعة أيام تقريراً مفصّلاً عن الحالة السياسية في بلداتهم وتغيّر موازين القوى.
ومع بدء إعلان اللوائح، وضع جعجع عنواناً أساسياً للمعركة: مصلحة 14 آذار فوق كل اعتبار، ولا يفترض المكابرة إلى حدّ يسمح لأحدهم بالتفكير أو القول إن القوات سبّبت خسارة 14 آذار. وفي التفاصيل، يروي قيادي في القوات: حين قيل جورج عدوان أو دوري شمعون، أجاب جعجع قائلاً: عدوان وشمعون، وحين سئل: القوات أو الكتائب في عاليه، قال الكتائب رغم إعطاء معظم الاستطلاعات أرجحية للمسؤول القواتي جهاد متى على مرشح الكتائب، النائب فادي الهبر، وحين وضع أمام خياري سامر سعادة في طرابلس أو وهبة قاطيشا في عكار اختار الانسحاب مرة جديدة للكتائب، قبل أن يسحب المرشح القواتي في الأشرفية لمصلحة أرمن الأكثرية الذين قالوا إن إبعاد النائب سيرج طورسركيسيان سيضرّ بلائحة 14 آذار في الأشرفية. وفي رأي القيادي في القوات، فإن الشراكة تورّط الشريك وتبعد كأس الأعداء ـــــ الأصدقاء. مضيفاً أن من السيئ الإتيان «بأهل منزلك فحسب لأن هذا يظهر ضيق الأفق». من هنا، وضعت القوات قدراتها بتصرف لوائح 14 آذار سواء كانت ممثّلة فيها أو لا، و«عملت ماكينة القوات معارك كل المرشحين والأحزاب المسيحية كلها». وفي رأي المصدر، فإن تسليم الأكثرية معركة كسروان لجعجع قبل نحو شهرين من الانتخابات كان سيسمح للائحة الأكثرية بالفوز، لافتاً إلى أن جعجع بادر إلى زيارة الأشرفية حين سمع أن وضع المرشح نديم الجميل ليس جيداً، وزار زحلة لتعزيز حظوظ الأكثرية. وفي هذا السياق، يقول أحد القواتيين بفخر إن جعجع لم يزر دائرة، عشية الانتخابات، إلا فاز مرشحو الأكثرية فيها. وينتهي أهل معراب إلى القول إن للانتخابات منطقها، وقد نجح جعجع في مراعاة الخصائص الغريبة والعجيبة لقوى 14 آذار المتنوعة، مؤكدين أن القوات لم تشأ أن تفوز هي وتخسر 14 آذار، ذاكرين مثلاً عن طفل أطلق النار على ذبابة غطّت على رأس والدته فقتل الذبابة ووالدته.
في النتيجة، تبدو القوات مرتاحة جداً إلى نتائج الانتخابات، معتبرة أنها كانت القوة الأساسية في تحالف 14 آذار، والعنصر الأساسي في أسباب فوز الأكثرية. والأهم، إثبات القوات «استحقاقها الشراكة ضمن قوى 14 آذار، وتأكيدها في صناديق الاقتراع أنها ليست أهل ذمّة، كما حاول البعض أن يصورها، على طاولة البريستول». وفي رأي أحد مسؤولي القوات، فإن اليوم ثمة ريشاً كثيراً، وكثر يصرّون على حرق أصابعهم مئة مرة قبل أن يتعلّموا، لكن كل ذلك لا يلغي حقيقة أن القوات كلها، القائد والناس، كانوا في السجن مادياً ومعنوياً. ورغم خروج جعجع من السجن قبل 4 سنوات، فإن الناس لم يخرجوا إلا عند فرز صناديق 7 حزيران حين شعروا بأن القوات باتت حقاً خارج السجن، وهو ما يمكن تلمّسه من خلال الحماسة الشبابية التي تملأ المناطق المسيحية هذه الأيام، ومن خلال هواتف معراب التي لا يهدأ رنينها.
اليوم يبدو جعجع مطمئناً إلى كتلته النيابية، مؤكداً أنها تكفي راهناً، وخصوصاً أن المرشحين الفائزين والخاسرين الذين خاضت القوات معاركهم لن يبتعدوا في القريب المنظور عن زعيم معراب. لكن الورشة مستمرة، ثمة من يراجع جدياً ما حصل في الانتخابات لاستخلاص العبر وتحديد نقاط قوته وضعفه بموازاة بدء التحضير الجدي هذه المرة لعقد المؤتمر العام لحزب القوات اللبنانية. وختاماً، في معراب ثمّة من يقول إن جعجع قبل 4 سنوات خرج ليجلس على طرف الطاولة في اجتماعات 14 آذار وبدأ يعطي رأيه بهدوء، وها هو اليوم ركن أساسي في قوى 14 آذار التي باتت بعد الانتخابات «تعرف أن نصابها لا يمكن أن يكتمل من دونه».


Copyright © 2009 Elnashra.com. All rights reserved.