بين "الطاشناق" و"أبو الياس"... غداً يوم آخر
30 حزيران 2009
كارين سالم "السفير"
تعكّر «المزاج الأرمني» خلال انتخابات «المواجهة الصامتة» مع الحليف «التاريخي» ميشال المر. سمع «الطاشناق»، الحزب الأرمني الأعرق، بعد صدور نتائج الانتخابات في المتن، كلاماً «عنصرياً» سبق أن سمعه من شقيق «دولة الرئيس» وفي محيط بكفيا عقب انتهاء انتخابات 2007 الفرعية. مرة أخرى، وُضع «الطاشناق» في قفص «المعايرة»، بسبب «التزاماته» السياسية التي عادة ما تنعكس «نظاماً مرصوصاً» ضمن قاعدته الناخبة. المر الأب شكّل رأس حربة «الهجوم» هذه المرة على «المعقل الأرمني» في برج حمود. من «العمارة» رشق الأرمن بسهام التزوير والتلاعب بالقيود، مطالباً بإلغاء الأرقام المشكوك بصدقيتها. ومن مقر «الطاشناق» صدر الرد، بالأرقام وبالسياسة. لكن الحزب الأرمني بدا معنياً بعدم إقفال باب التواصل مع «الشريك المتني» السابق. اختصر الأزمة بـ«غيمة صيف»، متّكلاً على عامل الوقت لإعادة شيء من «الحرارة» الى علاقة عمرها نحو 50 عاماً.
الرؤية بالمجهر تكشف عمق الفجوة بين «العمارة» وبرج حمود. هي «قلوب مليانة» وليس «رمانة» انتخابية، وفي 7 حزيران كان يوم الحساب. الرسالة الأرمنية المباشرة الى «زعيم العمارة»، والتي سبقت فتح صناديق الاقتراع، بعدم القدرة على إلزام كل الناخبين الأرمن بالتصويت للمر، مهّدت في واقع الأمر، لتدشين مرحلة جديدة في التعاطي «الندي» بين زعيم بنى «أمبراطوريته» المتنية طوال عقود على «أساسات» أرمنية، وبين حزب «لا يمنّن» عادة حلفاءه بقدراته الاقتراعية الحاسمة، لكنه «يلفظ» كل من يسيئ الى الكيان الأرمني بهويته اللبنانية و«حيثيته» السياسية المؤثرة على الساحة الداخلية. هو تباعد سياسي قبل كل شيء، وطاولة «الإصلاح والتغيير» في الرابية شاهدة على جولات من «التناقض» بين الطرفين في النظرة الى المواضيع الخلافية. عزّز هذا التباعد، الخطاب الفوقي «لأبو الياس» قبل الانتخابات، و«النَفس المعادي» لبعض المحيطين به تجاه سياسة «إعادة التموضع» التي انتهجها حزب الطاشناق منذ العام 2005.
بعد إطفاء محركات الماكينة الانتخابية لـ«الطاشناق»، لإراحتها «قليلاً» ثم «تزييتها»، قبل أن تنطلق مجدداً «بصمت» للتحضير لمعارك 2013، يقول ناشط في هذه الماكينة «نعم كان هناك تململ كبير لدى القاعدة الناخبة الأرمنية من «أداء» المر... لكن الجميع كان ملتزماً في النهاية، محازبين ومناصرين، بقرار «الطاشناق»... ويبدو أن القيادة لم ترغب بتحصين المر ببلوك من 10 الآف صوت، لذلك هو لم ينل سوى النسبة التي تؤمّن نجاحه». من يعرف «الطاشناق» عن قرب يدرك أن هالته تنسحب «تكليفاً» لا نقاش فيه لدى القاعدة في الانتخابات... في 2009 كان الاستثناء، و«الطاشناقيون» يردّدون «المر يعرف الأسباب...»
هؤلاء تحديداً يعودون بالذاكرة الى العام 2001، حين حصل اجتماع عام للجالية الأرمنية في باريس، من أجل جمع التبرعات للدفاع عن القضية الأرمنية. يومها كان ميشال المر الشخص الوحيد من لبنان الذي حضر الاجتماع وتبرّع للجالية «بمبلغ محترم». إتكاء على الماضي القريب، للتدليل على عمق العلاقة التي تربط بين الحليفين «اللدودين». المسيرة بداًت أصلاً منذ العام 1960، حين ترشّح المر لأول مرة الى النيابة. توطدت شيئاً فشيئاً في الـ68 و72، وفي كافة المراحل الانتخابية بعد الطائف. «لم نكن يوماً في «جيبة المر» كما يحاول الايحاء اليوم. خضنا الانتخابات الكتف على الكتف، كان تعاون الأقوياء وليس «الضعيف الملحق بالقوي»... وفي الانتخابات الأخيرة كان «رد الفعل الأرمني» الجواب على «الفعل المرّ»، ومع ذلك احترمنا وَعدنا له، فنال أصوات المحازبين في الطاشناق فقط... وسيكتشف لاحقاً، بعد انتهاء صلاحية ورقة «التزوير والتلاعب بالقيود» التي رفعها بوجهنا، أننا لم نخنه ولم نطعنه في الظهر». وما لم تقله قيادات «الطاشناق» الحزبية، قالته المجموعات المؤيدة للحزب الأكثري «القاعدة غير الملتزمة حزبياً انسجمت مع نفسها ولم تصوّت للمر، لكن الـ2200 صوت التي نالها من المحازبين، كلّفت هؤلاء التصويت ضد قناعاتهم...»
وللحديث صلة... في مكتب النائب ميشال المر في عمارة شلهوب، نسجت آخر «خيوط الجفاء» مع الحليف الأرمني. سريعاً التقط مقر «حزب الطاشناق» في برج حمود اشارات «التشويش» على خطوط الاتصالات التي كانت لا تزال مفتوحة مع «أبو الياس» حتى يوم الانتخاب. «زعيم العمارة» كان يحاول دق الإسفين بين أهل البيت الواحد، مردّداً أمام رؤساء البلديات والمخاتير الموالين له «خبريات» عن خلافات تعصف بين قيادة «الطاشناق»، ووجود «خطين» أحدهما داعم لسعد الحريري وآخر مع ميشال عون».
أكثر من ذلك، العرض «الحريري» لـ«الطاشناق» بمنحه أربعة مقاعد نيابية، مقابل أداء واجب «الطاعة» لقريطم والتخلي عن «الجنرال»، صيغ بأدق تفاصيله مع «دولة الرئيس»، الذي كان يحاول ضرب عصفورين بحجر واحد: سحب «الطاشناق» من الحضن العوني، وتعزيز الحصة «الوسطية» في برلمان 2009. وثمة من يهمس في المحيط الأرمني، أن «جَميل» المر في الضغط على حلفائه لفوز أغوب بقرادونيان بالتزكية في المتن، لم يكن بنية تحييد أرمن الطاشناق عن «دائرة الخطر والمساومة»، إنما «لتنفيس» حماس «الطاشناق»، وحقنهم بـ«المخدّر» للتخفيف من وهج إقبالهم على صناديق الاقتراع، الأمر الذي قد يحرم لائحة «التغيير والإصلاح» من أصوات هي بأمسّ الحاجة اليها». مع ذلك، تتردد عبارات «المحبة والود والاحترام... تجاه دولة الرئيس»، بالرغم من الأخطاء المتراكمة من جانبه، والأهم أن الانتخابات «اصبحت وراء ظهرنا»... وغداً يوم آخر، في حسابات العديد من الأرمن الذي «شطّب» المر في 7 حزيران.
لا يجد «الندم» مكاناً لدى «الطاشناق» في رفضهم لعرض قريطم «المشروط»، مع علمهم المسبق بشراسة المعركة في بيروت الأولى وفي زحلة. «نائبا التزكية» قد لا تكون ورقة «مساومة» رابحة على طاولة الاستحقاقات الداهمة، من تأليف الحكومة الى طاولة الحوار الى مشروع إنشاء جبهة سياسية واسعة للمعارضة... لكن برأي «الطاشناق» التبعية لقريطم ثمنها أكبر، وقد يكون أقصر الطرق لإلغاء الذات، ونقل الأكثرية الشعبية الأرمنية الى «غيتو» التقوقع والإنعزال والتنازل عن الدور المؤثِر.
«حرية التعبير الأرمنية» متوافرة في الرابية... تماماً كما في برج حمود. هذا ما يجعل الحديث عن مواجهة أي استحقاق سياسي «مريحاً» للحزب الممثّل بالنائبين أغوب بقرادونيان وأرتور نظريان، لأنه مبني على أساس حديدي: «الطاشناق» هو الممثل الشعبي الحقيقي للأرمن، أما النواب الأربعة الباقون فقد انتخبوا بأقلية من الأصوات الأرمنية، وبالتالي لا يمكن تجاهل وجوده ورأيه في اختيار رئيس مجلس النواب، وتأليف الحكومة، والتعيينات، والمشاركة في طاولة الحوار...
في تأليف الحكومة ستتوقف المفاوضات عند نقطة أساسية هي شكل الحكومة. إذا كانت ثلاثينية، سيتم تمثيل الأرمن بوزير يختاره «حزب الطاشناق» وآخر يدور في فلك قريطم، وقد يكون من «الهنشاك» أو «الرمغفار». وتتحدث معلومات عن إعادة تثبيت الوزير جان أوغاسابيان في موقعه. أما في حال كانت الحكومة مصغّرة، وهو احتمال ضعيف، فسيكون على الأحزاب الأرمنية مجتمعة، أن تتوافق على وزير واحد في حكومة سعد الحريري. في مطلق الأحوال، لا يغيب عن بال «الطاشناق» تجاه استحقاقات من هذا النوع، الغبن «المنظّم» الذي تعرّض له عشية انتخابات العام ألفين حين حُرم من حق اختيار نوابه للمرة الأولى، ومن ثم إقصائه وزارياً. وتذوقه «الطبق المرّ» مجدداً عام 2005، باستبعاده عن التمثيل النيابي في بيروت، وبقائه خارج حكومة السنيورة، الأمر الذي كلّف العماد عون نفسه البقاء خارج السرايا الكبيرة بعدما رفض المشاركة في حكومة لا وجود «للطاشناق» فيها.
منطق مغاير يحكم الجلوس على «طاولة الحوار». حين كان الرئيس نبيه بري يدير دفة الحوار في مجلس النواب، تم الاتفاق بين الأحزاب الأرمنية الثلاثة على مبدأ المداورة لتأمين حضور كل الأطياف السياسية للأرمن. بعد اتفاق الدوحة، وافق رئيس الجمهورية على تمثيل «الطاشناق» عبر النائب بقرادونيان بصورة دائمة على طاولة الحوار في بعبدا. لكن الحوار في «نسخته» الثالثة سيفرض حتماً إشكالية التمثيل الأرمني الموازن بين «الأكثرية النيابية» المتوافرة في صف 14 آذار، و«الأكثرية الشعبية» التي يمثلها «حزب الطاشناق». وفي وقت بدأت فيه تتبلور صورة الكتل النيابية تمهيداً لفرض «أحجامها» في سوق الشراء والبيع، ثمة من يسوّق في البيت الأرمني المنقسم سياسياً، لضرورة التقاء «الأضداد» في كتلة واحدة على طاولة الحوار لإثبات الوجود، ولتأمين تمثيل «الأكثريتين» بطريقة سليمة... مجرد اقتراح «مُهادن» يستهدف المصلحة الأرمنية العليا، لكن حدّة الفرز السياسي داخل البيت الأرمني الواحد تجعل من أي محاولة لتقريب وجهات النظر مجرد مشروع على الورق.
Copyright © 2009 Elnashra.com. All rights reserved.