كان من المؤكد الا توافق الولايات المتحدة الاميركية على اي اتفاقية امنية مع العراق لا تضمن لها مكاسب كبيرة ومهمة على الصعد السياسية والمادية والعسكرية. وعلى الرغم من تأخر موافقة السلطة التنفيذية العراقية على الاتفاقية، الا انها خطت الخطوة الاولى بنجاح، في انتظار خطوة ثانية هي مجلس النواب الذي لا يتوقع ان تفشل فيه، ما لم تحصل معجزة ما او حدث ضخم يؤدي الى ارجائها او الغاء التوقيع عليها، وهو امر مستبعد.
وسبب استبعاد هذه الفرضية يكمن في ان السلطة العراقية بحاجة الى ما تقدمه للشعب العراقي لاظهار انها تبذل جهوداً كبيرة في سبيل خروج القوات الاميركية من الاراضي العراقية، فيما يرضي الاتفاق الاميركيين الذين يمضون في سياستهم المعلنة لجهة نيتهم الانسحاب من العراق في اقرب فرصة ممكنة دون زعزعة الاستقرار والامن فيه. وفي الحقيقة ان النظريتين المعلن عنهما لا تقاربان الحقيقة، فالواقع الاهم والذي يفرض نفسه على هذه الاتفاقية هو حصولها على موافقة دول الجوار وبالتحديد سوريا وايران. ويضع البعض زيارة وزير الخارجية العراقي هوشيبار زيباري الاخيرة الى دمشق في هذا الاطار، لجهة الحصول على تأييد ضمني لهذه الاتفاقية بما يضمن نجاحها والسير بها بشكل طبيعي، مع تمن عراقي على السوريين ان يتدخلوا مع الايرانيين ليحظوا بتأييدهم على هذه الامر. ومن المنظار العراقي، فإن الاتفاقية تعطي السلطة صورة مقبولة لدى الرأي العام العراقي، كما ان موافقة جيران العراق عليها يضمن عدم تضارب المصالح التي تنعكس فورا ًعلى الوضع الامني فالاقتصادي. ومن وجهة النظر الاميركية فإن الاتفاقية تسمح لادارة الرئيس الاميركي الجديد باراك اوباما التي ستتشكل قريباً، من عدم اثقال نفسها بأهمام ومشاكل العراق، فتعطيها فترة سماح مقبولة وضرورية وتسمح لاوباما بعدم خرق وعوده بإعادة الجنود الاميركيين الى بلادهم، دون ان تخسر موطىء القدم الذي جهدت اميركا للحصول عليه وتكبدت خسائر مادية ومعنوية وعسكرية وسياسية في سبيله.
من هنا، يبدو جلياً ان الاميركيين حققوا مكاسبهم السياسية والعسكرية والاقتصادية من خلال هذه الاتفاقية، كونها تبقي على حضورهم العسكري القوي والفاعل في المنطقة من جهة، وتؤمن لهم الموارد الاقتصادية والمالية المطلوبة، كما انها تبقي ورقة العراق سياسياً في يدها عند التعاطي مع الدول الاخرى وبالاخص ايران وسوريا، ولو ان البلدين يتمتعان بنفوذ كبير في العراق من شأنه ان يؤثر على عناصر الاستقرار على لاصعد كافة.
وم نالمرجح ان تكون التسويات التي حصلت والتي ضمت الدول الثلاث المعنية قد ادت الى المخرج الذي تم طرحه، مع الابقاء على الوتيرة الاعلامية المرتفعة ان من قبل سوريا او ايران والتي تندد بالاتفاقية وبمفاعيلها. ومن غير المتوقع ان تعمد طهران او دمشق الى زعزعة هذه الاتفاقية في الوقت الراهن، ما لم يطرأ تعديل على الخطط الاميركية المرسومة للمنطقة، وما لم يغيّر اوباما وفريق عمله نظرتهما الى الوضع في الشرق الاوسط عموماً، وفي العراق خصوصاً. وبمجمل الاحوال، فإن الاتفاقية ترضي الجميع وتمنحهم بعض الوقت الضائع ليستغلوه في رسم صورة المرحلة المقبلة والتي ستكون مختلفة دون شك عن المرحلة التي سبقتها، وفق ما تظهر المعطيات.