
الكتلة العونية في الحكومة أمام استحقاق التمايز والاستقلالية
24 تموز 2008
روزانا بو منصف - "النهار"
حين يتحدث الاعلام الغربي عن مرحلة ما بعد اتفاق الدوحة في لبنان والتطورات الاخيرة التي تفاعلت في اجتياح بيروت في ايار الماضي، يعتبر ان "حزب الله" نجح في انتزاع الثلث المعطل من الحكومة بما يمكنه من ان تكون له الكلمة الفصل في مسائل متعددة منها موضوع سلاحه الذي يوضع تحت عنوان كبير هو الاستراتيجية الدفاعية ومسائل اخرى كثيرة. ولا يستبعد بعض الديبلوماسيين ان يضاف اليها موضوع التعاون مع المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وهذا المنطق يسري على بعض الدراسات والابحاث الصادرة اخيرا في الخارج وذلك على نقيض الديبلوماسيين المعتمدين في بيروت الذين يرون ان المكسب الذي حققه الحزب كان عبر تحويل سلاحه ضد فئات في الداخل مما عجّل في الثلث المعطل تحالفا بين القوى الشيعية و"التيار الوطني الحر" وليس ملكا للحزب وحده.
الا ان تجيير مكسب الثلث المعطل للحزب بالنسبة الى الخارج يعزز اصرار المسؤولين السوريين بعد الاتفاق على اعتبار هذا انتصارا لهم، اذ قال الرئيس السوري بشار الاسد في حديث صحافي نشر يوم الخميس في 17 من الجاري ان "ما حصل في الدوحة كان اقتراحاً سورياً اساساً". والمسألتان من جانب اعتبار الحزب هو صاحب الثلث المعطل او من جانب اعتبار اتفاق الدوحة في مصلحة النظام السوري، تثيران اسئلة من نوع: اين موقع المسيحيين الحلفاء للحزب في هذه المعادلة؟ ولماذا يتم تغييبهم كأنهم باتوا ملحقين بالحزب او كأنهم انضووا ضمن الفريق الحليف لسوريا في لبنان الى درجة الرهان على ان الانتخابات النيابية المقبلة ستفرز انتصارا لحلفاء سوريا باكثرية مجلس النواب، والطموح طبعا الى اكثر من ذلك، او كما لو ان الامر المسلم به هو ان الفريق المسيحي الحليف للحزب بات يتكامل او يتماهى مع الحزب وربما مع حلفائه الاقليميين. وهناك كثر يقدمون دلائل حسية وميدانية على ذلك الى حد ان احد نواب التكتل العوني قلل قبل ايام اهمية موضوع ترسيم الحدود مع سوريا واعتبره امرا ثانويا وغير مهم فضلا عن مواقف مماثلة لا يمكن التوقف عندها كلها. علما ان المسألة ككل تطرح تساؤلات من نوع هل ان فوز "حزب الله" بالاكثرية في الانتخابات النيابية المقبلة مع حليفه المسيحي سيفتح الباب للقول، كما الآن، ان الحزب بات مسيطرا وان سوريا تعود الى لبنان بواسطته بقوة، وان يكن الطرف المسيحي المعني سيشكل جزءا من هذا الانتصار للحزب على ما يتم التعامل مع مكسب الثلث المعطل له؟
يسمع بعض الديبلوماسيين من قادة في التيار العوني ان سياسة التيار في الحكومة لن تكون هي نفسها سياسة حليفه الشيعي. اذ يحتمل ان تكون هناك نقاط التقاء كثيرة ونقاط اختلاف ايضا. لكن الامر، في رأي هؤلاء، صعب خصوصا على ابواب انتخابات نيابية يعول فيها التيار على حليفه الشيعي من اجل الفوز بالمقاعد المسيحية في مناطق البقاع والجنوب وحتى الجبل، وخصوصا اذا اشتد الضغط عليه في مناطق الثقل المسيحي في المتن وكسروان وجبيل بحسب ما اظهرت معركة المتن الفرعية التي فاز فيها التكتل بمقعد الشهيد بيار الجميل بشق النفس. وهذا الامر سيجعله اكثر ارتباطا به وربما حتى مدينا له بكتلة توازي على الاقل تلك التي يتمتع بها اليوم ولو بتوزيع مختلف، مما يجعل التكهنات بمقاربات سياسية مختلفة للتكتل العوني في القضايا الحيوية للحزب ابان المناقشات في الحكومة الراهنة تدور في خانة اللاواقعية، على الاقل بالنسبة الى هؤلاء، ما لم يبرز التيار قدرته على صوغ استقلالية معينة ليست واضحة المعالم ولا المؤشرات حتى الآن. بل على نقيض ذلك، مع الاستمرار في تبرير مسألة التحالف بين الفريقين المسيحي والشيعي حتى الآن وفضائل هذا التحالف على الوضع السياسي عموما.
ومن هذه الزاوية فان الرهانات على انتخابات نيابية تتركز اساسا بين الافرقاء المسيحيين من دون تبدل في التحالفات السياسية على ما تبرز الامور حتى الآن. وهي تعني، على رغم كل الكلام الهادئ الذي يعتمد في هذه المرحلة بالتزامن مع مناقشات هادئة في مشروع البيان الوزاري، انه يجري الاعداد لمعركة انتخابية على القواعد السياسية نفسها التي تفرز القوى السياسية ميدانيا، اي بين قوى 14 آذار وقوى 8 آذار. لذلك لا يبدو واضحا الدور القوي الذي يمكن ان يضطلع به المسيحيون في التوازن الجديد المحتمل ما داموا سيخوضون معركة الانتخابات على اساس وقوعهم في هذه الخانة او تلك بكل ما تحمل كل منهما من شعارات، وذلك ما لم يخض رئيس الجمهورية الانتخابات بكتلة تشكل فعلا قوة التوازن المطلوبة لمنع الاصطفافات الحادة من جهة، وللسماح لسلطات الدولة بان تقلّع بمعزل عن "ديموقراطية توافقية" على القياس باتت المعنى الحقيقي للتعطيل السياسي، من جهة اخرى. ومع ان الرهان قوي على دور المسيحيين وخصوصا بعد مكاسب مهمة تحققت اخيرا من انتخاب رئيس جديد للجمهورية الى مكاسب للفريقين المسيحيين الاساسيين في الحكومة، فليس واضحا اذا كان في امكانهم نقل لبنان الى مرحلة جديدة لا تتسم باي من السمات التي عرفها لبنان ابان الوصاية السورية، او ربما ايضا ببعض السمات التي شهدها في الاعوام الماضية