
العمليّات تؤكّد لأوباما أن القدس ليست موحّدة
24 تموز 2008
عكيفا الدار - "هآرتس" الاسرائيلية
هناك شك كبير في أن يكون غسان أبو طير من قرية أم طوبا في شرقي القدس قد خطط لعمليته بالتزامن مع زيارة المرشح الديمقراطي باراك اوباما القصيرة لعاصمة اسرائيل. من الصعب معرفة إن كان "المخرب" مع الجرافة قد اختار تنفيذ مأربه على مسافة امتار معدودات من حديقة الجرس الواسعة التي تطل على اسوار البلدة القديمة والجدار الفاصل. على اية حال، العملية تجسد للضيف عمق الهوة السحيقة التي تفصل بين اعلانه الاحتفالي عن ولائه للقدس الموحدة شكليا وبين الواقع المتردي السائد في البلدة المقسمة.
من المطلوب جداً ان يوجه مستشارو اوباما انظارهم للامور التي قالها رئيس "الشاباك"، يوفال ديسكن، بعد العملية. وحذر من انه "ان لم نعالج الفراغ السلطوي، فإن القدس ستتحول الى مشكلة خطيرة" وكيف يقترح ديسكن معالجة هذا الفراغ؟ هو يوصي بـ "تدمير منازل المخربين من اجل الحفاظ على الردع". من الاجدر ان يسأل المرشح الاميركي مستضيفه عن كيفية ولادة هذا الفراغ، وان لم تكن هناك سبل اكثر ذكاءً وحكمة لتعبئته. المسؤولون في القنصلية الاميركية في القدس سيحدثونه مسرورين عن تزايد محبة اسرائيل في الاحياء العربية التي تأخذ الجمعيات الاستيطانية في السيطرة عليها رويداً رويداً بتشجيع من سلطات الدولة.
قبل ايام قلائل من انطلاق اوباما في رحلته، اوضح انه لم يقصد فيما قاله قبل شهرين امام مؤتمر "ايباك" انه ضد تقسيم القدس؛ فقط اعادة الاسلاك الشائكة التي قسمت المدينة حتى حزيران 1976. يمكن الاستنتاج من ذلك ان المرشح، الذي يتصدر الصفوف للرئاسة، يدرك انه لا يعقل التوصل الى تسوية دائمة بين اسرائيل وفلسطين ترضي رغبة طرف بعينه للعقارات المقدسية وخصوصا المواقع الدينية والتاريخية.
ولكن الى أن يدخل الرئيس اوباما (او جون ماكين) البيت الابيض لن يكون هناك ما يمكن تقسيمه تقريبا. المساعي الإسرائيلية لـ "تهويد" القدس بواسطة سن القوانين والتشريعات وفرض القيود الادارية وبناء الجدار الفاصل ومصادرة الاراضي والاساءة للسكان الفلسطينيين، حولت القدس الى مدينة ثنائية القومية.
يحدونا الامل أن لا ينظر اوباما بجدية الى الحكايات حول الانسجام السائد بين العرب واليهود في القدس وان لا ينطلي عليه الادعاء بأن العمليات الثلاث الاخيرة في العاصمة كانت بمبادرات فردية وهي لا تشير الى اتجاهات سلبية في اوساط السكان المحليين. على أحد ما ان يعلمه ان البروفيسور سري نسيبة، احد الرموز الاكثر اعتدالا في النخبة الفلسطينية، قد دعا الاتحاد الاوروبي في هذا الاسبوع للتوقف عن تقديم الدعم الاقتصادي للسلطة الفلسطينية، لان ذلك يكرّس الاحتلال.
ليست السلطة وحدها التي تفقد السيطرة على الشارع في القدس الشرقية؛ "حماس" ايضا ليست معنية الان بخرق التهدئة. غضب سائقي الجرافات يشير الى انهيار القيادة الفلسطينية، شخصٌ وراء شخص وراء شخص وراء آخر لا ينهضون في الصباح، هكذا من دون سبب، ويخرجون للشارع للانقضاض على شبان المعاهد الدينية ودهس الاطفال تحت جنازير الجرافات وإطلاق النار على عناصر حرس الحدود. مثلما في العراق هذه هي الارضية التي تنبت فوقها اعشاب "القاعدة" في قلب قلب اسرائيل : في القدس "الموحدة" وفي القرى العربية وفي المثلث والجليل. الى جانبهم، يزدهر مخربون يهود. ليس هناك تعريف اكثر ملاءمة للزعران اليهود الذين ينكلون بصورة يومية تقريبا بالمواطنين الفلسطينيين من اجل دفعهم للفرار من شرقي القدس ومن جبل الخليل. اقلية متعصبة من الجانبين تجر الشعبين وراءها الى الدرك الاسفل. محمود درويش يصف في قصيدة كتبها مؤخراً شخصين تافهين يسقطان معا في حفرة ويواصلان شجارهما في قلبها أيضا.
القدس المنقسمة على نفسها نقطة مراقبة ممتازة للمساحة الممتدة بين النهر والبحر. ان تبنى الرئيس القادم سياسة "كله كلام بكلام" ومجرد مؤتمرات مثل سلفه، فهكذا ستبدو اسرائيل كلها بعد عدة سنوات. ان كان صديقاً لاسرائيل فإنه سيضطر سريعاً الى وضع الشعار العاطفي "ان نسيتك يا قدس" الذي يناسب فقط الحملات الانتخابية في الكنس. الرئيس الاميركي الذي يحافظ على اسرائيل ويريد مصلحة الدولة اليهودية حقا لن يهدأ ولن يستكين حتى نحتفل بتقسيم القدس الى عاصمتين وتقسيم البلاد الى دولتين.