حينما يكون الموضوعُ هو "الهُوية" حينها تظهَرُ كلُّ مُقوماتِ هويتِكَ، ويُصبحُ المَساسُ بأيٍّ منها من قريبٍ أو من بعيدٍ مثارَ قلقٍ لك،كما أنَّ نظرتَكَ له سَتَتشكَّلُ –حتى دون قصدٍ منكَ- تِبعًا لرؤيتكَ للعالم والتصوّراتِ التي تحمِلُها له. الغِنى في الغُربة وطن،والفقرُ في الوطن غُربة.وإنَّ المــُلكَ الذي ليس في بلدِك لا هو لكَ ولا لولدِك!.
بالعودة إلى تجربتي الشخصية بين إيطاليا ولبنان فقد عِشتُ هذا الإحساسَ الغريبَ العجيب:هل أنا لبنانيٌ متأصِّلٌ أم أنا إيطاليُّ الهوى والمنشأ؟وانا الماروني الكسرواني العابِقُ بالموروثِ الإجتماعيِّ الثقافيِّ الزاخرِ منذ إنطلاقِ المدرسة المارونية في روما سنة 1584 والترجماتِ والحضورِ الماروني في روما Caput Mundi عاصمة العالم مع ترجمات المطران جرمانوس فرحات والخوري بطرس التولاوي ويومَها قيلَ عالمٌ كماروني Savant comme un Maronite، ثلاثةُ عقودٍ ونيِّف قضيتها ذَهاباً وإياباً إلى إيطاليا أتصارعُ بين شرقيتي ومسيحيتي ولبنانيتي وعَبقِ تاريخي وأرضي أرضِ الحرفِ والنور والبخور.
كان الصراعُ دائماً بين هُويتينِ كبيرتَين وعميقتَين من لبنان صيدا وصور، جبل التجلي حرمون، سيدة المنطرة مغدوشة واجران قانا وبين التاريخ الروماني وساحة مار بطرس وكنيسة Santa MariaMaggiore وSan Paolo Fuori Le mura مار بولس خارج أسوار روما. كنتُ تائهاً في بحر إيطاليا من نابولي إلى جزيرة الـLampedusa حيث يُشطِّطُ العديدُ من العربِ الهاربينَ اللاهثينَ إلى حياةٍ أفضل ومُستقبلٍ أضْمن. ورغمَ أنَّ التشابهَ كبيرٌ بين النَفَس الإيطالي والنفَس اللبناني والحياةِ المُعاشة اللبنانية والإيطالية، لكنني بقيتُ أدافعُ عن هويتي الأصلية اللبنانية تُجاهَ الهوية الإيطالية وكنت دائما أقول "الحق على الطليان وليس مع الطليان" وهذا ما كلَّفَني أن لا أحصَلَ على الجِنسية الإيطالية إلا بعد سنينَ طويلة تاركاً ورائي وطني لبنان المُخلَّعِ المشلَّع.
وهنا لا بد من الإشارة ولو بطريقة عرَضية وخاطفةٍ أنه ورغم ثقافتي الـCosmopolitan والعابرة للحدود، لم أرتقِ يوما إلى أن أكون إيطالياً أكثرَ منه لبنانياً رغم التقاربِ الكبيرِ والمُنقطعِ النظيرِ بين الحياة الإيطالية واللبنانية على كافة الأصعدة وفي كل شاردة وواردة... والفرقُ الوحيدُ أن المافيا اللبنانية تفوَّقَت على المافيا الإيطالية Camorra وCosa Nostra، والفسادُ اللبناني لم يَستَطَع قاضٍ واحد أن يَسْتَأصِلُهُ من براثِنِ جمهورية الطوائف على غرار القاضي أنطونيو دي بياترو وعملية الأيادي النظيفة Mani Puliti التي أطلقها في تسعينات القرن الماضي.
وكي لا أنسى كم تأثرتُ بالمفكر الإيطالي Dante Alleghieri يوم قال: "فكــِّر في أن هذا اليومَ الذي تحياهُ لن يأتي مرةً أخرى. إن الحياةَ تنقضي وتمرُّ بسرعة مُذهلة. إننا في سباقٍ مع الزمن. إنَّ اليومَ مُلكُنا وهو مُلكيةٌ غاليةٌ جداً.إنها الملكيةُ الوحيدةُ الأكيدةُ بالنسبة إلينا".
لاشكَّ أنه شعورٌ وطنيٌّ جميل، لكنَّه أقربُ إلى الكذبِ على النفس وتعليلِها بالآمالِ الزائفةِ مِنهُ إلى الحقيقة. فكم من المغتربينَ قضَوا نحبَهُم ما بين الهُويتين وهم يرنونَ للعودةِ إلى قُراهُم وبلداتِهم القديمة!وكم منهم ظلَّ يؤجِلُ العودةَ إلى مسقطِ الرأسِ حتى غزا الشيبُ رأسَهُ دونَ أن يعودَ في النهاية،ودون أن يستمتِعَ بحياة الاغتراب.
في المُحصِّلَة النهائية على كل من يحمِلُ هويةً نازحاً كان أم لاجئاً في وطنٍ ليس هو وطنُهُ الأصلي، إلاَّ أن يحترمَ قواعدَ وأسُسَ وواجباتِ وحقوقَ الهوية الثانية دون أن يَنقُلَ تجربَتَهُ الفاشلةَ من هويَّتِهِ الأم والفوضى العارمةَ التي تعوَّد عليها إلى الهوية الثانية تحت سِتارِ ما هو ممنوعٌ في النظامِ الأوتوقراطي أو التيوقراطي مسموحٌ في دولةِ الحريات واحترامِ حقوقِ الإنسان.
وهذا بالفعل حصل خلال تجربتي الطويلة مع هويتي الثانية الإيطالية،أنني لم أسعَ يوماً إلى التفَلْسُفِ وعيشِ "الأناركيا" اللبنانية بكل خصوصياتها داخلَ الربوعِ الإيطالية بل على العكسِ تعلَّمْتُ من بلد الـRenaissance النهضةِ الفكريةِ والثقافيةِ نهضةِ (ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو وماركوني) أنَّ مشروعَ الدولةِ لا يتجزَّأُ ولا ينفرِطُ عِقدُهُ عند أوَّل مُفترقِ طُرُق.
ورغم عِشقي وتَعلُّقي بأرضِ الرومان، لكنني لم أنسَلِخْ يوماَ عن أرضِ آبائي وأجدادي لبنان.و كي لا نُطيل الكلام في زمنِ قرقعاتِ طبولِ الحروبِ من الإفرنج والعُربان، تبقى الهُويةُ جسرَ عبورٍ للتواصلِ الفكريِّ وإنصهارِ الهُويات في بعضها البعض لإغناءِ بعضِها البَعض على مُختَلِف مشارِبِها وأديانها. المهمُ والأهمُ عدمُ السماحِ بتحويلِ الهُويَّةِ أو الباسبور الجديد إلى مطيَّةٍ للتخريبِ والدخولِ في مشاريعِ أوهامٍ تبدأُ ولا تنتهي فصولُها وقد لا تودي إلى خاتمةٍ سعيدة.
ومع عُمر الخيام في نردِّدُ معاً:
لا تَشْغَلِ البالَ بماضي الزَمان ولا بآتي العَيشِ قبلَ الأوانْ
واغْنَم من الحاضِر لذَّاتِهِ فليسَ في طبعِ الليالي الأمان.