قد تكون تلك اللقطة "المعبّرة" بين رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير السابق جبران باسيل ورئيس الحكومة نواف سلام، خلال اليوم الأول من جلسات مناقشة البيان الوزاري، أهمّ ما أفرزته هذه الجلسات، التي لم تخيّب التقديرات لا في مضمونها ولا في نتيجتها، فتحوّلت كما كان متوقّعًا، إلى مجرد استعراض إعلامي سياسي للنواب الذين تناوبوا على الكلام، وغضبوا إذا ما تأخّر دورهم، وانتفضوا ضدّ "حصر" الكلام بممثّلٍ واحدٍ لكلّ كتلة.

لكنّ كلمات النواب لم تحمل مفاجآت تُذكَر، حتى إنّها استفاضت بمعظمها بالكلام عن الشؤون العامة، بمعزل عن عناوين البيان الوزاري، وعن الخطط الحكومية المفترضة، فبدت أقرب إلى خطابات سياسية، وفي بعض الأحيان انتخابية وشعبوية، عشية استحقاقات بلدية ونيابية يقترب أوانها، لتنتهي بمعظمها إلى منح الحكومة ثقة، وإن تفاوتت بين مطلقة ونسبيّة ومشروطة، أو حتى تلك التي عزاها البعض للرغبة بمنح "اندفاعة" للعهد الجديد.

لذلك، بدت كلمة رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل مختلفة عن غيرها، خصوصًا باللقطة التي انتشرت كالنار في الهشيم، حين توجّه إلى رئيس الحكومة نواف سلام، قائلاً له إنّه لم يكن "على قدر" الثقة التي منحه إياها يوم سمّاه لتأليف الحكومة، ليقرّر أن ينتزعها منه، قبل أن يطرح خريطة طريق لاستعادتها، إن كان راغبًا، فيومئ سلام بما يوحي أنه ليس راغبًا، ليستدرك باسيل سريعًا، فيعتبر أنه قد لا يكون راغبًا بذلك، بوصفه "مدعومًا".

إن دلّ هذا "التشابك"، إن صحّ التعبير، بين باسيل وسلام على شيء، فعلى أنّ رئيس "التيار الوطني الحر" اختار رفع السقف ضدّ هذه الحكومة، وإنّ صنّف معارضته لها بـ"الإيجابية"، لكنّها "إيجابية" لم ترقَ لمستوى منحها كغيره ولو "فرصة"، من باب "الأمل" الذي تمثّله، فكيف تُقرَأ مواقفه بصورة عامة؟ هل أخطأ بحجب الثقة عن الحكومة سلفًا، وربما "شخصنة" الأمور مع رئيسها؟ وأبعد من ذلك، هل أضحى باسيل المعارض "الوحيد" عمليًا في هذا العهد؟.

في المبدأ، يقول العارفون إنّ موقف باسيل لا يفترض أن يكون مُستغرَبًا، بعد كلّ "التعقيدات" التي أحاطت بطريقة تشكيل الحكومة، ولا سيما أنّ رئيس "التيار" يعتبر أنّ له "الفضل" في تكليف سلام، وأنّ الأخير ما كان يمكن أن يصبح رئيسًا للحكومة لولا تصويت تكتل "لبنان القوي" لصالحه، فإذا بالنتيجة تأتي وفق منطقه، تهميشًا لـ"التيار" وإقصاءً له، بفعل "معايير مزدوجة" اعتُمِدت، فضلاً عن "تكبير حجم" بعض الكتل على حسابه.

ولعلّ هذا بالتحديد ما يركّز عليه المحسوبون على "التيار"، الذين يعتبرون أنّ باسيل لم يكن من اختار التموضع في المعارضة، رغم إدراكه أنّها قد تكون لصالحه في هذه المرحلة، لكنّ هذا التموضع "فُرِض عليه فرضًا" إن صحّ التعبير، حين قرّر رئيس الحكومة إقصاءه بكلّ بساطة، استجابة لما يُقال إنّها ضغوط، وفق مبدأ عدم منح "حزب الله" مع حلفائه الثلث المعطّل، لتكون النتيجة تمثيل الحزب، وتغييب "التيار" الذي لم يعد حليفًا له أساسًا.

ولا يستبعد هؤلاء أن تكون الضغوط لإقصاء "التيار" داخلية في جزء منها، في غمزٍ من قناة "القوات اللبنانية" التي حصلت على "حصّة الأسد" المسيحية، بما لا يعكس فعلاً حجم التمثيل بالمقارنة مع "التيار"، علمًا أنّ الحديث عن "انقلاب السحر على الساحر" لا يصحّ هنا، لأنّ "التيار" لم يحتكر يومًا التمثيل المسيحي، بل إنّ "القوات" هي التي كانت ترفض الدخول في الحكومة، بمعزل عمّا كان يقدَّم لها من عروض.

من هنا، يعتبر المحسوبون على "التيار" إنه كان من الطبيعي أن يحجب باسيل الثقة عن حكومة، اختار رئيسها تجاهل حيثيته التمثيلية بكل بساطة، ولم يتردّد في التصويب عليه في إطلالته التلفزيونية الأولى، في حين أنّ ما هو مُستغرَب أن يكون موقفه محور "إدانة" من بعض الأطراف، وما هو مُستغرَب أكثر هو أن يبدي رئيس الحكومة "عدم اكتراث" بثقة مكوّن نيابي أساسي كـ"التيار"، ويمرّ ذلك مرور الكرام.

أكثر من ذلك، يلاحظ هؤلاء أنّ بعض الأطراف الذين لاموا باسيل بسبب حجبه الثقة عن الحكومة، هم ممّن اعتادوا على الدعوة إلى وجود "موالاة ومعارضة"، في حين أنهم اليوم يستكثرون عليه لعب دور المعارضة، وكأن هؤلاء يريدون أن يحرموا "التيار الوطني الحر" من التمثيل الوزاري، لكنّهم في الوقت نفسه لا يرغبون برؤيته في المعارضة، ربما لأنهم يتوجّسون من أن يخدمه هذا الموقع أكثر.

في كلّ الأحوال، يقول المحسوبون على "التيار الوطني الحر" إنّ المكتوب يُقرَأ من عنوانه، وإنّ العنوان لا يبشّر بالخير، لكنّ خصومه يعتبرون أنّ باسيل الذي سمّى نفسه "معارضة إيجابية"، اختار "السلبيّة" عنوانًا للمواجهة مع الحكومة ورئيسها، وبقي "أسير" مرحلة التأليف بعكس ما فعل غيره مثلاً، ممّن سبق أن عبّروا عن امتعاضهم من تجاوزهم في مكانٍ ما، ليخلص هؤلاء إلى أنّ باسيل كرّس نفسه بجلسة التصويت على الثقة، "الخاسر الأكبر" مرّة أخرى.

بالنسبة إلى خصوم "التيار"، فإنّ باسيل لم يكن موفّقًا في التصويب على الحكومة ورئيسها، بل بشخصنة الأمور مع الأخير، حتى لو حاول الإيحاء بـ"توازن ما" في كلمته، وخصوصًا بالتركيز على مبدأ المعارضة "الإيجابية" التي قد تتقاطع مع مفهوم التحالف "على القطعة" الذي ابتكره باسيل، في مسعى منه للقول إنه لن يعارض الحكومة بالمُطلَق، بل سينوّه بأدائها حين تصيب، وسيعترض عليها حين تخطئ، لكنه اختار الهجوم عليها قبل أن تباشر مهامها.

ويعتبر خصوم باسيل أنّ الأخير بدأ يدرك أنّ السياسة التي اعتمدها في الآونة الأخيرة أوصلته إلى ما يشبه الحائط المسدود، ليجد نفسه في نهاية المطاف بلا حلفاء بالمُطلَق، لا ثابتين ولا على القطعة، وذلك بعدما فرّط بتحالفه مع "حزب الله"، اعتقادًا منه بأنّ تقاطعه مع خصومه يمكن أن يكون مثمرًا أكثر، ليكتشف أنّ هؤلاء لا يرغبون بوضع يدهم بيده، حتى إنّ بينهم من رفض الجلوس معه، حتى في مرحلة ما سُمّي بـ"التقاطع" ضدّ مرشح الحزب الرئاسي.

قد يكون تقديم باسيل لواجب العزاء باغتيال الأمين العام السابق لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، بعد غيابه "الجدليّ" عن مراسم التشييع، جزءًا من محاولة إعادة "تصويب البوصلة" إن صحّ التعبير، إلا أنّ الثابت وفق كثيرين، أنّ جلسة مناقشة البيان الوزاري أكّدت المؤكّد، فباسيل انتقل رسميًا إلى صفوف المعارضة، لكن "وحيدًا" هذه المرّة، ومن دون حلفاء حقيقيّين يمكن أن يستند إليهم، أقلّه إلى حين...