خلال مرحلة الحرب، برز مصطلح "سوريا المفيدة"، في إشارة إلى المناطق التي كان النظام السابق يعطيها الأولوية في المعارك العسكرية.
اليوم، بعد رحيل الرئيس السابق بشار الأسد، يبدو أن هذا المصطلح لا يزال هو الحاكم، بالرغم من عدم الإعلان عنه من قبل أي من اللاعبين الفاعلين، لكن مع إختلاف جوهري، يكمن بأنه، بالنسبة إلى هؤلاء اللاعبين، هناك أكثر من "سوريا مفيدة".
الواقع الإقتصادي
من غير المنطقي تحميل السلطة الجديدة مسؤولية الواقع الإقتصادي الحالي، خصوصاً أن معالم الأزمة بدأت منذ ما قبل بداية الحرب، التي ضاعفتها بشكل كبير. إلا أن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن الإجراءات، التي تقوم بها، لا تساعد في الوصول إلى حلول، بل قد تكون مقدمة لما هو أخطر على المستوى الإجتماعي.
في هذا الإطار، تبرز توجهات الخصخصة وتسريح الموظفين، بالتزامن مع حاجة ماسة إلى أموال طائلة لإطلاق مشاريع إعادة الأعمار، الأمر الذي لن يكون بالسهولة التي يتصورها البعض لعدة إعتبارات، تبدأ من عدم قدرة أي جهة خارجية، خصوصاً تلك التي تدعم الإدارة الحالية، على تأمين الأموال وحدها، بالإضافة إلى وجود مشاريع أخرى على مستوى العالم، أهمها أوكرانيا، إلى جانب المشاريع، ذات المستوى الأصغر، في لبنان وغزة.
الواقع الأمني
عندما ظهرت ملامح إقتراب سقوط النظام السابق، كانت الأسئلة تُطرح حول الجهة التي قد تتولى السلطة. لكن، من حيث المبدأ، كانت العديد من الجهات، الإقليمية والدولية، الفاعلة تركز على إخراج النفوذ الإيراني، على إعتبار أن ذلك يساعد في تكريس مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي أعاد رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتانياهو التبشير به.
بعيداً عن الدور الوظيفي لتولي أحمد الشرع السلطة، الذي سيتم التطرق إليه لاحقاً، تبرز على الساحة السورية أكثر من معضلة أمنية، أهمها عدم قدرة الإدارة الجديدة على بسط نفوذها في كل أنحاء البلاد، إلى جانب الإعتداءات التي تستهدف بعض المكونات الطائفية والعرقية، بالإضافة إلى الأوضاع الخاصة بمحافظتي السويداء ودرعا، إلى جانب إلى تلك المتعلقة بـ"قوات سوريا الديمقراطية".
الدور الوظيفي للشرع
هنا، من الممكن طرح سؤال يتعلق بتسلم الشرع السلطة، بالرغم من أن "تحرير الشام" لم تكن أول الداخلين إلى دمشق. لكن الأهم ما تلا ذلك، بالنسبة إلى مختلف المكونات التي لم تشعر بالراحة، بسبب الإنتهاكات التي تحصل في العديد من المناطق، بالإضافة إلى تاريخ الرجل. حيث برزت مجموعة من المكوّنات، الطائفيّة والمناطقيّة، التي تضع شروطاً على الإنخراط في الدولة الجديدة، تبدأ من اللامركزية وصولاً إلى التقسيم.
هذا الواقع كان له ما يشجعه، من خلال وجود مناطق قررت مسبقاً الحفاظ على خصوصيتها، لكن لم يكن من الممكن أن يتطور من دون وجود شخصية تشبه الجولاني، بما يمثله من أفكار ومخاوف، على رأس السلطة في دمشق. على قاعدة أن ذلك يشجعها على التمسك بطروحاتها، لا بل يدفع مكونات أو مناطق أخرى إلى ذلك.
أكثر من "سوريا مفيدة"
إنطلاقاً من الواقعين الإقتصادي والأمني، يمكن الحديث عن مشاريع القوى الخارجية الفاعلة، حيث يوحي المشهد بصراع على النفوذ بين إسرائيل وتركيا، بعد الخطوات التي بادرت إليها تل أبيب، في الأيام الماضية، بالنسبة إلى المناطق في جنوب دمشق، والتي تشمل القنيطرة ودرعا والسويداء.
في المواقف المعلنة، تبدي السلطة الجديدة، التي تحظى بدعم أنقرة، رفضاً للخطوات الإسرائيلية، لكنها لم تبادر إلى أي خطوة عملية، ما يدفع إلى السؤال حول ما إذا كانت تركيا ستدعمها، في حال عمدت إلى ذلك، على إعتبار أن أنقرة، على الأرجح، ليست في هذا الوارد، لكن الأهم هو الموقف الأميركي.
في هذا الإطار، لم تبدِ واشنطن، التي تدعم منذ سنوات "قوات سوريا الديمقراطية"، إعتراضاً على وصول حلفاء أنقرة إلى دمشق، بالرغم من تصنيفهم بالإرهابيين، لكنها تدعم أيضاً الخطوات التي تقوم بها تل أبيب. وبالتالي من الممكن، في ظل الخرائط التي توزع، أن تسعى إلى تفاهم يحصل فيه الجانبان على "سوريا المفيدة"، من وجهة نظر كل منهما.
هذا الواقع، الذي يغلب عليه الطابع الأمني، يتطابق مع الواقع الإقتصادي، لناحية عدم وجود قوة لديها القدرة على رعاية سوريا الموحدة، تحديداً بالنسبة إلى إعادة الإعمار، إلى جانب غياب القدرات الذاتية لدى دمشق. لكن يبقى السؤال حول المناطق ذات الأغلبية العلوية.
بالنسبة إلى هذه المناطق، تطمح أكثر من جهة إلى أن تكون تحت رعايتها، في حين بدأت تُطرح فيها مشاريع فيدرالية. فهناك الوجود الروسي، في طرطوس وحميميم، بالإضافة إلى المساعي الأوروبية، عبر فرنسا تحديداً، إلى جانب رغبة أنقرة في تقديم نفسها قوة قادرة على حمايتهم. مع العلم أن مصلحة تل أبيب تكمن في دفعهم إلى هذه التوجه، بهدف تكريس المعادلة التي تحقق هدفها في المناطق الجنوبية.
في المحصّلة، سوريا لا تزال ضمن مخاض خطير، سيكون له تداعياته على مستوى المنطقة، لم تتضح معالمه النهائية حتى الآن، لكن المؤشرات الراهنة تعزز الخيار التقسيمي.